من المؤكد اننا حين نقوم بتغيير بيوتنا وننتقل الى مكان جديد ستصادفنا أمور كثيرة تحتاج منا لمجهود كبير كأن نلملم أغراضنا ومتعلقاتنا بشكل مرتب ودقيق، كما تحتاج منا لوقت، والشيء الآخر هو تهيئة المكان الجديد واصلاح الاشياء المعطوبة وطلاء الجدران وما شابه ذلك، فإذا استقر الحال بنا ومضت فترة سنكتشف ان هناك نواقص يجب ان نكملها فنستدعي النجار لكي يصلح الباب، أو العامل المختص لتركيب الستائر، ثم بعد ذلك تفاجئنا الأعطال في الأجهزة الكهربائية فنحملها في كل مرة الى محلات الفنيين الكهربائيين، أشياء كثيرة تصادفنا في منازلنا ونقف أمامها عاجزين،المهم اننا ندفع المقابل بعد محاولات مستميتة في التفاوض، لذلك هناك من يهتم بهذه الأمور البسيطة ويقوم بصيانة بيته وأثاثه بنفسه، وهناك من يحتفظ بأدوات النجارة والحدادة لمثل هذه الظروف الطارئة، وهناك ايضاً من يقوم باصلاح أدواته الكهربائية بنفسه أو على الأقل يحاول القيام بذلك، وفيما يخص السيارة ايضاً نجد من يحاول جاهداً فهم كل شيء فيها ويقوم بالاصلاح في الحالات الطارئة، وعلى النقيض تماماً نرى من يكل أمر هذه الأشياء لذوي الاختصاص دون فهم لحجم العطل أو تقدير مناسب للمقابل الذي يدفعه نظير عمل ما، وأقصى ما يفعله هو ان يقوم بالاتصال بالمختص ويرضخ لشروطه ثم يدفع ويمضي، فمن أي نوع أنت؟ وهل تحرص على القيام بالاشياء الضرورية في بيتك بنفسك أم انك تلجأ لشخص آخر؟ وهل شعرت ولو لمرة واحدة بالغبن، تجاه المقابل الذي تدفعه مقارنة بجودة الاصلاح؟ وهل تحتفظ في بيتك بالأدوات التي تحتاجها في ظروف طارئة أم انك تترك الأمور للصدفة؟«دنيا الناس» طرحت الاسئلة على الجمهور وكان ما يلي: من وجهة نظر أمجد فخري «مراقب» ان هذه الاشياء تعتمد بالدرجة الأولى على مدى الاستعداد النفسي والتقني الذي يتمتع به الانسان، فهناك من يجد في نفسه رغبة حقيقية لتعلم مختلف الأمور الدقيقة كاصلاح الكهربائيات على الرغم من انه ليس متخصصاً في هذا الشأن، وهناك من لا يهتم بهذه الأمور ويدعها لمن يفهم فيها اكثر منه، والحق ان هناك فرقاً بين أشياء تحتاج لمختصين واشياء أخرى يمكن للانسان ان يقوم بها بنفسه، كنظافة البيت الجديد حين ننتقل اليه، فأنا أرى ان شخصاً نستأجره للقيام بهذا الأمر لن يكون كما نريد نحن، وأنا شخصياً أقوم باصلاح بعض الاشياء التي لا تستدعي ان نحضر من يقوم باصلاحها شرط ألا تحتاج الى أدوات خاصة لا أقتنيها، لكن يجب ان نفرق أيضاً بين من يقوم بهذه الأعمال بدافع فضولي يحمل بين طياته متعة لا تضاهيها متعة حين يقوم بطلاء جدران بيته مثلاً، فهو عندما ينتهي من انجاز عمله لاشك ينظر الى فعل يديه باعجاب واعتزاز، بل ويفاخر بين أصدقائه بأنه هو الذي فعل ذلك، وذلك بخلاف الذي يفعل ذلك من أجل توفير المادة، وإذا كانت التجربة في المحصلة النهائية لا تعترف إلا باجادة العمل إلا ان الانجاز بدافع المتعة سيكون مختلفاً عن غيره دون شك. ويضيف أمجد: سأعطيك مثالاً أبسّط لك فيه شعور الانسان بالفرحة والراحة النفسية عندما يقوم بعمل ما في بيته، فلقد اشتريت مكتباً سعره وهو مكتمل التركيب يزيد عشرة دراهم على سعره وهو مفكك داخل الكرتونة، أي ان الفارق هو فقط مقابل التركيب، وقد اخترت ان أجرب تركيبه بنفسي ليس طمعاً في توفير الفرق ولكن لكي اختبر قدرتي، والشيء الثاني استفيد من الوقت في شيء نافع، وهكذا أحضرت الادوات من مفاتيح وأزاميل وبدأت العملية التي احتاجت مني لأربع ساعات قمت خلالها باعادة عملية التركيب أكثر من مرة لوجود أخطاء في وضع القطع في مكانها المناسب، وفي النهاية استطعت التغلب على كل التعقيدات التي لم يوضحها الرسم، ولكم كانت فرحتي عندما انتهيت تماماً من انجاز العمل ووقفت طويلاً أمامه أتأمله واختبر مدى صلابته وان كل قطعة لم تكن إلا في مكانها الصحيح، أما بخصوص ما يحدث مع محلات الاصلاح أو عمال الطلاء من مشادات حول الاسعار أو عودة العطل نفسه الى الآلة بعد اعادة تصليحها فأنا لا أستطيع الجزم بشكل قاطع على تلاعب البعض في تصليح العطل أولاً إذ يوهمك ان الأمر يحتاج ليومين أو أكثر ليقول لك أسباب العطب وهو بذلك يعطي لنفسه مساحة لأن يقنعك بأشياء أنت لا تفهم فيها أساسا، وهناك من يقول لك أسباب العطل وأنت واقف أمامه، انها مسألة ضمير وعلى الانسان ان يكون حريصاً إذ بامكانه قبل الموافقة على عملية الاصلاح ان يذهب الى أكثر من محل حتى يعرف جانباً من حقيقة الأعطال، وهذا الأمر نراه بوضوح مع كراجات تصليح السيارات، فعندما تذهب الى أحدهم يقول لك ان أسباب العطل هي كذا وكذا ويطلب مقابل التصليح مبالغ كبيرة علاوة على شراء قطع الغيار، وعندما تذهب الى آخر للعطل ذاته تراه يقوم بعملية الاصلاح في دقائق معدودة دون ان يكلفك سوى بضعة دراهم، أما أن يقوم الشخص باصلاح أعطال سيارته فأنا أرى ذلك مستحيلاً بالنسبة لي، لأنني وان استطعت تشخيص العطل فأنا أحتاج الى أدوات من الصعب ان أحتفظ بها. التجارب مفيدة اشرف الرومي «موظف» له وجهة نظر قد لا تختلف كثيراً في مضمونها عما قاله الآخرون، إذ يرى في الأشياء المنزلية واصلاحها متعة وتمضية وقت من التسلية المفيدة، وان الانسان عندما يقوم بعمل شيء ما في بيته فإنه يخلق نوعاً من العلاقة الحميمة بينه وبين الاشياء يقول: في البداية أنا لا أثق بالمرة في كل ما يقوله الأشخاص المعنيون باصلاح الأعطال التي تصيب المعدات والادوات الكهربائية من حيث القدرة على معرفة الأسباب الحقيقية للعطل أو الافصاح عن الأعطال الصغيرة وعدم تضخيمها حتى يتقاضوا أجراً مرتفعاً، لذلك فإنني أحرص في هذه الحالات على ان أبقى حتى أعرف وأفهم بنفسي مدى الأضرار وحجم التكلفة، فإذا اقتنعت أوافق وإن لم اقتنع أذهب لشخص آخر وأقارن بين ما قاله وطالب به السابق، حينها فقط استسلم للأمر الواقع وأترك عملية الاصلاح تأخذ مجراها وأدفع المقابل من دون الدخول في مناقشات أو مهاترات جانبية، ولأنني جربت في احدى المرات ان استعين بنجار لاصلاح أحد أبواب البيت وعندما حضر أخذ يفحص ويأخذ المقاسات ويجلس ليستريح، ثم يطلب كوب ماء، ويأخذ رشفة من الشاي يفعل كل ذلك بتمهل شديد مع ان العملية كلها لا تستغرق أكثر من 10 دقائق، وتعجبت في البداية لتباطؤ حركته حتى اكتشفت في النهاية انه يريد الحساب على أساس الوقت، أي بمفهوم الساعة بكذا، ولأنه لم يشترط منذ البداية عليّ أجراً وافقته ولكن بعد ان استقطعت الأوقات التي قضاها جالساً لا يعمل انطلاقا من مبدأ احقاق الحق، فأنا لا أريد ان أظلم أحداً، وفي الوقت نفسه لا أرضى بأن يضحك عليّ أحد. ويستطرد أشرف قائلا: هناك من الناس من لا يستطيع ان يدق مجرد مسمار في جدار لتكاسله الشديد، ويقوم باستئجار من ينوب عنه في فعل ذلك، وبالنسبة لي فإن عملية اصلاح أو ترتيب الاشياء في بيتي اعتبرها من الأمور التي تسعدني كثيراً، وأنا احاول ان أجرب القيام بأعمال لم أمارسها من قبل ولكنني أسأل فيها ثم أمارسها، فمثلاً أقوم باصلاح وصلات مواسير المياه في البيت إذا ما استدعى الأمر ذلك، والغريب انني اكتشفت في كل مرة ان الأمر ليس صعباً بالدرجة التي يتخيلها البعض، إنها عملية في غاية البساطة، المهم ان نجرب وان نحاول مرة تلو الأخرى، أما الادوات التي احتفظ بها في بيتي فهي بسيطة وتفي بالاحتياجات الطارئة لعمليات الاصلاح كالمفاتيح المرقمة والشاكوش والمنشار والادوات البسيطة لاستعمالات الكهرباء مثل المفك، فأنت تحتاج لمثل هذه الادوات حتما ولو من حين الى آخر، وعموماً فإن تعلم الاشياء الصغيرة يقود الانسان الى الجرأة على الأمور الكثيرة حين يتعلق بحبه للعمل واختبار ذكائه، لأنه في النهاية يمكن ان تجد نفسك في وقت أو ظرف طاريء أمام عطل بسيط وأنت عاجز عن اصلاحه كانقطاع الكهرباء فجأة داخل بيتك، فهل تنتظر حتى الصباح لحين وصول أحدهم وتراه يعيد التشغيل بمجرد ضغطه على زر في لوحة المفاتيح المثبتة على الحائط فتضرب كفاً بكف وتتندم على ليلة قضيتها في ظلام دون داع؟ ان مجرد معرفة هذه الأمور الصغيرة تجنبنا الكثير من المواقف التافهة، وإذا توسعنا بشمولية أكبر سنجد ان التعلم يوفر لنا الكثير من الوقت والجهد والمال بالطبع، وأنا واحد من الناس الذين يحرصون على معرفة وتعلم كل شيء لمجرد المعرفة فقط، وعندما تتطلب المواقف الطارئة تدخلاً مني أكون في تمام الجاهزية ولا أنتظر المساعدة من أحد. تعدد المواهب أما فايز فرحان (سائق) فعنده اجابات كثيرة تنطلق من خبرة عملية في الشئون المنزلية، إذ انه يجيد كل ما يمكن ان يحتاجه المرء من اصلاحات أو ترميم في بيته، يقول: منذ صغري وأنا أعشق اللعب بالاشياء التي تحتاج الى موهبة ابداعية لصناعتها أو اعادة تركيبها، خصوصا فيما يتلعق بالسيارات التي أتفنن في اختيار شكلها والأشياء القديمة التي أصنعها منها كالمعلبات الفارغة وقضبان الحديد متوسطة الحجم لتكون في النهاية لعبة يغار منها الاصدقاء ثم يتقربون مني لكي أعلمهم كيف يفعلون مثلي، لذلك عندما كبرت تعلمت قيادة السيارات في فترة وجيزة، بل واحترفت قيادتها بنفس راضية، إذ انني استمتعت بقيادتها قبل أن تكون مصدر رزق أساسي، وبالتالي فأنا أقوم باصلاح سيارتي بنفسي سواء كان العطل ميكانيكياً أو كهربائياً أو لأسباب باخرى، ومن هنا كان تعلقي بكل شيء أراه أمامي فأتعلمه، والحمد لله لم يحدث في أي وقت ان استعنت بنجار لتركيب نوافذ أو أبواب، فأنا أقوم بذلك بنفسي وباجادة تضاهي بل وتفوق أمهر النجارين، كذلك الحال بالنسبة للأعمال الأخرى مثل السباكة أو الأعطال التي تطال الاجهزة الكهربائية، فنادراً ما يراني أحد وأنا أجلس بدون ان أفعل شيئاً، حتى أعمال البناء أجيدها، ولكن بالطبع لا أمارسها هنا، واعتقد ان الانسان عندما يتعلم هذه الأشياء باستطاعته ان يواجه المواقف الصعبة، وقطعاً ليس مطلوباً من كل شخص أن يكون متخصصاً في كل شيء وإنما مجرد المعرفة يجنب الانسان الكثير من المتاعب. ويستطرد فايز قائلا: أنا لا أستطيع الحكم على ما تقوله بشأن تلاعب الفنيين والحرفيين واستغلالهم للناس من حيث المغالاة في المقابل الذي يتقاضونه نظير أعطال بسيطة، لأنني لم أجرب ذلك ولم يحدث معي ان ذهبت الى محل اصلاح الكترونيات حتى اصطدم مع هذه المشاكل، وكما قلنا في البداية، حين يعرف كل منا أبسط هذه الأمور بامكانه ان يفرق بين من يستغله ومن يعمل بضمير، وهذا لا يعني انني بعيد تماماً عن هذه الممارسات، إذ رأيت حالات وقعت أحداثها أمامي حين قام احد الزبائن باستدعاء الشرطة لكي تفصل في نزاع بينه وبين ميكانيكي لم يستطع اصلاح العطل الحقيقي في السيارة، وفي كل مرة كان الزبون يدفع ولكن من دون فائدة تذكر، وفي المقابل كان صاحب الورشة يتعلل بأنه تعب وقضى وقتاً في عملية الاصلاح ومن حقه ان يتقاضى أجره، مثل هذه الحالات يمكن تلافيها إذا أعطى الواحد منا قدراً من الاهتمام لمثل هذه الأمور حتى ولو من باب العلم بالشيء، وأرجو ألا تتعجب إذا قلت لك انني أقوم بخياطة ملابسي إذا تعرضت للتمزق، وأقوم بتثبيت زر قميصي إذا سقط فجأة ولا أجد في ذلك صعوبة على الاطلاق، إنما هي المهارة التي اكتسبتها بدافع الفضول أولاً، ثم مارستها في أوقات الحاجة، وأنت حين ترى نفسك تجيد كل الاشياء تشعر بسعادة تغمرك وتكون راضياً عن نفسك الى أقصى حد، انه الاعتماد على النفس الذي يتطلب قدراً من الصبر والبحث عن المعرفة في كل المجالات، فما الضير إذا تعود الانسان تحضير واصلاح أشيائه بنفسه دون ان ينتظر الآخرين لكي يفعلوا ذلك نيابة عنه ثم يشتكي انهم يستغلونه؟ وعموماً ان هذه الممارسات تظل رهن استعداد الأشخاص دون تكبر منهم. اثبات الذات ومن ناحيته يركز جعفر عبدالرحيم (موظف) على أهمية ان يكون الانسان ملماً ببعض هذه الأمور حتى يكون على استعداد لمواجهة الظروف الطارئة، إذ يبادرنا بقوله: علينا ان نعود الى بدايات الافراد وبالتحديد في مراحلهم السنية المبكرة لنعرف ان الطفل بطبيعته يجيد أكثر من شيء في وقت واحد، إلا ان ميوله في عمر لاحق تتركز على شيء دون الآخر، وهذا لا يعني انه نسي بقية الاشياء، بل انها تظل عالقة في ذاكرته حتى يحين وقت الحاجة اليها، ثم ان الطفل هو الأقدر على التقاط كيفية عمل أو صناعة شيء يراه أمام عينيه، وان لم يحاول ان يمارسه بنفسه آنذاك فإن ممارسته في وقت لاحق قد تكون ممكنة جداً، ومن هنا علينا ألا نتعجب إذا رأينا أحد الاشخاص يمارس أكثر من مهنة وبنفس الروح الاندفاعية والعزيمة المتمكنة، وفيما يخص الأعمال المنزلية فإن الشيء نفسه ينطبق عليها لكن تبقى عملية الرضا عن النفس، إذ ان البعض يرى انتقاصاً من شخصيته إن هو قام بهذه الأعمال، مع ان العكس هو الصحيح، ان اثبات الذات يمكن ان يتحقق من خلال خوض هذه التجارب حتى ولو على سبيل التجربة والمعرفة بالشيء، خصوصاً عندما تكون التجربة بينه وبين نفسه وداخل بيته، ان علاقة ما لا يمكن ان تستوعبها الكلمات تنشأ بين الشيء وصاحبه عندما يتدخل بنفسه في اصلاحه أو صناعته، وبالنسبة لي فأنا أحاول مع كل شيء واحياناً يحدث ان أخرب أكثر مما أصلح، ولكن لا بأس ومع التكرار أجيد عملية الاصلاح، وعندما يقوم أحدهم بفك آلة أو اصلاحها فإنني أظل قريباً منه وأسأله عما لا أعرفه، وقد يغضب البعض من تدخلاتي البليدة ولكن ايضاً لا بأس، المهم ألا أقف مكتوف اليدين وفي استطاعتي ان أعرف شيئاً أو معلومة جديدة. ويضيف جعفر: بالنسبة للأعمال التي أجيدها فهي قليلة وبسيطة في الوقت نفسه ولا تحتاج إلا لمجهود ذهني، فمثلاً أنا لا أحتاج الى شخص في ضبط القنوات التلفزيونية أو لتوصيل الأسلاك بين الاجهزة بعضها ببعض، وإنما تعلمتها من المرة الأولى التي رأيت أحدهم يعمل على ضبطها ثم يقوم بوضع الوصلات في أماكنها الصحيحة، والشيء الآخر هو قدرتي على تركيب الستائر وبشكل ممتاز، وأنا حين أقوم بعمل ذلك إنما من باب التسلية لا من باب التوفير، أما ما يخص استغلال بعض الفنيين للناس فهذا موجود دون شك ولكن يجب ألا نتهم دون الاستناد الى أدلة أو ان نطلق الأحكام بشكل عام، وإذا كانت هذه النماذج موجودة، فالأولى ان نكون حذرين ولنحاول ان نتعلم ونعرف ونسأل