انه الحب، ذلك الشعور الذي اذا فرد كامل اجنحته، لفاض علينا بالشفافية والكثافة الداخلية.. أن يتحاب اثنان ويعشقا، فان المدى لديهما لا يحده حد، ولا يعطله مستحيل، يصاحبهما القرنفل وتضج خطواتهما بالرنين واجراس الكنائس. ان يكون وجدانك على بصمة امرأة، فان الوريد يتذوق طعم الفردوس حين ينتشي بالرحيق.. ان تحدق بكامل كيانك في جلال امرأة، فان ثمة رقة اصيلة تلتهمك وانت خاضع كمصل.لكن ما ان يطل الغياب، ويفاجئنا بمصائبه مختطفا اعز ما نعيشه، تلوذ روحك بالذكرى او الذكريات، إذ تصبح السماء الاخيرة لاحساسك بالفقد والفقدان لامرأة قدت من سعادة وطبية ورحمة.. إن كانت تفتض عتمتك بنورها الاخاذ، نور العطاء الانساني، ومجد القلوب.. انه القدر ذلك الحتمي الرهيب، الذي يدك في غمضة عين كل افراحنا البضة.. ونظل طوال الوقت نتجرع مرارة الوحشة والحزن والفراغ حتى يصالحنا القدر ببعض التعويض. هذه هي بعض الملامح الوجدانية لقصة فيلم «اليعسوب» حيث نرى الزوج الدكتور جو دارو الذي يلعب دوره الممثل كيفن كوستنر الذي يحب زوجته لدرجة العشق وهي دكتورة اميلي التي تجسد دورها سوزانا طومسون، يحاول ان يمنعها من السفر مع فريق الصليب الاحمر الى بلد بعيد، خوفا عليها وعلى حملها.. لكن تصر لشعورها بالمسئولية ودورها الانساني كطبيبة امراض سرطانية.. لكنها تتعرض لحادث فتموت غرقا مع باقي الفريق. فيشعر الزوج بفراغ كبير ويعتصره الحزن كل لحظة على فراقها ولم يجد طريقة للهروب سوى بالعمل المتواصل ورعاية مرضاها من الاطفال المصابين بالسرطان. ويبدأ جو يشعر ان روح اميلي تحوم حوله في كل مكان، وانها تدعوه للذهاب الى مكان ما، وتزداد المواقف الدالة على تحليق روحها في حياة جودارو، مثل حركات البغبغان الغريبة التي كان يمارسها اثناء حياة اميلي.. لكن الموقف الاشد وقعاً على نفسيته هو ان احد الاطفال المرضى والمقربين لقلب الراحلة اميلي اخبره انها تريد منه الذهاب اليها، وانه رآها في احدى نوبات تعرضه للموت.. ويزداد الموقف غموضا عبر كثرة الدلالات والاشارات على حاجة اميلي لزوجها جو، مثل رسومات اليعسوب المنتشرة في البيت وغرف مرضاها والذي تعشقه، لوجود «وحمة» بجسدها على شكل اليعسوب. وتزداد حالة جو النفسية سوءاً حتى نصحه الجميع باخذ اجازة حتى تستريح اعصابه بعد ان كاد يعتقد بوجود اميلي على قيد الحياة.ويذهب جو الى فنزويلا، ليستكشف المكان الذي وقع فيه حادث غرق زوجته، ولقد ابدع المصور عبر تقديمه مشاهد تفيض بالطبيعة الساحرة والشلالات الرائعة. ومن خلال عدة مواقف يصل جو الى احدى القبائل التي شاهدت الحادث وقامت بدفن الضحايا، ليسألهم عن زوجته بتقديمه صورتها لهم، فتخبره سيدة عجوز انهم حاولوا انقاذ جسدها، فلم يفلحوا لكنهم نجحوا في انقاذ روحها، وهي طفلته الرضيعة، ولقد نجح المخرج في «تشفيف» دلالاته، عندما وجدنا على جسد الطفلة نفس «وحمة» امها وهي اليعسوب. وكأن اميلي لم تمت، بل تجسدت في شكل ابنتها ووحمتها. هكذا نرى ان كاتب السيناريو استطاع ان يحيل فكرة فانتازية الى واقع ملموس وحقيقي، ابهرنا فيه بامتلاكه المتقن لادواته الفنية. لكن المأخذ الوحيد على الفيلم ان المخرج توم شادياك اقحم بعض المشاهد المخيفة والموسيقى المرعبة افسدت في رأينا الثراء الانساني الذي قامت عليه فكرة الفيلم. أما الممثلة سوزانا طومسون، فبرغم دورها الصغير وظهورها القليل إلا انها سيطرت بروحها على قلوب المشاهدين كما سيطرت على قلب وعقل زوجها دكتور جو دارو. مجدي أبوزيد