تقدم الهند مثالا فريدا ومتميزا في احتضان العديد من المواقع التراثية والتاريخية المسجلة في كشوفات الامم المتحدة وموسوعة جينيس للارقام القياسية، وعلى رأسها تاج محل في مدينة اجرا والمسجد الجامع والكثير من القلاع والحصون النادرة، ومن بين تلك الاثار حصن ومنارة قطب التي تعتبر أعلى واضخم بناء في الهند واكثر الاماكن الدينية روعة بلمسات الفنون المعمارية الاسلامية اضافة الذكريات التي تعيش بين جدرانها واروقتها ولا تزال شواهدها حية تفوح منها روائح عطرة من التاريخ النادر لحكام تلك الحقبة وخاصة في المجالين المعماري والعسكري.يبلغ طول المنارة 238 قدما تعانق سماء العاصمة الهندية نيودلهي وتم البدء في بنائها في عام 1192 على ثلاث مراحل خلال فترة وجود عبدالملك قطب الدين ايبك الذي اتم المرحلة الاولى بينما تم بناء الطوابق الثلاثة الاخرى من قبل التوتميش عام 1230. وتعرضت المنارة للاضرار في عام 1322 وتم اصلاحها من قبل محمد بن توجلاك ومرة اخرى تم ترميمها في عام 1368 من قبل فيروز شاه توجلاك، وتتكون جميع الطوابق الخمسة من احزمة دائرية مزخرفة على الطريقة الشرقية بآيات من سور القرآن الكريم، ويضم كل طابق فرندة خاصة به، واول ثلاثة طوابق مشيدة بالطوب الاحمر الرملي المشهورة به الهند بينما الطابق الرابع والخامس منه مشيدان من الحجارة الرخامة الصخرية ومن ابرز ملامح منارة قطب هو طريقة انشاء القواطع الخارجية لحواف الفرندات المتميزة بالهندسة الفريدة والتي تدل على ابداع المهندسين في ذلك الوقت. وبعد انتصاره على راي بيثورا اقام قطب الدين ايبك مسجد قوة الاسلام في عام 1192 وهو اقدم المساجد في الهند وتم الانتهاء منه عام 1198 ميلادية. كما يضم مجمع قطب منار عامود حديدي في ساحته الرئيسية من الحديد الخالص وهو النوع نفسه الذي استخدم في انشاءات المنارة والحصن ومن مزاياه انه لا يصدأ حتى بعد 2000 عام وتم احضاره في القرن الحادي عشر من قبل الملك تومار. المنارة أعلى برج في الهند وكانت المكان الوحيد الذي يكشف الهجمات الخارجية على المنطقة بل المكان الذي يستطيع منه سكان نيودلهي متابعة ما يجري في ضواحي تلك المدينة، الا انها تعرضت لبعض الخراب الجزئي بسبب الزلازل عدة مرات الا انها ورغم ذلك تظل تحفة معمارية رائعة شاهدة على عظمة الفن المعماري الهندسي الاسلامي في ذلك الوقت يقصدها الاف السياح من كافة ارجاء العالم اطلق على المنارة خلال فترة من فترات التاريخ «بريثفي ستامب» لكونها تمت تحت حكم سامرات بريثفي راج شوهان وهو اخر ملوك الهندوس الذين حكموا الهند. دوافع العمارة ومن اسباب ابداعات المنارة رغبة الملك شوهان في تحقيق رغبة زوجته التي كانت تريد الاستمتاع بالقاء نظرة يومية على نهر جومونا، فيما حملت المنارة بعض مؤشرات فنون العمارة الهندوسية: بوابة الطابق الاول تواجه جهة الشمال كما هي العادة تقليديا كاسلوب في البناء الهندوسي، ولكن الابواب الخاصة بالطوابق الاخرى للمنارة فهي تواجه جهة الشرق حيث تلبي متطلبات المسلمين الخاصة بالعقيدة والقبلة التي يتوجهون اليها في الصلاة باتجاه الكعبة المشرفة. المسلمون عادة يعتمدون اساسا في تشييدهم للمباني على القاعدة الواسعة المرتفعة لقمم الابراج وهذا على العكس من بناء الهندوس. بنظرة عامة يمكن للشخص العادي ملاحظة المخارج في الطابق الاول تشير الى علامات تتعلق بالديانة الهندوسية التي لم تكن في يوم من الايام محل وجود لدى الديانة الاسلامية. كان قطب الدين قائدا للجيش ونائبا للملك محيي الدين محمد جوريبن سام، ملك جازني. ومن اجل الاحتفال بنصره الحاسم على قوات رابوت التابعة للملك سامرات بريثفي راج شوهان في عام 1192 بعد الميلاد في ميدان تاريان من قبل محمد جوري. والمنارة عبارة عن ملحق تابع لمسجد يسمى قوة الاسلام هدفها مضاعفة المساحة المجاورة ولتعزيز الارتفاع ايضا. وهناك 379 درجة رخامية دائرية تؤدي الى قمة المنارة. 233 قدما بعرض 8 انشات لكل واحدة فيما يبلغ ارتفاع كل طابق من الدرجات على النحو التالي: الطابق الاول: 95 قدما، 156 درجة، الطابق الثاني: 50 قدماً، 78 درجة، الطابق الثالث: 40 قدما، 62 درجة، الطابق الرابع: 25 قدما، 42 درجة، الطابق الخامس: 22 قدما، 41 درجة. المجموع: 233 قدما، 379 درجة. اما قطر المنارة فيبلغ 47 قدما و9 اقدام عند القمة وكل طابق منفصل بفرندة وتتميز الثلاثة الاولى بمنحنيات معمارية رائعة كدليل على ابداع المهندسين في ذلك الوقت. اما الحجارة فهي ذات لون احمر مزينة بمنحنيات دقيقة استخدمت في الطوابق الثلاثة الاولى فيما الطابق الرابع والخامس لهما قبة بمساحة 12 قدماً وارتفاع 10 انشات. تعرضت المنارة للتلف الخفيف وتم اعادة ترميمها عام 1503 وفي عام 1803 دمرت القبة ووقعت على الارض بفعل الزلزال. ولكن ترممت مرة اخرى عام 1828 بتكلفة قدرت بنحو 17 الف روبية في ذلك الوقت. وفي عام 1848 ازال اللورد هاردينغ القبة ووضعها بجانب المنارة على الارض. على بوابة كل طابق من الطوابق هناك نقوش مدونة بلغة القرآن الكريم، حديث شريف عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم «من بنى بيتا من بيوت الله بنى الله له بيتا في الجنة». تعرضت المنارة للاضرار خلال فترة حكم سكندر شاه ودمرت قمتها العليا فيما تم اصلاحها عام 1503. ومن النقوش المدونة ايضا على الطابق الثاني ايضا عبارة «تم اتمام هذا البناء من قبل اراميش» فيما دون على الطابق الخامس انه تم في عهد السلطان فيروز. ولاشك ان هذا العمل العظيم تم خلال فترات حكم السلاطين المسلمين ولكن المهارات الفنية كانت بمساعدة المهندسين الهندوس. شواهد حية اما جامع قوة الاسلام التابع عمليا للمنارة فهو اقدم المساجد في الهند وشيده قطب الدين ايبك بعد سيطرته على مدينة دلهي من نفوذ شوهان على موقع المسجد الذي حل محل معبد هندوسي يسمى فيشنو ماندي. وبني المسجد على مساحة بطول 150 قدما وعرض 75 قدما واستخدمت فيه الحجارة من 28 معبدا هنديا. ويبلغ طول انحاء الاعمدة الخاصة به نحو 35 قدما وذلك في خمسة طرق. يعتبر المسجد من التحف المعمارية في الهند بل في العالم حيث ان البوابات الرئيسية مغطاة بقبة ضخمة فيما يبلغ ارتفاع جدار ساحة المسجد نحو 8 اقدام. البناء مشيد من الحجارة الحمراء والصفراء ولايزال يحتفظ بنفس ملامح المسجد الجامع في دلهي الذي تعاقب في بنائه سلاطين العاصمة. وفي منتصف باحة مسجد قوة الاسلام يوجد عامود حديدي ـ يتكون من الحديد الصافي بنقاء 99.966 فيما تتكون النسب الباقية من الكربون، السيلكون، الفسفور والمغنيسوم يكشف عن الحضارة العلمية لدولة الهند في ذلك الوقت باعتبارها ذروة التقدم والحضارة، وهو عبارة عن قطعة معدنية صلبة شديدة النعومة بارتفاع 32 قدما وعرض 8 انشات بقطر قاعدته 6 اقدام واربعة انشات، وفي قمته قدمان و4 انشات. وقد تم تثبيته بثمانية قضبان صلبة قوية في الارض. وللعامود قصص وروايات عديدة حول وجوده منها تم بناؤه من قبل راجا ماهاديف عام 895 قبل الميلاد، فيما تقول رواية اخرى انه اقيم من قبل راجا اخر حكم الهند في القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، الا ان هذه الرواية رفضتها العديد من المصادر التاريخية التي يرى ان العامود بني من قبل المهراجا شاندرا. يقول البعض ان العامود الذي يزن 6 اطنان، اقيم اساسا في مدينة انترابراث خلال فترة حكم مهاراباترا، وتم بعد ذلك نقله الى منطقة بيهار المدينة القديمة لولاية ماجادا وفي نهاية المطاف استقر الامر به في دلهي واقيم امام معبد فيشنو ماندير من قبل راجبوب ملك انانجبال خلال القرن الحادي عشر بعد الميلاد. وتقول المعتقدات القديمة ان وجود العامود يثبت ويعزز سلطة الانظمة الحاكمة لدرجة انهم كانوا يعتقدون بان الامبراطوريات تظل راسخة وقوية طالما ظل هذا العامود ثابتا على الارض. وخلال حكم محمد شاه تعرضت الهند لغزوات من قبل نادر شاه الذي زار منارة قطب وابدى اعجابه ودهشته بالعامود واراد اقتلاعه الا ان العامود كان ثابتا للغاية الا انه في النهاية اطلق عليه قذائف مدفعية لتدميره مما خلف اثارا خفيفة على سطحه والتي لاتزال واضحة حتى الان. وعلى بعد بعض اقدام جنوب شرق منارة قطب تقع بوابة ضخمة تسمى عليا دروازة، مشيدة من الحجر الاحمر في عهد علاء الدين خلجي عام 1310، وهو من اروع الابواب في العالم بمقاس 35.5 قدماً من الداخل و55.5 من الخارج فيما يبلغ ارتفاع جدرانه 47 قدما. وسمك السقف 11 قدما، وهناك نافذتان مغلقتان بصخرة كبيرة من الرخام. انه ليس مجرد بوابة مدهشة بل ايضا الاجمل ديكورا وتزيينا وزخرفة في الهند والعالم ايضا خاصة وان الانحناءات التي تطغى على اعمالها الفنية الداخلية تتحدى ابرع الفنانين في هذا العصر، بل عملها الداخلي والخارجي يستحق التقدير والاعجاب بذلك الفن القديم الجديد.