الهدوء الذي يسود عملية مطاردة زعماء طالبان والقاعدة جعل الافغان والأميركيين على حد سواء يطالبون بأن توضح القيادة العسكرية الاميركية بالتحديد الأمر الذي تقوم بفعله في أفغانستان والى متى سيستمر هذا الامر. فبعد مرور أربعة شهور على آخر اشتباك عسكري كبير في نطاق الحرب في افغانستان، يحتفظ التحالف العسكري الذي تقوده اميركا الآن بأكثر من 10 آلاف جندي في ساحة المعارك. وقد تطورت مهمة هؤلاء الجنود من العمل بشكل واضح على اسقاط طالبان واعاقة تنظيم القاعدة الى ما اصبح بمثابة عملية غير واضحة المعالم غرقت في مستنقع تعقيدات السياسة الافغانية. فقد اوضحت مقابلات صحفية مع عدد كبير من الاميركيين الموجودين في افغانستان ان قلة منهم يشعرون ان القوات الاميركية ستظل مرابطة في افغانستان لعدة اعوام على الاقل. ولكن فيما يقل عدد مقاتلي العدو الذين يتم اسرهم وتتزايد موجة الغضب الشعبي بسبب تزايد عدد الضحايا من المدنيين الافغان، فإن القادة الافغان انفسهم اصبحوا بشكل متزايد ضد الوجود العسكري الاميركي في بلادهم. يقول احد المساعدين الرئيسيين للرئيس الافغاني حامد قرضاي ان القوات الاميركية ينبغي لها ان تقوم بتغيير رئيسي في التكتيكات التي تقوم بها، في الوقت الذي طالب به آخرون القوات الاميركية ان تركز فقط على توفير الامن والامداد بالمساعدات الانسانية. وفي الوقت الذي يقول فيه البنتاغون الاميركي انه لا تزال هناك حرب جارية فعلى القوات الاميركية ان تستمر في خوضها، يقول قرضاي ومسئولو حكومته انهم يحتاجون الى ان تعمل القوات الاميركية كقوات حفظ للسلام وتعمل على بناء الدولة. يقول كولونيل روجركنج، المتحدث الرئيسي باسم القوات الاميركية في قاعدة باغرام الجوية: «ان الامر لم يعد يتطابق مع المفهوم المفترض والذي يجب ان تكون عليه الحرب» ويعترف المسئول بأن الوضع اصبح مثل «عملية ردع اثناء الحرب الباردة». ويلمح مسئولون غربيون كبار الى ان القيادة الاميركية عالمة بالحقائق الجديدة اذ يقول احد الدبلوماسيين الكبار في قاعدة باغرام: «اننا الآن في مرحلة مختلفة، ولذلك فإن القيادة العسكرية تفكر في تغيير اساليبها كي تتعامل مع المرحلة الجديدة». وفي الوقت نفسه، يتوافد آلاف من الجنود الجدد على افغانستان ولكنهم لا يجدون الا القليل مما يستطيعون فعله. وقد عبر مايك سميث احد الطيارين الاميركيين عن غضبه مؤخرا من حالة الخمول والركود في الوضع اثناء احدى جولاته في القاعدة وهو يرتدي قميصا خفيفا وشورتا قصيرا ويتصبب عرقا، واصفا الوضع بأنه «ممل للغاية» قائلا: «اننا نحاول ان نفهم ما الذي لا نزال نحن بصدده هنا». ومثل الجنود الآخرين الذين قضوا شهورا في هذا المكان المليء بالغبار والاتربة والذي كان احدى القواعد العسكرية السوفييتية في السابق، قال سميث ان المهمة الاميركية آخذة في التلاشي في افغانستان ويقول أنه مر على الاقل شهر منذ آخر مرة قام فيها بنقل اسرى على طائرته المروحية، كما مرت فترة اطول من ذلك على آخر مرة تعرض الجنود على طائرته المروحية الى اطلاق نار من قوات العدو. ويضيف: «يمكنني ان افهم لماذا علينا ان نظل هنا لمدة غير محددة من الوقت، ولكن ينبغي ان يقوم شخص ما باتخاذ قرار. فإذا كان علينا ان ندخل في مرحلة مساعدات انسانية، اذن يجب علينا ان نقوم بهذا فقط حتى يمكننا ان نجد شيئا نافعا نصنعه». فيما يقول ليفتنانت جنرال دان مكنيل، قائد القوات الاميركية هنا انه ليس مستعدا لأن يتخلى عن القوة التقليدية الكبيرة التي تحت قيادته، والتي اصبح تعدادها يتراوح بين 11 ألفا و12 ألفا بعد ان كانت 13 ألفا. ويتوافد حوالي ثلاثة آلاف جندي من جنود الصفوة من الفرقة 82 المحمولة جوا الى افغعانستان خلال هذه الصيف حتى يحلوا محل افراد الفرقة 101 الذين يخدمون في افغانستان منذ اربعة شهور. يقول مكنيل في احدى المقابلات الصحفية مؤخرا: «ربما يشعرون بالسؤال القائل: ما الذي يفترض علي فعله؟ وردي هو انه سيكون هناك بعض المعارك، على الرغم من ان معظمها سيندرج تحت نطاق المعارك صغيرة الحجم ذات الطابع العملياتي الخاص». والتغيير الذي يتوقعه مكنيل على المدى القصير هو انه سيكون هناك تواجد اكثر عدوانية في المناطق البعيدة الواقعة على الاطراف. وعلى الرغم من انه لم يشر اليها بالتحديد فإن مكنيل تحدث عن عملية توسيع وامداد للقوات الاميركية بما يمكن ان يبدو بمثابة دور لحفظ السلام تقوم به هذه القوات وهو الدور الذي اقسم وتعهد مسئولو البنتاغون على عدم القيام به. ويقول مكنيل ان خطته هي «الحفاظ على اعداد قوات التحالف في ساحة المعركة بعيدا عن حدود القاعدة وفي الأماكن التي سوف نساعده من خلالها على توفير قدر من الاستقرار والامن». وقد وقعت آخر معركة في نطاق الحرب ضد القاعدة في مارس الماضي وكانت تعرف باسم «عملية اناكوندا» حيث استمرت هذه المعركة اسبوعين شرقي افغانستان واستهدفت خلالها القوات الاميركية مقاتلي طالبان والقاعدة والذين فروا بدورهم باتجاه الحدود مع باكستان ولم يعثر لهم على اي اثر منذ ذلك الحين. وقد وصل وغادر آلاف من القوات البريطانية منذ تلك المعركة من دون ان يتم العثور على هؤلاء المقاتلين، كما غادر ايضا مئات آخرون من الجنود الكنديين القاعدة الواقعة في مدينة قندهار جنوبي البلاد الى بلدهم. وفي الوقت الذي تشتد فيه مطاردة قوات القاعدة وطالبان على امتداد الحدود مع باكستان، فإن مكنيل يركز اكثر على الجانب السياسي للعملية العسكرية الاميركية، وهو العمل على دعم الحكومة المركزية الضعيفة لقرضاي. فعلى الرغم من انه يحظى بدعم ادارة بوش وتم انتخابه مؤخرا رئيسا للبلاد من قبل اللويا جيرغا، فإن قرضاي غير قادر على توسيع سلطته الى ما وراء العاصمة كابول. وتقول المصادر ان الرئيس الافغاني حاول مرارا ولكن من دون نجاح ان يحصل على مساعدة اميركا على الحد من قوة قادة الميليشيات الاقليمية مثل القائد باشا خان، وهو زعيم احدى القبائل البشتونية والذي قامت قواته بمعارضة والهجوم على القائد الذي عينه قرضاي على ولاية خوست الشرقية. وقال مكنيل انه ليس لديه نية للتدخل لحل هذا النزاع. وأضاف: «من الواضح ان هناك مشكلة في هذه المنطقة وهذه المشكلة يجب ان يحلها الافغان». غير ان مستشار قرضاي قال: «لا يمكننا حل تلك المشكلة، فليس لدينا الموارد لحلها. وإذا لم يتدخلوا فسوف نعيد من جديد الوضع الذي كان سائدا عام 1992 مرة اخرى». وكان الرجل بالطبع يشير الى العودة الى الفترة المظلمة من الحرب الاهلية التي فككت اوصال افغانستان في اوائل التسعينيات من القرن الماضي. وفيما اكد قرضاي مرارا وتكرارا على الحاجة الى تحطيم مفهوم «ثقافة وسلطة وقيادة الحرب» التي تسيطر على افغانستان فإن مكنيل اوضح ان القيادة العسكرية الاميركية سوف تواصل العمل مع خصوم قرضاي الاقليميين. وفيما يواصل الاميركيون معالجة مثل تلك القضايا السياسية، يزداد اصرار القادة الافغان على حث الولايات المتحدة على ألا تتمادى في استراتيجيتها العسكرية التي كانت تتناسب اكثر مع الايام الاولى للحرب. فقرضاي وغيره من القادة الافغان يقولون انهم سأموا من معاملة اميركا لافغانستان على انها منطقة مفتوحة للقتال في الوقت الذي تتناقص فيه نتائج تلك الحرب بشكل متواصل. يقول الجنرال انور كوهيستاني المسئول بوزارة الداخلية الافغانية، «من الضروري للغاية ان يغير الاميركان استراتيجيتهم للعمليات العسكرية» وكان كوهيستاني احد افراد الفريق الذي سافر الى ولاية اروزجان للتحقيق في الغارة الجوية الاميركية في اول يوليو الماضي والتي نتج عنها مقتل حوالي 48 مدنيا من اهل القرى وكان معظمهم من النساء والاطفال خلال حضورهم حفل زفاف. وقال مكنيل ان القوات الاميركية كانت تتعامل مع معلومات تقول ان قائد طالبان الهارب الملا محمد عمر ربما يكون في تلك المنطقة في تلك الليلة، ولكن المسئولين الافغان قالوا ان الهجمة كانت كارثة وكانت ببساطة مثالا جديدا لاعتماد الاميركيين على استخبارات سيئة. يقول الكولونيل ميرجان المتحدث باسم وزارة الدفاع الافغانية «المشكلة الرئيسية هي ان الاميركيين لا يحترمون اي احد غير انفسهم. فهم يقولون نحن اسياد هذا العالم، ولا يقومون باستشارتنا والأخذ بنصيحتنا». وقال قرضاي، الذي يملؤه الخوف من انتكاسة سياسية بسبب الهجوم على المدنيين لا سيما وأنه يعرف بولائه الشديد لأميركا، ان الوقت قد حان لتطبيق نوع جديد من الحرب. ويقول احد مستشاري قرضاي الكبار: «علينا ان نقوم بنوع اصغر من العمليات الجراحية صغيرة الحجم. فالآن مرحلة مختلفة حتى ولو اننا قد اعترفنا بأن الحرب لم تنته بالفعل بعد». ويعتبر الالتزام الاميركي بالمساعدة في تدريب جيش افغاني قومي مثالا آخر للتعقيدات التي ظهرت على الساحة الافغانية ويعد هذا الالتزام ايضا احد الاسباب التي توضح لماذا ربما يتطلب الامر وجودا اميركيا لفترة اطول من تلك التي يتحدث عنها كبار المسئولين حاليا. ويريد الافعان ان تكون لديهم قوة قوامها ألف جندي مدرب يحلون محل المليشيات الاقليمية التي تمسك حاليا بزمام الامور في الريف وقام الاميركيون مؤخرا بتخريج اول 300 جندي من ذلك الجيش وسط هالة من المسيرات غير المنظمة وتهليلات الجماهير. وكان برنامج التدريب الذي تلقاه هؤلاء لمدة عشرة اسابيع اقل مما يمكن وصفه بنجاح مثير. فقد رسب اكثر من 200 جندي خلال البرنامج، معظمهم اصابهم الاحباط من الراتب الشهري الذي قدمه الاميركيون والذي لم يتجاوز 30 دولارا. ورفض القادة الاقليميون ان يرسلوا متدربين جدداً، ويقول المسئولون الافغان انهم بالكاد يستطيعون تصور اليوم الذي سيصبح فيه الجيش الوطني قادرا على يحل محل القوات الاميركية ويضمن استمرار حالة الاستقرار. يقول عطا محمد احد قادات المليشيات من مدينة مزار الشريف والذي اعلن مؤخرا انه ليس لديه اي خطط لتفكيك جيشه الخاص المكون من 20 ألف جندي في اي وقت في الفترة القريبة المقبلة: «ان الامر فوضى فهذا الجيش الوطني مجرد اضحوكة... 300 شخص فقط من كل افغانستان؟ هذا لن يجدي نفعا». وفي نظر الجنود الاميركيين المرابطين في افغانستان، فإن مثل تلك المشكلات بعيدة الامد تبدو بعيدة عن المطحنة اليومية للحرب التي يتم خلالها تنفيذ مهام قاسية وأحيانا مرعبة بصرف النظر عن النتائج التي يتم تحقيقها. وقد قال مسئولون عسكريون كبار ثلاث او اربع مرات الشهر الماضي ان القوات القتالية الاميركية وفرق القوات الخاصة انتشرت في اتجاهات معينة في احدى العمليات الرئيسية بالقرب من خوست. وعندما وصل الجنود الى المكان المطلوب، اقتحموا قرى غارقة في بحار من الطين، رافعين البنادق وبحثوا عن اسلحة وأشياء تدل على اماكن وجود تنظيم القاعدة. ان الامر لا يزال عملا خطرا، وهو ما تبين خلال الكمين الذي نظم مؤخرا بالقرب من خوست ونتج عنه اصابة خمسة جنود اميركيين ومقتل اثنين من حلفائهم الافغان. ولكن معظم الجنرالات والجنود في باغرام يقولون انه لم يعد هناك الا القليل، ان وجد اصلا من الاهداف المهمة للقاعدة في داخل افغانستان. يقول ميجور جنرال فرانكلين هاغن بيك: «الآن الظروف اصبحت مختلفة عما كان عليه الوضع منذ اشهر قليلة مضت فالجزء الاكبر من القاعدة وقياداتها لم يعد موجودا في افغانستان». يقول ليفتنانت كولونيل باتريك فيترمان، الذي ظل جنوده السبعمئة يجوبون المنطقة الشرقية من افغانستان لعدة اشهر بحثا عن عناصر القاعدة: «اريد ان تتاح لي الفرصة لأن ألاحق القاعدة ولكن القرار لا يرجع لي». وعلى الرغم من ان هناك مجموعات صغيرة من القوات الخاصة تعمل على الحدود مع باكستان، حيث يعتقد ان مجموعة من هاربي القاعدة تختبيء هناك، فإن قوات فيترمان ممنوعة من عبور الحدود. اما جوستين شيسهولم احد رجال فيترمان، فيقول انه تم ارساله ضمن عمليات بحث بالقرب من خوست على الاقل اربع مرات خلال الاشهر الاخيرة، وأنه خلال تلك المهام لم يطلق النار من بندقيته وأنه يعتقد ان مخازن الاسلحة التي يعثر عليها من قبل القوات الاميركية لاتمت بصلة الى القاعدة ويقول الجندي انه في احدى المهام الاخيرة لمس صدام الحضارات الذي من المحتمل بشكل كبير ان يلاحق القوات الاميركية كلما طالت فترة وجودها في افغانستان. وكان شيسهولم في احدى القرى التي كانت القوات الاميركية تستعد لتفجير كهوف عديدة بها كان قد تم اكتشافها وكان يعتقد ان القاعدة تستخدمها. يقول شيسهولم «كنا على وشك تفجير الكهوف حتى خرج علينا احد المزارعين يصرخ ويستغيث. فقد تبين ان الكهف كان عبارة عن منطقة تخزين بها كميات من القمح!! ترجمة : حاتم حسين عن «واشنطن بوست»