ساهمت السياسات الترويجية والاعلانات المكثفة في ترسيخ المعادلة التي تشير إلى ان الحفاظ على الصحة يقترن بتناول الحليب، لدرجة ان الشخص، الذي يتناول معظم أنواع الأغذية تبقى تغذيته غير كاملة، ان لم يتناول الحليب، وبهذا الصدد يؤكد مؤلف كتاب جسمك هو طبيبك الأفضل د. كارول هانز على اننا نشرب الحليب تحت سيطرة صوت خفي دون وعي منا، رغم ان اسناننا تزداد تسوساً وعظامنا هشاشة، ورغم اصابتنا بالعديد من الاضطرابات والأمراض. ومن المعروف بأنه قبل ان يولد الطفل يكون مزوداً بالاكسجين للتنفس والمواد الغذائية الجاهزة للاستعمال لأجل النمو من دم الام، وبعد الولادة يتنفس الطفل بنفسه ولكنه يظل بحاجة إلى المواد الغذائية من أمه والتي يحصل عليها من ثدي الأم، وفي الواقع فإن حليب الأم الطبيعي يحل محل الدم الذي كان المصدر الأساسي لتغذية الجنين. فالحليب يشبه الدم أي انه دم دون المواد التنفسية، أي كريات الدم الحمراء، ولهذا السبب يعرف الحليب بالدم الأبيض. وكل حيوان ثدي ينتج الحليب لأطفاله، وهذا الحليب يختلف عن حليب كل الحيوانات الأخرى المنتجة للحليب، تماما كما ان دمها مختلف فالحليب الذي ينتجه الانسان وكل فصيلة من الحيوانات كالكلاب والبقر والخيول يخص أطفال هذه الحيوانات، إذ من المفترض ان يستعمل الحليب لمدة محددة، أي حتى ينمو الطفل بشكل كاف يجعله يأكل الطعام العادي، وكل الحيوانات تعرف هذه المدة، وعند الانسان يحدث ذلك عندما تبدأ أسنان الطفل بالبروز ويصبح من المزعج للأم ان ترضعه، ولهذا يعني ان الطفل ينبغي ان يتناول الاطعمة الجامدة. مواد قاسية لكن للأسف نقول ان الانسان قد أصبح مخلوقاً يشرب حليب البقر الذي جعلته الطبيعة لاستهلاك العجل وليس لاستهلاك الانسان، فحليب البقر يختلف عن حليب الانسان، ومن حيث المبدأ فإن العجل هو مخلوق أكثر قساوة من الطفل البشري، وبالتالي فإن حليب البقر مكون بشكل أكثر قساوة وعند فحص حليب البقر بالمجهر تظهر جزيئات البروتين كبقع ضبابية من الضوء، بينما لا تظهر هذه الجزيئات في حليب الانسان بسهولة لأن مجموعات البروتين في حليب الانسان هي أدق بكثير ويمكن ايضاً ان نلاحظ الفرق في عمل الحليب في معدة الانسان، فعندما نطعم الطفل حليب البقر تتشكل كتل من الجبن في معدته بينما مثل هذا الأمر لا يحدث لدى تناول حليب الأم. ويحتوي حليب كل فصيلة من الحيوانات على هرمونات النمو بتركيز مناسب لمتطلبات النمو عند أطفال هذه الفصيلة وهرمونات النمو. هي افرازات من الغدة النخامية الأمامية التي تعزز وتتحكم بالنمو ومن حيث الطبيعة فإن هرمونات النمو تختلف بين فصيلة وأخرى، فمثلاً فإن الأرنب يضاعف وزنه الأصلي خلال ستة أيام، والكلب خلال تسعة أيام، والحمل خلال أسبوعين، أما الانسان فإنه يحتاج إلى ستة أشهر حتى يتم ذلك. ووفقاً لما تشير إليه الدراسات فإن ما يحتويه الحليب من مواد قد يؤدي لاضطراب في التوازن الكيميائي للجسم إذا ما تناول الانسان الحليب. وتربط بعض الدراسات بين الاستهلاك الزائد للحليب وبين الاصابة بالأورام السرطانية ومثل هذه الأمراض والاضطرابات تبدو هذه الأيام أكثر وضوحاً خصوصاً ان القائمين على انتاج الحليب يستخدمون وسائل عديدة لزيادة انتاجهم من الحليب، ولو على حسب صحة الانسان المستهلك الأساسي له. غذاء غير كامل منذ سنوات عديدة صرح الدكتور ا. م. رابينوبيتش الذي كان يشغل رئيس قسم الأمراض الاستقلابية في مستشفى مونتريال العام بأن مصانع الحليب تريدنا ان نغرق أجسامنا بالحليب، وتساءل هل الحليب حقاً جزء لا يستغنى عنه في غذاء الانسان؟ وكان الجواب باختصار.. لا.. لأن الحليب يعطى بواسطة الحيوان الثدي البالغ لرضيعه لفترة من الزمن، وفي الطبيعة لا يوجد حيوان يعيش على الحليب بعد الفطام. وهذا يعني ان الحليب ليس غذاءً طبيعياً، للحيوان البالغ، فهذه الحيوانات تعيش وتتكاثر فيما بعد دون حليب، وقد ثبت ان الحليب هو غذاء غير كامل حتى عند صغار الحيوانات. تسوس الاسنان أكد الدكتور سيم والاس في كتابه «الفيزيولوجيا وصحة الفم» على انه عندما يكون هناك وفرة من الحليب والسكر يكون تسوس الانسان مستشرياً في الطبقات التي تتناول كثيراً هذه الأطعمة على الرغم من الفيتامينات الموجودة فيها، ومع مرور الوقت فقد أصبح علماء التغذية مقتنعين بأن صحة الفم لا تأتي من الحليب والحلويات المكونة من الحليب، وان من يرغب بالمحافظة على أسنانه عليه ان يتجنب الحليب. أمراض العصر وأشار الدكتور ويليام دوك المختص بأمراض القلب والأوعية الدموية إلى ان الشباب اليابانيين قد اعتادوا العمل لساعات طويلة ورغم انهم لا يتناولون الحليب فهم يتمتعون بالصحة ولا يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية. وتثبت الابحاث الحديثة ان الدكتور دوك هو على حق في الاشتباه بالحليب كسبب آخر لأمراض القلب والأوعية الدموية اضافة طبعاً إلى الأسباب الأخرى المعروفة. وقد قام الاطباء الباحثون في كلية الطب التابعة لجامعة واشنطن بدراسة على مئات تقارير تشريح الجثث والسجلات العيادية لعشرة مستشفيات في الولايات المتحدة الأميركية وخمسة منها في المملكة المتحدة، وقد أظهرت نتائج هذه الأبحاث التي تعود لسنوات خلت ان نسبة حدوث النوبات القلبية عند الأشخاص الذين كانوا يشربون الحليب أعلى بمرتين مما هي عند الأشخاص الذين لا يشربون الحليب. وتؤكد دراسات أخرى على ان تزويد الأطفال بالحليب بعد الفطام من الثدي يساهم في حدوث البلوغ المبكر وغير ذلك من الاضطرابات والاصابة بالأمراض الانحلالية كتسوس الاسنان وأمراض القلب والأوعية الدموية وغيرها من الأمراض التي تهدد الحياة. فالطفل بعد الفطام يحتاج للسمك والبيض واللحوم والخضار والفواكه والحبوب وليس للحليب، حتى يحافظ على صحته. وتشير الدكتورة أوجين روزاموند إلى ان الطفل الذي يتناول الحليب بعد العظام يصبح عرضة للاضطرابات التالية: الامساك، فرط النشاط والنزق، اضطرابات النوم، رفض الطعام واضطراب الشهية، فقر الدم. وللأسف انه بالرغم مما تؤكده الدراسات العديد القديمة منها والحديثة إلا ان الشركات المنتجة للحليب ما زالت تسعى لزيادة استهلاك الصغار والكبار للحليب، معتمدين في ذلك على أن الحليب يحتوي على الكالسيوم الضروري لصحة العظام والأسنان. ومن المعروف ان الكالسيوم متوفر بكميات كافية في معظم الأطعمة التي نتناولها يومياً كالفاصوليا واللوبياء والحبوب والمكسرات والسمك والزيتون والخضار والفواكه بشكل عام. وهذا يعني ان الكالسيوم يمكن الحصول عليه من مصادر عديدة، عدا عن ذلك فإن الكمية الكبيرة من الكالسيوم والهرمونات الحيوانية التي يحتويها الحليب تسبب اضطراباً في مستويات الكالسيوم والفوسفور حيث يصبح الفم حمضي التفاعل وبذلك تنمو الجراثيم وسوس الاسنان. وأخيراً تجدر الاشارة إلى ان معظم شعوب العالم لا تشرب الحليب بعد الفطام، كالصينيين واليابانيين وغيرهم، ومع ذلك فإننا ننخدع بالاعلانات والحملات الترويجية ونشرب المزيد من الحليب رغم ان علماء التغذية وخبراء الصحة العامة يؤكدون على ان الحليب مفيد للرضع وان حليب الأم هو الغذاء المثالي، ولكن حليب البقر أو الحليب الصناعي غير مستحب للأطفال والكبار