غالباً ما يظهر شيء من التجارب العلمية يجبر الباحثين على التخلي عن الوسائل القديمة وانتهاج وسائل جديدة لتتفق مع ملاحظاتهم. هذا ما حدث في دراسة اجراها مؤخراً الباحثون في جامعة روكفلر وثبت منها ان النماذج القديمة للانقسام الخليوي في الخميرة كانت تعتمد وتركز على النوع الخاطئ من البروتينات. كان العلماء حتى الان يعتقدون ان خلايا الخميرة تبدأ في الانقسام الى خليتين جديدتين عند تدمير بروتين يسمى Clb5 لكن البحث الجديد اثبت ان بروتيناً آخر يسمى Clb2 هو المسئول عن عملية الانقسام. ويقول رالف واسن الباحث بجامعة روكفلر ورئيس فريق الدراسة انهم دهشوا من ان النموذج المعروف عن انقسام خلايا الخميرة ليس النموذج الصحيح فقد وجدوا ان انقسام الخلايا يحدث في وجود بروتين Clb5 وهذا يعني ان تدمير هذا البروتين ليس هو مفتاح الانقسام والاكثر من ذلك انهم اثبتوا ان الخلايا لا يمكن ان تنقسم في وجود بروتين Clb2. وهناك دلالات لنتائج هذه الدراسة بخصوص علاج السرطان الذي تعتبر آلية انقسام خلاياه لغزاً لان دورة الخلية تأخذ اتجاهاً غير طبيعي، فضلاً عن توفير رؤية عميقة جديدة عن دورة الخلية وهي العملية التي يتم بها انقسام الخلايا من الخميرة الى الانسجة البشرية. ويقول فردريك كروس احد المشاركين في الدراسة ورئيس معمل المورثات الجزيئية للخميرة ان خلايا الخميرة والخلايا البشرية تشترك في آليات دورة الخلية او طريقة انقسامها ولذلك ولأنه من الاسهل اجراء التجارب على خلايا الخميرة فإن الاخيرة نموذج مثالي لدراسة كيفية عمل دورة الخلية في الانسان وكيف تنمو نمواً مختلفاً في حالة السرطان. كيف تنقسم الخلايا؟ جميع الخلايا التي تحتوي على نويات لابد ان تمر بدورة معينة لكي تنقسم وتنتج خلايا جديدة وخلال هذه الدورة لابد ان يحدث امران هامان داخل نواة الخلية، اولاً انقسام الحامض النووي وهي المرحلة S ثم انقسام الكروموسومات الناتجة وانفصالها الى مجموعتين وهي المرحلة M وهناك فترتان من الراحة للخلية قبل كل من المرحلتين وتسميان Gl وG2. وعندما تشعر الخلية ان هذه المراحل تمت دون خطأ تنقسم الى خليتين وتنتج خلية جديدة ثم تبدأ العملية من جديد او تدخل الخلية في حالة سبات وكساد. وانتقال الخلية من مرحلة الى اخرى يعتمد على موجات دورية في الدورة المذكورة وتتمثل في انخفاض مستويات الحامض النووي استعداداً للانقسام وارتفاع مستوياته لبدء المرحلة S ثم تبدأ الخلية في الانقسام ويظهر السرطان عندما يفشل الجسم في تنظيم هذه العملية مثلاً الخلايا السليمة تستجيب للعناصر التي تضر بالحامض النووي مثل اشعة الشمس والتدخين عن طريق وقف دورة الانقسام ويتم اصلاح الخلل خلال فترة التوقف وقد يحدث نوع آخر من الاستجابة يسمى انتحار الخلايا غير ان الخلايا السرطانية هي التي فقدت هذه الضوابط والتوازنات مما ينتج عنه دورة خليوية خرجت عن السيطرة وبالتالي يصاب الحامض النووي او يتلف وتتكون الاورام وينتج هذا التدهور في الخلية عن تغيرات جينية تؤدي الى كميات غير طبيعية من بروتينات دورة الخلية. المحركات الخليوية كما تفيد احدث الاكتشافات الى نوع جديد من التفكير بشأن المحركات الخليوية وهي تكوينات معقدة من البروتينات تتحكم في دورة الخلية وتوجد في نواتها وخلال عملية الانقسام تقوم هذه المحركات بابلاغ الخلية بتدمير بعض المركبات البروتينية حتى تبدأ عملية الانقسام وهناك مركبان من البروتينات في الخلايا البشرية وخلايا الخميرة هما Cdc20 وCdh1. كان العلماء يعتقدون من قبل ان بروتين Cdc20 يتحكم في انفصال الكروموسومات وخروج الخلية الجديدة من الاولى عن طريق القضاء على بروتين Clb5، ويعتقدون ان بروتين Cdh1 يكمل عملية الخروج عن طريق تدمير بروتين Clb2. غير ان البحث الجديد يشير الى شيء آخر وهو ان بروتين Cdc20 يعطي الاوامر بالخروج عن طريق تدمير بروتين Clb2 وClb5. ويقول واسن ان التجارب السابقة التي اوضحت تدمير بروتين Clb5 ليكون ذلك بداية انقسام الخلية لم تكن دقيقة ولم تكن النتائج صحيحة تماماً. ونستطيع الآن ان نعيد تفسير هذه التجارب او نتائجها بأن تدمير بروتين Clb5 هو بداية انقسام الخلية فقط تحت ظروف معملية، لكننا نعرف الآن ان العامل الحيوي في انقسام الخلية هو تدمير البروتين Cdc20 مباشرة لبروتين Clb2. ويقول الباحثون ان تدمير بروتين Clb5 امر ضروري للحفاظ على الكروموسومات. كما تفيد النتائج بكيفية تطور المركبين من البروتين المعقد ويقول الباحثون ان المركب الاول يتحكم في فصل الكروموسومات وخروج الخلية الجديدة من الاولى ويتحكم المركب الثاني في الفصل بين دورات النمو والانقسام والمرحلة Gl لانها توفر للكائنات الارقى القدرة على انتاج انواع مختلفة من الخلايا ويتوقع الباحثون ان هذا المركب البروتيني الثاني قد يكون خطوة هامة في تطور خلايا الخميرة والخلايا البشرية.