يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. استقبلني في المكتب قائد الأنصار عبد العزيز العطّي وكان صديقي أبو الوليد هذا يعرف أني أيدت الرأي الآخر حين اختلف الشيوعيون بشأن مجاراة حملة البنادق؛ لقد أيدت رأي فهمي السلفيتي الذي رأى في التوسع في التسلح خارج الأرض المحتلة انصرافاً عن مقاومة الاحتلال في الميدان الرئيس ومضيعة للوقت والجهد ومجلبة للمتاعب التي لا لزوم لها. وكان العطّي واحداً من الذين يأخذون عليّ مبالغتي في التخوف من السلبيات، فيما آخذ أنا عليه افراطه في التعويل على الايجابيّات. ولكي لا يتيح لي ان أهاجمه في يوم تجلى فيه تأثير السلبيات بتمامه، بادأني أبو الوليد بالقول ان قيادة الأنصار كانت يقظة وقد تشددت في مراقبة سلوك الأعضاء ومنعتهم من المشاركة في العملية القبيحة الجارية. وفي معرض تأكيده على تميز الأنصار، روى أبو الوليد ان جماعة منهم تورطت بالاستيلاء على سيارة وجاءت بها اليه فأمر هو باعادة السيارة الى صاحبها ودون توان وقرّع الذين نهبوها. كان صديقي ينشر الطهرية ويحرص على ان أعلم ان أيدي الشيوعيين بقيت طاهرة. لكن هذا لم يكن هو ما يشغل بالي، وقد أحنقني تركيز الرجل عليه واعتقاده بأنه ظفر بالبراءة، فجابهته بحنقي: «هذه المرة جاءوا بالسيارة اليك ظانين أنك تجيز ما أجازه الآخرون، فما الذي يمنع ان يفعلوها في مرة قادمة دون ان تعلم ويفلت الأمر من يدك كما أفلتت الأمور من يد عرفات نفسه». ولا أدري ما الذي جعلني قاسياً على صديقي، الحنق الطارئ أم القناعة الراسخة: «لا تظل الأيدي نظيفة حين يبيح الانسان لنفسه ان يخوض في مستنقع». صديق آخر تعمدت ان أزوره في ذلك اليوم هو العميد عبد الرزاق اليحيى، كان صديقي القديم الذي نحاه انقلاب داخلي عن قيادة جيش التحرير الفلسطيني قد صار وقتها قائداً لما سمي قيادة الكفاح المسلح الفلسطيني. وكانت هذه مؤسسة يفترض ان تتولّى المهام التي تضطلع بها الشرطة العسكرية في الجيوش فتراقب سلوك الفدائيين وتحلّ الضبط والربط. أما عملياً فكانت تلك تسمية لمؤسسة يرأسها العميد عبد الرزاق دون ان يكون لها أو له حول يذكر أو طول. وقد جئت الى عبد الرزاق أول المساء بعد نهاري الطويل المضني لأتخفف من أوجاع روحي. وكان هو قد عاد لتوّه من اجتماع طارئ انعقد برئاسة عرفات مع قادة الفصائل كلهم. وبالنبرة التقريرية التي تغلب على حديثه، قال عبد الرزاق لي ان المجتمعين اتخذوا قراراً يقضي باعادة السيارات المنهوبة الى أصحابها، وعندما ذكرهم هو بأن معظم السيارات غادرت البلد أو تبدلت معالمها أجاب عرفات بأن هذه مسألة تمكن معالجتها فيما بعد والمهم الآن ان يعرف الناس ان قيادة الثورة لا تجيز ما حصل. وروى لي عبد الرزاق الذي لا يفوته أبداً الانتباه الى ما هو طريف في أي شأن ان عرفات أمر بأن تتجول سيارة فيها مذياع وتدعو أصحاب السيارات الى التوجه الى قيادة الكفاح المسلح للتبليغ عن السرقات، ثم تبسم قائد الكفاح المسلح، محدثي، وأضاف: «أصحابك الذين تعرفهم نفذوا الأمر بالطريقة اياها التي ينفذون بها الأوامر حين لا تعجبهم، ركبوا المذياع على سيارة هي ذاتها مسروقة».في موازاة الهوس بالسلاح واطلاق الشعارات من فوهات البنادق، شاعت الاستهانة بالعمل التنظيمي والجهد السياسي. وأنا أستحضر كلما تذكرت مخاطر هذه الاستهانة حكاية رواها لي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني وأول شيوعي عربي ينتخب عضواً في برلمان، حسن الطاهر زروق، وهي حكاية لم تغب عن ذاكرتي أبداً. فقد نظمت في الخرطوم ندوة فكرية دُعي اليها مفكرون وقادة سياسيون من بلدان عربية عدة. وقد حرص منظمو الندوة على ان تمثل المقاومة الفلسطينية فيها بوفد كبير، فحضرها وفد تصدره البعثي السابق عضو لجنة «فتح» المركزية فاروق القدومي. وكان موضوع الندوة الوعاء التنظيمي للثورة العربية. وأُعطيَ للقائد الفتحاوي حق القاء كلمة في جلسة الافتتاح مثله مثل كبار الشخصيات والمفكرين الذين تكلموا فيها. فما الذي قاله رجل الكفاح المسلح هذا أمام نخبة رجال الفكر والسياسة العرب في افتتاح ندوة فكرية. قد لا تصدق ما ستقرؤه، لكني أُصدّق حسن الطاهر زروق فقد عرفته رجلاً لا يكذب. وقد روى لي حسن ان ممثل «فتح» هذا توجه الى المنبر بحركة صاخبة وهو يتزيّا بزي المقاتلين ويلفّ رأسه بكوفية حمراء وأمسك الميكروفون بيده امساكة مَن يطبق على مقبض خنجر، ووجه الى الحاضرين نظرة أراد لها ان تتقد بشرر الكفاح، ثم افتتح كلمته بهذه العبارة: «اخرس يا قلم ولعلع يا رصاص !». ويبدو ان حسن، هذا الذي لا يسكت على ضيم، كان أشدّ من صدمتهم العبارة حنقاً، فقذف هذا السؤال في وجه الخطيب: «لماذا تجيء اذن، الى ندوة لا يستخدم فيها غير الكلام؟!». الا ان خطيب الكفاح المسلح كان ممعناً في صخبه فلم يتوقف للاجابة عن السؤال. والواقع ان عدداً من سَقَطِ الأحزاب العقائدية الذين انفضّوا عن أحزابهم أو أقصتهم هي عن صفوفها، لسبب أو غيره، قد التف حول هذا النوع من قادة الفصائل المسلحة وغذى لديهم الاستهانة بالحسابات الواقعية والتخطيط والعمل المنظم، وحثّهم على الامعان في التطرف والمغامرة وتقديس السلاح. وزيّن لهم الأعمال الشاذة التي تجري باسم الكفاح المسلح. والى هذا، أثّرت على العقول المسكونة بهوس التفلت من قيود الحسابات والتقديرات المتأنية فكرة ساذجة بمقدار ما هي مؤذية: كل من لا يشغله الهمّ الذي يشغلنا أو الظلم الواقع علينا هو مقصّر ومستحق للّوم على تقصيره، كل من ليس معنا هو ضدنا. وفي هدي هذه الفكرة سوغت أعمال شاذّة بما فيها أعمال تندرج في باب الجرائم. وقد جرى التوسع في تطبيق الفكرة الخاطئة حتى شمل العالم بأسره. وصور مروجو الفكرة ان هذا العالم يتجاهل وجود الشعب الفلسطيني ويتنكر لحقوقه، استخلصوا ان من حق الفلسطيني، إذن، ان يأتي أي عمل انتقامي أو يفعل أي عمل يرغم العالم على الانتباه الى وجوده. وبمضي الوقت، تأسست على هذه الفكرة الخاطئة مصالح لقادة وفصائل. واستمرأ هؤلاء الامعان في الأعمال الشاذة، تجارة هدفها الكسب أو الشهرة أو تسجيل النقاط في المنافسة مع الخصوم. وهذا كله، بتداخل الشخصي والعام في دافعه، هو الذي أفرز الى جانب السلبيات المحلية ما أسماه أصحابه العمليات الخارجية ومنها خطف الطائرات واسترهان الأبرياء. وفي مراقبتها لما يجري، أظهرت السلطات الأردنية حزماً كاملاً في التصدي لدعوة اسقاط النظام، وتصرفت ازاء التجاوزات والسلوك السلبي في نحو بدا معه أنها مغلوبة على أمرها. فعلت السلطات، إذن، بما أملاه عليها ادراكها ان السلوك المنفلت من الضوابط يستفزّ الجمهور فيوهن تأييده للعمل الفدائي ويضعف الاستعداد للدفاع عنه، واستثمرت أي تجاوز أو سلوك خاطئ في الأردن أو خارجه لتغذية السخط ضد الوجود الفلسطيني المسلح واظهار مخاطر الدعوة الى اسقاط النظام. ولم يحتج ناس النظام الى ذكاء استثنائي وهم يراكمون النقاط لصالحه. وقول الجانب الفلسطيني ان السلطات دست عملاءها بين صفوف المقاومة وكلفتهم تشجيع السلبيات قد يكون صحيحاً كلّه أو بعضه. الا ان صحة هذا القول لا تلغي حقيقة ان الأرض كانت ممهدة للمدسوسين. فلو لم يستمرئ ناس المقاومة الشطط في الاتكاء على القوة المتحققة لهم في الأردن والتفلت من معايير السلوك الثوري الصائب ويشتهر ذلك عنهم، لما أمكن لأي سلطة ان تسوّئ سمعتهم. وقد بلغ الأمر حداً افتقد فيه الناس فرصة الحياة المستقرة والنوم الهادئ. وانتهى معظم الناس، بمن فيهم خصوم السلطة الحكومية، الى الضيق باستهانة المقاومة بسلطة القانون واستخفاف بعض ناسها بقيم السلوك الاجتماعي. والحاصل ان أسباباً كثيرة تضافرت فجعلت الاضطراب عاماً وقسمت العرب عربين أو عرباناً عدّة وشدّدت التمايز بين المعسكرات المتنابذة ولم تبح لصوت العقل ان يفعل فعله. اني أتذكر حواراتي مع قادة الفصائل في تلك الفترة وكيف أقرّ جميعهم بوجود التجاوزات ومخاطرها ثم بدوا عاجزين عن وقف الانحدار. وفي تفسير العجز تكمن حقيقة ذات وجهين. وقد تمثل الوجه الأول في ان عدداً من القادة أباح بعض التجاوزات ليظفر بولاء التابعين له، وعندما اتسع الرتق تعذّر وقف الأتباع عند حدّ لأن الفساد أنشأ مؤسسته، وصار على أي قائد ان يأخذ قوتها بعين الاعتبار. أما الوجه الثاني فتمثل في ان بعض القادة كان أسير وهمه بامكانية اسقاط النظام فتصور ان تعميم الفوضى يظهر النظام بمظهر العاجز عن توفير الاستقرار ويسهل اسقاطه. النزيهون كانوا كثيرين، ولو أحصيتَ النسب العددية لاتضح ان نسبتهم هي الأعلى. غير ان جهد هؤلاء بقي قليل التأثير في اصلاح ما فسد. ولئن أيّدت الكثرة الدعوة الى وقف السلبيات فان جل ناسها لم ينتبهوا الى دور السياسات الخاطئة في تهيئة الجو لاستشراء الفساد وتضييق فرص مقاومته. وبغياب الانتباه الى الصلة بين السياسة ونتائجها، حكمت الأغلبية على جهدها بأن يظل قليل الفعالية. والى هذا، وقع كثيرون في أسر التهيب من الحاق أي ضعف بالصف الوطني وتصوروا ان الانتقاد سيصير سلاحاً يستخدمه الأعداء والخصوم فاقتصدوا في الجهر به وضاعت فرصة تنظيم معارضة مثابرة ومقتدرة ضد السلبيات. ومن النزيهين من عزّوا أنفسهم بأنهم ازاء ظاهرة عابرة أفرزها الانفلات المفاجئ من الكبت وأن الأمور لن تلبث ان تتوازن ولن يلبث ان تمحو حسنات العمل الفدائي السيئات. وهناك من عزّوا أنفسهم بما هو أيسر من هذا فركزوا انتباههم على الايجابيات وهوّنوا خطر السلبيات. أما أقلية النزيهين الذين لم يعللوا أنفسهم بالوهم، الأقلية التي حملت السلم بالعرض كما بالطول، فقد ضاع صوتها وسط اختلاط الأصوات والنوازع والأهداف، ولم تفلح في وقف التردي. والذين تفلتوا من القيم الايجابية أخذتهم العزّة بالاثم فأطلقوا نعوتاً مهيبة على نشاطاتهم الشاذة وتوسموا ان يؤيدهم الرأي العام. لقد رأيت، كيف وُصف النهب بأنه تحرير. ولعلك عرفت ان أعمال ترويع الأبرياء وصفت بأنها هجمات ضد الرجعية والصهيونية والامبريالية. وقد وُصف خرق القانون بأنه تمرد على سطوة البرجوازية. كما وصفت أعمال اقلاق راحة الناس والحاق الاضطراب بسعيهم الى لقمة العيش وحرمانهم حتى من النوم بأنها استنفار للحس الثوري وتعبئته. أضف الى ما تقدم كله شيئاً كان تأثيره في مفاقمة الحالة شديداً. فمعظم المتنفذين من حملة البنادق، الصالح منهم أو الطالح، المصيب أو المخطئ، كان قليل الخبرة في العمل العام قليل المعرفة بأحوال العالم والقيم السائدة فيه والتطورات الجارية في ساحاته المتعددة. ومعظم القادة افتقر الى الخلفيات الثقافية التي يستلزمها التصدي لعبء قضية كبيرة ومعقدة، أي انه افتقر الى ما يحصن ضد الزلل. وقد غلبت في الوعي السائد أفكار عتيقة أو ساذجة أو مقتبسات مجتزأة من الجديد ومعرفة ضئيلة بحاجات الثورة. ومع الفقر المريع في هذا المجال، وجد من صوّر للقادة انه طليعة الأمة العربية والطليعة الأهم بين الطلائع الثورية في العالم. واعتقد كثيرون أنهم فعلاً كذلك وتعزّز اعجابهم بأنفسهم وقلّت فرص اكتساب الخبرات وتصحيح المسارات. وها أنا ذا أتذكر طرفة وزعتها متوخيّاً بها تصوير حالة انتفاخ الذات التي كنت أشهدها ماثلة أمامي. لا أتذكر متى أنطقني ضيقي بالحالة بهذه الطرفة، ولا بد من ان أكون قد ألفتها بعد ان انتخب خالد الفاهوم أول مرة رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني. وكان خالد هذا قبل اشتهار أمره معلم مدرسة في سوريا وكانت له ما لأمثاله من مساهمات في العمل العام. وحين كنت لا أزال عضواً في حزب البعث قيل لنا في التنظيم الحزبي ان هذا المعلم كان مخبراً سرياً لدى أجهزة الأمن السياسي في عهد وحدة سوريا ومصر ثم ورثته الأجهزة البعثية بعد استلام البعثيين للسلطة. والواقع ان البعثيين استخدموا وزن سوريا في الساحة الفلسطينية كي يظفر خالد الفاهوم بالمنصب الجليل وذلك بصرف النظر عن صواب ما قيل لنا عن صلته بالأجهزة أو عدم صوابه. والطرفة التي أرويها لك تقول ان خالد الفاهوم هذا، أو أبو العبد كما هي كنية الرجل، هو أهم رجل في العالم. أما كيف يصير المفروض بنفوذ الدولة السورية رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني أهم رجل في العالم كله فبيان ذلك، في الطرفة، بسيط. ففي معتقد المسلمين أنهم خير أمة أخرجت للناس؛ وفي معتقد العرب أنهم طليعة المسلمين؛ وفي معتقد الفلسطينيين أنهم طليعة العرب؛ ومنظمة التحرير الفلسطينية هي طليعة الفلسطينيين؛ والمجلس الوطني الفلسطيني هو أهم هيئات المنظمة؛ فلماذا لا يكون رئيس المجلس هو أهم رجل في العالم. هذه الطرفة طورها شفيق الحوت وجعلها أطرف وأوقع دلالة. كانت لشفيق زاوية يومية في جريدة «المحرر» البيروتية يوقعها باسم «ابن البلد»، وقد نشر شفيق الطرفة في زاويته بعنوان «ثاني أهم رجل في العالم». وبهذا، أحل شفيق ياسر عرفات في المحل الأول، محتفظاً بالدلالة الأصلية للطرفة، وموجباً بأن تخطي عرفات غير جائز حتى في مجال السخرية. ومنذ ذلك الوقت، دأبتُ على طرح هذا السؤال كلما اشتد ضيقي بتباهي الفلسطينيين بدورهم: اذا كان ناس المقاومة الفلسطينية هم طليعة العالم فمن هو الأهم فيهم: أبو العبد أم أبو عمار. وأبو العبد كما صرت تعرف هي كنية خالد الفاهوم، وهي، أيضاً، التي يمكن ان يتكنى بها واحد من كل أربعة فلسطينيين أو خمسة. وقبل ان أصل بك الى أحداث سبتمبر 1970 الفاصلة، يحسن ان أحدثك حديث العمل الفلسطيني المسلح داخل اسرائيل والأرض التي احتلتها في العام 1967. انك هنا، أيضاً، ازاء حديث ذي شجون. وقد ينبغي ان تعرف منذ البداية ان هذا العمل حقق منجزات أوجعت الاسرائيليين وحرمت المحتلّين من الاستقرار. صاغت الفصائل الفلسطينية تصوراتها للعمل المسلح في هدى دوافعها وظروفها الخاصة بطبيعة الحال، وتأثرت الى هذا تأثراً قوياً بأجواء عالمية مجدت الكفاح المسلح ضد الأعداء الاستعماريين أو الطبقيين واشتطت في التعويل عليه. واندفعت الفصائل في الشطط بحكم طبائعها وان لم تسعفها الظروف في المسابقة بين ما تتصوره وبين ما تطمح اليه. ولعلك تعرف ان أفكار ماو تسي تونغ اليسارية كانت آنذاك في ابان رواجها. والقول الساذج الذي روجه ماو : « الأمبريالية نمر من ورق» صار هادياً لمستسهلي المغامرة في كل مكان، خصوصاً انه أخذ بمعزل عن دلالته في مجرى الثورة الصينية العام وفكرها. وفي ذلك الوقت، سطعت أيضاً شهرة المغامرة التي أقدم عليها ارنستو تشي غيفارا في بوليفيا وقد حولها الثوريون اليساريون الى أمثولة وتنادوا للاقتداء بها. لم يستوقف هؤلاء ان مغامرة غيفارا انتهت نهاية مأساوية دون ان تحقق على الأرض شيئاً يذكر.ان ما استوقف اليساريين كان مجد الاستشهاد وحده، وما فتنهم كان الاقدام على المغامرة. وفيديل كاسترو زعيم الثورة الكوبية التي اكتسب غيفارا نفسه خبرته في صفوفها كان لا يزال أسير الزهو بنجاح ثورته المسلحة في اسقاط ديكتاتورية باتيستا فكان مثابراً على الحض على استخدام السلاح ضد الظلاّم في أي مكان. أما نجاحات الثورة الفيتنامية المتعاقبة فقد أحدثت تأثيرها دون ان يهتم كثيرون بما كان وراءها من حسابات صائبة وجهد تنظيمي وسياسة صحيحة. ركز ناس الثورة الفلسطينية انتباههم على عمل الثورة الفيتنامية المسلح وتداولوا ما هو صحيح وما هو مهوّل عن ابتكاراته واجتزأوا من عبره ما يلائم نزعتهم الى تأليه السلاح، وأغفلوا الانتباه الى ما عداه، وأغفلوا خصوصاً ان الثورة الفيتنامية حظيت بمساندة ثلاث قوى جبّارة: الاتحاد السوفييتي، والصين الشعبية، والرأي العام العالمي المعادي للاستعمار. هنا، من المفيد ان تتذكر الاعتقاد الذي تداولته الأجيال الفلسطينية المتعاقبة منذ نجاح الحركة الصهيونية في انشاء اسرائيل. فقد قرّ في الأذهان ان العجز عن احباط المشروع الصهيوني نجم من افتقار أهل فلسطين الى السلاح اللازم وافتقارهم الى حرية استخدام السلاح القليل الذي كان بحوزتهم. وعندما لاحت فرصة الظفر بسلاح، ثم عندما توفرت حرية استخدامه، كما صار عليه الحال في الأردن بعد حرب 1967، كاد حمل السلاح ان يتحول الى هدف في حدّ ذاته وكاد هوس استخدامه يطغى على ما عداه. ولم يكن غريباً ان تضع الفصائل مادة في الميثاق الوطني الفلسطيني تنص على ان الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد الى تحرير فلسطين. كما لم يكن غريباً ان يوصف هذا الكفاح في المادة ذاتها بأنه استراتيجية وليس تكتيكاً، أي بالعبارة التي تكاد تعادل القول بأنه هدف وليس وسيلة. ومن الضروري ان تعرف ان الفصائل التي كان لها وجود في الضفة أو قطاع غزة قبل الاحتلال قامت فور وقوعه بنشاط جاد، مسلح وغير مسلح، ورفعت راية المقاومة الأولى. غير ان معظم التحركات الأولى افتقرت الى الخبرة أو اتسمت بالتعجل في اثبات الوجود. وقد سهّل هذا وذاك على سلطات الاحتلال مواجهة المقاومة وايقاع خسائر ملموسة في صفوف المقاومين ووضع اليد على تنظيماتهم وتفكيك العديد منها.وفي سياق العمل لتعويض الخسائر وادامة المقاومة، حاولت قيادات الخارج ان تقيم صلات مأمونة مع مقاومي الأرض المحتلة، وجرت محاولات لتسريب عناصر من الخارج الى الداخل ونقل أسلحة ووسائل دعم. غير ان هذه المحاولات التي لم ينجح منها الا القليل اتسمت هي الأخرى بقلة الخبرة والتعجل وتأثرت بالتنافس الضارّ بين الفصائل وافتقرت الى المثابرة الصبورة، فبقيت انجازاتها أقلّ من المطلوب لاشعال ثورة مسلحة داخل الأرض المحتلة. وفي واقعة مبكرة، لعلها الأولى في هذا المجال، تجلت رغبة «فتح» في تنظيم الاتصال بالأرض المحتلة. جرت هذه الواقعة بعد وقوع الاحتلال بوقت قصير. كانت الفوضى غالبة ومعابر نهر الأردن لا تزال تشهد حركة شديدة : النازحين الفارّين من مخاطر الاحتلال وكذلك الراجعين الى الأرض المحتلة لتفقد شتى الشئون. وكانت الرقابة الاسرائيلية على المعابر لا تزال غير محكمة. وقتها، تدبر ياسر عرفات أمر الحصول على بطاقة عضوية في منظمة تُعنى بشئون النازحين وتحوط كي لا يكشف أمره وعبر جسر ألنبي، وأسعفه الحظ فلم يتعرف الاسرائيليون على شخصيته. وهكذا دخل عرفات الضفة وتجول فيها وعاين أحوالها بأم عينيه واتصل بالذين أمكن ان يتصل بهم. لم يمكث عرفات طويلاً في الضفة؛ كان من المتعذر ان يفلت الرجل من ترصد أجهزة الأمن الاسرائيلية لو أطال المكوث مثلما كان من المتعذر ان يغالب طبعه ويغيب عن مركز القيادة الذي تشكل في الخارج. وأوثق الروايات تظهر ان جولة الرجل في الضفة يمكن ان تحسب بالأيام. وقد تسلل بعد عرفات فتحاويون آخرون.وفي واقعة أخرى مبكرة، أرسلت حركة القوميين العرب التي ستنبثق منها الجبهة الشعبية ثلاثة من أعضائها من قادة الاتحاد العام لطلاب فلسطين وكلفتهم العمل لتنظيم المقاومة الشعبية ضد الاحتلال. وقد نجح الثلاثة الذين هم من سكان الضفة أصلاً في التسلل اليها واحداً اثر الآخر، الا أنهم ثلاثتهم وقعوا في قبضة الأمن الاسرائيلي بعد وصولهم بوقت قصير ولم يتسن لأي منهم ان يحقق ما كلف به، ولم يمكن حتى عقد اجتماع لهم لأن اعتقالهم تم في المكان الذي جاءوا ليعقدوا أولى اجتماعاتهم فيه. كان هؤلاء هم تيسير قبعة، وأسعد عبد الرحمن، وأحمد خليفة، وكانوا بين أوائل المتسللين الى الأرض المحتلة الذين حوكموا أمام محكمة عسكرية اسرائيلية وحكم عليهم بالسجن. في قطاع غزة المنفصل عن الضفة والذي تفصله عن مصر صحراء سيناء المحتلة هي الأخرى، كان تنظيم الاتصال بين الخارج والداخل أصعب. الا ان الوضع على هذه الناحية تميز من وجوه عدّة عن وضع الضفة. فقد بقي هنا مقاتلون مدربون وبعض سلاح مما توفر أيام الادارة المصرية للقطاع خصوصاً مما كان في حوزة جيش التحرير الفلسطيني. وكان بامكان تنظيمات الشيوعيين والقوميين العرب و«فتح» ان تستفيد مما لم يقع في قبضة المحتلين. أضف الى هذا ان الخبرة المتبقية من تجربة مقاومة القطاع للاحتلال الاسرائيلي قصير الأمد في العام 1956 بدت نافعة. ففي ذلك العام، اتحد المقاومون في جبهة وطنية واحدة وابتكروا وسائل للاتصال مع مصر التي كانت سيناؤها آنذاك أيضاً محتلة وحصلوا على عونها . والواقع ان العمليات المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي للقطاع في العام 1967 نشطت فور وقوعه، غير ان الاسرائيليين لم يكونوا هم الآخرون بغير خبرة. فلم يُقدّر لنوى المقاومة الأولى ان تنتظم في مجرى واحد وتستمرّ، بل نجح الاسرائيليون في قمعها الواحدة تلو الأخرى، وفتكت سطوة المحتلين بالخلايا المسلحة. لقد دفعت الفصائل الفلسطينية ثمناً باهظاً لاندفاعاتها الأولى : كشف المحتل الخلايا السرية، وصفّى عدداً من مناضليها، واكتظت المعتقلات بالأسرى الذين عوملوا معاملة المجرمين، وتشتت أنشطاء أو أبعدوا عنوة. وفقدت أسر كثيرة معيليها، وتراكمت الأعباء، وضاقت فرص التصدي للمحتل بالسلاح. وبهذا وقع عبء اعداد العمليات المسلحة على ناس الخارج في المقام الأول، فيما نبتت في الأرض المحتلة تقاليد العصيان والمقاومة السلبية. والواقع ان ناس الخارج، خصوصاً المنهمكين في تنظيم مقاومة الاحتلال غير المهووسين بالأضواء والاستعراض، بذلوا جهداً كان في عدد من الحالات خارقاً لتنشيط المقاومة المسلحة في الداخل. وتواترت المحاولات لايصال الأسلحة والمقاتلين المدربين الى الأرض المحتلة من الخارج، عبر الجولان السوري المحتل، أو نهر الأردن، أو جنوب لبنان، أو عبر صحراء سيناء الفسيحة، غير ان عوامل كثيرة فعلت فعلها فجعلت حصاد هذه المحاولات أقل من الجهود المبذولة فيها وأقلّ بكثير من المطلوب أو المأمول. يشار في جانب الى يقظة أجهزة الاحتلال ووفرة وسائل المراقبة المتوفرة لها وتطورها المضطرد وخبرتها في استقصاء المعلومات ومتابعتها. ويشار في الجانب الآخر الى نقص الخبرة، وضآلة الوسائل المتوفرة، واضطرار الفلسطينيين الى العمل في بلاد لا سيادة لهم فيها ولا سلطة، وتأثير روح المزايدة والهوس بالمنجزات التي تبهر الأنظار أكثر من غيرها. وفي المحصلة، تعذر على الفلسطينيين اقامة قواعد ثابتة ومأمونة في الداخل لينطلق منها عمل مسلح مثابر. ولم يبق في المتناول في أغلب الأحوال، الا العمليات التي يقوم بها متسللون من الخارج، وهؤلاء كان عليهم ان يجتازوا المعابر المائية أو الجبلية أو الصحراوية التي ترصدها أجهزة الدول العربية من جهة وأجهزة اسرائيل من الجهة الأخرى.فان نجح هؤلاء في اجتياز معبر وأفلتوا من الرقابات؛ الأمر الذي لم يكن متيسراً الا في حالات قليلة كان عليهم ان يسيروا بأثقالهم من التموين والسلاح مسافات طويلة غالباً ما تكون أماكن وعرة غير مطروقة الى ان يصلوا الى الهدف المحدد لهم. فان وصل هؤلاء الى الهدف فقد يكون محروساً حراسة توجب عليهم الاشتباك قبل ان يلحقوا به أي أذى، وقد يسعفهم الحظ فينفذوا ما خططوا له. وبعدها، قد يعود من المتسللين من قُدر له النجاة وقد يقع آخرون في قبضة المحتل. واذا وقع أحد في القبضة فأمامه بما لا بد من أنك صرت تعرفه: التعذيب الذي قد يبلغ حدّ القتل أو احداث اعاقات دائمة، والمحاكم العسكرية وقضاتها المشحونون بالبغض، والقوانين الجائرة، والأحكام التي تسلم ضحاياها الى سجون يذكرك وجودها بأظلم العهود في تاريخ البشرية. وهذا المصير قد يتعرض له أي مواطن في الأرض المحتلة يقدم للمقاومين أي مساعدة أو تشتبه سلطات الاحتلال بأنه يقدمها، فضلاً عن المواطنين الذين يبادرون الى المقاومة دون صلة بالخارج. في نشاطات المتسللين كما في نشاطات مقاومي الداخل وفي مساعدات مواطني الأرض المحتلة لأولئك وهؤلاء، يقع المرء على الحكايات التي ترسم أمجد ما في التجربة الفلسطينية وأشدّه دلالة على تجذر وجود الشعب الفلسطيني في وطنه وتوق لاجئيه الى العودة. هذه الحكايات نسجها عمل ألوف النساء والرجال والفتيات والفتيان وشجاعتهم وتضحياتهم واستهانتهم بالمخاطر وتعلقهم بالحرية. وقد رفد هذا العمل ارث التضحيات والبطولات في ثقافة الشعب. وهو الذي أقلق المحتلّ، كما انه هو الذي صعّب على الخطاب الاسرائيلي تسويق مقولته عن الاحتلال النظيف. وكانت الحكايات تنتشر بين جموع الفلسطينيين المشتتين، تتداولها المجالس الخاصة والعامة، وتتغذى بها أرواح التواقين الى الخلاص من ذل اللجوء فيتعزز أملهم في العودة الى الوطن ويتقوى ولاؤهم للحركة الوطنية وفصائلها الفدائية. وقد امتدّ تأثير النشاط الفدائي في كل مكان فيه فلسطينيون في أي بلد في العالم. وبدا ان الشعب المشتت لا يستعيد ألق الروح الذي أطفأه الشتات، فحسب، بل يستعيد وحدته أيضاً، ويعزز حضوره في ساحة الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ويجتذب الانتباه الى حقوقه، ويراكم النقاط على طريق الظفر بها. وهذا هو بالذات ما أثار أعمق الخشية في اسرائيل التي تغتصب هذه الحقوق.