تبحث الكثير والكثير من العائلات، عند تزويج احدى بناتها، عن زوج يتسم بالعقل والمكانة الاجتماعية المرموقة والاخلاق الكريمة، وبالتالي عند عدم توفر اي من هذه المميزات، لاسيما الصفة الاولى، فان الزوج يعتبر مرفوضاً مقدماً. لكن المشرع اليمني يرفض هذا بل اجاز زواج المجنون، وسن نصوصاً قانونية تمنح الفاقد للعقل.. المرفوع عنه القلم حق الزواج وانجاب الاطفال الذين يذهبون وامهم ضحايا لهذا الزواج. ففي قانون الاحوال الشخصية اليمني رقم «20» لعام 1992، وايضا القانون المعدل رقم «27» لعام 1998، لاتزال بعض نصوص مثيرة للجدل في الاوساط القانونية ومنظمات المجتمع المدني ومنها تلك النصوص المتعلقة بزواج المجنون، فقد اكدت الفقرة «1» من المادة «11» منه على ان يتم العقد للمجنون من وليه بعد صدور اذن من القاضي بذلك، فيما تنص الفقرة «2». «لا يأذن للقاضي بزواج المجنون الا بتوفر الشروط التالية: «أ» قبول الطرف الاخر التزوج من بعد اطلاعه على حالته، «ب» كون مرضه لا ينتقل منه الى نسله، «ج» كون زواجه فيه مصلحة ولا ضرر لغيره».. اما الفقرة «3» اكدت على التثبت من الشرطين الاخيرين «ب، ج» بتقرير من ذوي الاختصاص». تقدير المسئولية! ويرى العديد من رجال القانون المدني ان هذه النصوص الواردة في قانون الاحوال الشخصية مخالفة لمبدأ تقدير المسئولية للفرد في القانون اليمني، حيث يقول المستشار القانوني عبدالباري منصور الزبيري ان المشرع للمادة «11» من القانون ـ الاحوال الشخصية ـ جانب الصواب في تقدير مسئولية الضرر بزواج المجنون وبالذات زوجته وكذا اطفاله، والضرر هنا ناتج عن تصرفه الخارجي والسبب هو التصرف الذي يعد قائمة ـ بحكم القانون والاعراف ـ غير مدان وبالتالي غير مسئول عنه، كونه ـ الزوج المجنون ـ غير مدرك لماهية اعماله وافعاله، اذ لا يمكن ان يتعرض للمسئولية الجنائية والعقوبة، بل تتخذ التدابير بحقه استناداً للقوانين النافذة التي بموجبها يحال المجنون الجاني الى مؤسسة حكومية لعلاج الامراض العقلية حتى يتماثل للشفاء تماماً، وهذا الامر ليس بالسهل في ظل اوضاع المصحات العقلية في البلاد وامكانيات وقدرات وزارة الصحة الحالية، يضاف الى ذلك ان كثيراً من الحالات المحالة الى هذه المصحات ميؤوس علاجها وشفاؤها لاسباب عديدة اهمها الفسيولوجية والوراثية. ويضيف الزبيري ان الكثير من التشريعات العربية وغير العربية اوردت العاهة العقلية كمانع من موانع المسئولية وايضا فقدان الاحساس والشعور بالواقع وادراكه، فالمعروف ان المجنون اكان متزوجاً او عازباً يقوم باعمال وتصرفات معينة لا يدرك خطورتها على الاخرين بمن فيهم اقرب الناس اليه اكانت زوجته او امه او ابناؤه ولا يدرك بالتأكيد مدى عقوبتها ومترتباتها العكسية الاخرى، والمعروف ايضا ان الشخصية المصابة باي مرض من الامراض العقلية ومنها الجنون تصبح ـ حسب تأكيدات العديد من مراجع علم النفس ـ منحلة اجتماعياً وخلقياً وسلوكياً، لا تتورع على ارتكاب الجرائم ومنها القتل، والحوادث المقيدة على هؤلاء المرضى من المتزوجين والتي تطالعنا بها الصحف المحلية باستمرار تبين مدى بشاعة ما يقومون به من قتل وسفك دماء زوجاتهم واطفالهم والاضرار بانفسهم الى حد القتل، في حين نجد ان قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم «12» لعام 94م يقف في صفهم، اذ تنص المادة «33» منه على «لا يسأل من يكون وقت ارتكاب الفعل عاجزاً عن ادراك طبيعته ونتائجه بسبب: «1» الجنون الدائم او المؤقت او العاهة العقلية.. الخ»... اذن من المسئول المباشر والحقيقي على هذه الحوادث المؤسفة، هل قانون الاحوال الشخصية ام القاضي ام الاهل؟ وما هي المصلحة الحقيقية من زواج المجنون؟ ان الاجابة عن هذه التساؤلات المشروعة وغيرها تكشف عن حقائق مؤسفة في الواقع الاجتماعي ومن ابرزها الموروث الثقافي والاجتماعي السائد وثقل التقاليد السيئة المستحكمة حول اهم العلاقات الاجتماعية وهي الزواج هذا الرابط المقدس الذي يعد اللبنة الاساسية للاسرة السعيدة والمجتمع السليم، بالاضافة الى تلك النصوص القانونية الخارجة عن العقل وهنا مربط الفرس.. يقول الباحث الاجتماعي احمد عبد الرحيم القدسي ان المسئولية المباشرة تقع على جميع الاطراف باستثناء المجنون الفاقد للاهلية والمرفوع عنه القلم، وما يهمنا هنا هو قانون الاحوال الشخصية، ففي الوقت الذي يؤكد ان الزواج ارتباط بين زوجين بميثاق شرف وغايته انشاء اسرة قوامها حسن العشرة والبعد عما ينفر والسعي والتعاون ورفع الشر وجلب الخير.. الى ما هناك من اسباب السعادة والاطمئنان، نجده يجيز زواج المجنون دون اعتبار انه فاقد للعقل والادراك وايضاً للحرية في التصرف كونه ليس لديه القدرة العقلية على تمييز افعاله وتصرفاته، اذن فان الخلل القائم يعود بالدرجة الرئيسية الى قانون الاحوال الشخصية النافذ، لذلك لابد من الغاء تلك النصوص التي تجيز زواج المجنون لفقدان المصلحة ولحجم اضرارها المختلفة على الاسرة والمجتمع.. ان حق المختل عقلياً على الدولة توفير المصحات العقلية والنفسية وتزويدها بالاطباء النفسيين الاكفاء وبالمعدات والاجهزة اللازمة وكذلك صيانة انسانيته وحقوقه الادبية، وحقه على اهله وذويه توفير سبل الرعاية له ومساعدته على تجاوز محنته المرضية وتوفير العديد من سبل الراحة والمتطلبات الاساسية الممكنة لمواصلة حياته.. فليس بالزواج وحده يحيا الانسان!.