قتلى العمليات لم يكونوا آخر من يسقطون في المجابهة الاسرائيلية ـ الفلسطينية، كما انهم لن يدخلوا ضمن قائمة المئة قتيل الأخيرين في هذه المجابهة. ففي الاسبوع الماضي ـ بين عملية جبل سكوبس في الجامعة العبرية وعملية جبل ميرون ـ قال ضابط رفيع المستوي في الجيش انه لو ضمن له بأن يسقط مئة قتيل آخرين فقط وان السلام سيأتي بعد ذلك لوقع على الصفقة ذلك لان تقييمات الوضع متكدرة وتتوقع سنوات اخرى وضحايا اسرائيليين بعدد مماثل للعدد الذي أحصي في السنة الاخيرة. حسابات الدماء تبعث على القشعريرة في الأبدان: من نهاية (سبتمبر) 2000 وحتى الاول من آب (اغسطس) العام الماضي قتل 136مواطنا اسرائيليا (وضيفا اجنبيا)، ومن أفراد قوات الأمن، وفي السنة الماضية سقط 467 آخرون مما يجعل المجموع النهائي للقتلي 603 ورغم هذا التقدير الا ان الجيش الاسرائيلي يطلب المصادقة من رئيس الوزراء ارييل شارون على البقاء قدر المستطاع في فترة انتظار ـ ليس مثل الانتظار الذي ساد عشية حرب حزيران (يوينو) عندما كان اللواء شارون من بين الأطراف الضاغطة على المستوى السياسي للشروع في الحرب ـ وانما انتظارا للتطورات التي تساعد في قمع العنف الفلسطيني بتدخل اسرائيلي بالحد الأدنى. شارون الذي هو من آباء عمليات الانتقام والرد وطريقة الرد الدائم والمتواصل والتصعيدية على الهجمات العربية مطالب الآن بتبني نهج عكسي ـ ضبط النفس في ظل الاستفزازات التي تهدف الى جعل اسرائيل تنزف وتوجه الضربات. ضبط النفس سيحافظ على انجازات اسرائيل، بينما يؤدي إفلات العنان الى اهدارها. سلسلة فظيعة مرعبة من العمليات ستعيد الوثائق والخطط الى الجوارير وتفرض على اسرائيل في غير صالحها ان تنقاد نحو نبضة ثالثة وأصعب بكثير من سابقاتها، السور الواقي و السبيل الحازم. خطة عمل الجيش الاسرائيلي التي طرحت في الاسبوع الماضي على شارون تتناقض بشكل قطبي مع توقعات النقاد التجريديين من اليسار ومن اليمين. الجيش الاسرائيلي وبمصادقة من المستوى السياسي لا يضرب أقدامه بالارض مطالبا التحرك بسرعة من زاويته نحو مركز الحلبة وضرب الفلسطينيين. بل على العكس: تطلعه هو الامتناع عن التصعيد في الاسابيع والاشهر القريبة في فترة انتظار للتغييرات المفرطة محليا واقليميا. وثلاثة من هذه التغييرات تعتبر انقلابية الطابع وهي الهجوم الامريكي الوشيك على العراق وظهور قيادة فلسطينية تنحرف عن خط ياسر عرفات المتشدد، والثالثة اقامة طريق آخر ، وهي المئة وعشرة كيلومترات من الجدران والعوائق بين شمالي ووسط الضفة الغربية واسرائيل. الخطة أعدت في الاسابيع الاخيرة في عملية بلورة تقييمات الوضع في قيادة الاركان استعدادا لسنة العمل المقبلة. هذه الخطة مشتقة من التوقعات والتقييمات الاستخبارية الخاضعة لمسئولية شعبة الاستخبارات العسكرية أمان ، وأعدت في قسم التخطيط (أغات) وتضع برنامجا وخطة لمعادلات المهمات والموارد في قسم العمليات ـ عدد القوات (ومليارات الشيكلات) ستتطلب الاستجابة للتهديدات المقدرة. الخطة بحثت على طاولة كبار ضباط هيئة الاركان وطرحت لاحقا على المستوى السياسي بمباركة رئيس هيئة الاركان موشيه يعلون، ولكنها تعبر أكثر من أي شيء آخر عن عمل الطاقم الذي يقوده عميدان اثنان في الجيش وهما رئيس وحدة التخطيط الاستراتيجي في قسم التخطيط (انهات) عيبال جلعادي، ورئيس وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) يوسي كوبرفاسر. ونقطة الضعف في هذه الخطة موجودة في قطاعين اثنين خارجين عن سيطرة معديها وهما الجمهور الاسرائيلي والمنظمات الفلسطينية. حسب تقييم الوضع الذي أعده قسم العمليات يتوجب على الجيش الاسرائيلي ان يستعد للقتال في ثلاث جبهات ـ الفلسطينية والشمالية والعراقية ـ في شدة تشبه الشدة الحالية أو اكثر منها: عمليات فلسطينية، امكانية التدهور على الجبهة السورية ـ اللبنانية، ضرب العراق للعمق الداخلي الاسرائيلي، وقيام اسرائيل بعملية هجومية في عمق العراق. الجهاز القتالي في الجيش الاسرائيلي يستعد لذلك، الا ان الافتراض الكامن في أساس خطة قسم التخطيط (أغات) هو ان التوجه العام ورياح الزمن يعملان في صالح اسرائيل وضد مصلحة عرفات، ولذلك من الأفضل لاسرائيل ان تصك أسنانها حتي في مواجهة العمليات الصعبة وان تحافظ علي مكافحة العنف في مستواها الحالي. ليس من الأجدر لاسرائيل ان تقتحم حدود المنظومة ، لا من خلال عملية عسكرية للاحتلال الحقيقي للمناطق كلها بثمن يبلغ آلاف المصابين الفلسطينيين وفقدان المساندة الدولية، ولا من خلال التصادم الكبير مع دمشق وحزب الله. حتى ربيع 2003 سيختفي نظام صدام حسين من الوجود، أما عرفات فسيصبح في الهامش في مكانة رمزية قليلة التأثير ولن يكون ساحل البحر المتوسط أمام أنظار سكان طولكرم وقلقيلية، وانما جدارا يشكل رمزا واشارة لنهاية توسع العالم العربي. جدار ذو تأثير معنوي فكري (حتى بالنسبة للاسرائيليين باعتباره خطا يشكل نهاية التوسع شرقا) أكبر من تأثيره العملي. والسؤال المشتق من ذلك على الصعيد التنفيذي هو اذن كيف يمكن اجتياز نصف السنة في مستوي يمكن تحمله من العنف. هذا مصطلح غامض من دون مقياس دقيق ومتغير المضمون. فالامر الذي كان لا يطاق وسببا للتصعيد قبل سنة أو سنتين أصبح الآن مسألة اعتيادية. الجواب موجود بيد الجمهور الاسرائيلي حسب الطريقة التي سيفهم فيها الوزراء والاحزاب في الحكومة موازنة ضغوطه: خوف السياسيين على بقائهم اذا لم يوجهوا الأوامر بخوض عملية كبرى سيؤدي الى تدهور الحسابات الاستراتيجية. ومثلما لا يعتبر التصعيد أمرا مرغوبا لاسرائيل نجده مرغوبا جدا بالنسبة لحماس والجهاد الاسلامي والأطراف المتطرفة في التنظيم. السباق حسب قول أحد كبار الضباط هو بين وتيرة ابادة خلايا العنف وبين وتيرة تكاثرها. فكلا الجانبين يعانيان من النقصان. النشطاء يشعرون بأزمة المواد المستخدمة والحركة (العملية الانتحارية المزدوجة في المحطة المركزية القديمة في تل ابيب في التاسع من (اغسطس) مثلا كان من الممكن ان تكون أكثر تدميرا لولا اضطرار مرسلي الانتحاريين لاستخدام مواد ناسفة أضعف من المعتاد). أما الجيش الاسرائيلي فليس لديه ما يكفي من القوات. عملية نابلس في الايام الاخيرة أجلت مرة تلو الاخرى لان القيادة العليا فضلت فرض تنفيذها على الوحدات التي تنتمي لنفس الاطار العسكري (غولاني) وليس على كتائب عسكرية غريبة عن المنطقة ومتوفرة بالصدفة برئاسة قائد لواء مظليين. لواء الاحتياط الذي سرح الى بيته في ختام فترة 28 يوما من الخدمة والتي كانت بدأت مع الشروع في عملية السبيل الحازم في (يوينو)، ترك ثغرة كبيرة من خلفه. فخلال الايام العشرة التي مرت منذ تسريح قوات الاحتياط انطلقت من المنطقة القروية في شمالي السامرة، مثلث تياسير ـ طوباس ـ اليامون، العمليات الكبيرة في الجامعة العبرية وخط 361. العملية الحسابية بسيطة حسب قول كبار الضباط: يوم الاحتياط للواء كامل يساوي قتيلا اسرائيليا واحدا على الأقل. تجنيد الاحتياط يعني احباط العمليات وتسريحهم يعني سقوط القتلي، الامر الذي يدفع لاستدعاء الاحتياط مجددا. هذه هي السلسلة المتوقعة في السنة القريبة ايضا حيث ستخدم الأقلية القتالية من القوات حتى 3737 يوم احتياط. جدار الطريق الآخر سيستكمل حسب وعود قيادة الاركان حتى الاول من (مايو) 2003. هكذا هو الحال في مساره الحالي الذي لا يتطابق مع الخط الاخضر، ويفترضون ان الجدار سيتوسع ايضا في منطقة الجلبوع واللطرون و غلاف القدس على طول حدود الضفة باستثناء جنوبي جبل الخليل حيث تسمح المنطقة للجيش الاسرائيلي بأن يكتفي بالملاحقات. في قيادة الاركان يثنون على نجاح سياسة ضبط النفس في الشمال. حزب الله حاول استفزاز اسرائيل في (ابريل) الماضي إبان دخول الجيش الاسرائيلي الى مدن الضفة في عملية السور الواقي ، وتوسيع القتال حتي يشمل لبنان. وعملية مفترق متسوبا واطلاق النار في عمق الجولان واستخدام وسائل جديدة من السلاح كلها رمت الى اغراء الجيش الاسرائيلي لخوض عملية سور واقي شمالية حسب تعابير شعبة الاستخبارات العسكرية. ولكن الجيش الاسرائيلي ضبط نفسه. منذ ثلاثة اشهر ونصف، الفترة الزمنية الأطول منذ اختطاف الجنود الاسرائيليين الثلاثة في تشرين الاول (اكتوبر) 2000 ـ وحزب الله يخضع للضرورات (اطلاق القذائف المضادة للطائرات علي مستوطنات الجليل يوصف على انه خطوة لرفع العتب). والعملية الامريكية ضد العراق قد تضع حدا لهذا الضبط الذاتي وان لم يكن بالضرورة. ومن الممكن ان تجد اليوم في قيادة الاركان ضابطين بارزين علي الأقل مستعدين للمراهنة بأموال الغير على ان بوش سيشن العملية ضد صدام حسين حتى ما قبل الحادي عشر من (سبتمبر) المقبل. عن «هآرتس»