يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. دولة داخل الدولة، صفة أُطلقت على الوجود الفلسطيني المسلح في الأردن. ولئن لم تتطابق الصفة مع واقع الحال، فقد كان ثمة ما يسوغ الانتباه إلى اتساع هذا الوجود وازدياد تأثيره ونفوذه. فمنذ العام 1967، توسع الوجود الفدائي في الأردن، كما في سواه، باطراد. وفي الأردن بالذات، حيث الأغلبية الفلسطينية والنسبة الكبيرة من الأردنيين المؤيدين للعمل الفدائي، أقامت الفصائل من المنشآت والمكاتب والأجهزة ما له لزوم وما هو فائض عن أي لزوم. وبسطت الثورة الفلسطينية تأثيرها على مناحي الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وأنشأت مؤسسات تقدم الخدمات للجمهور وتناقش مؤسسات الدولة وتتدخل في الشئون العامة. وتوسعت الفصائل في إنشاء ما سمي بالميليشيا، وصار السلاح في متناول أي يد. وتفاقمت أوجه السلوك التي يمليها الامتلاك المفاجئ للقوة بعد طول حرمان وكبت. ولئن كان الانتماء إلى أي فصيل ميسوراً لأي راغب فيه كما صرت تعرف، فقد كان الانتماء إلى أي ميليشيا أيسر. ومع توفر التأييد الشعبي الكاسح للعمل الفدائي وبهوت سلطة الدولة الخارجة لتوها من هزيمة مستنكرة، اجتذبت الفصائل شتى أنواع الناس: ذوي الدوافع النزيهة والفاسدين. ومع وجود فصائل عدّة وتنافسها، بقي بإمكان أي شخص يلفظه فصيل أن يحطّ بسهولة في فصيل آخر. وزادت فرص الاندساس في الفصائل أمام الذين ترسلهم أيّ من المؤسسات الأمنية العربية أو الأجنبية التي تترصد العمل الفلسطيني وتكلفهم بشتى المهام التخريبية. وعندما صرنا في الوقت الذي أوصلنا إليه سياق هذا الحديث، أي في أواخر العام 1969، كانت معالم دولة الفدائيين القائمة داخل الدولة قد تبلورت وبلغت الخصومات بينها وبين الدولة الأردنية أشدّها. ولا أبالغ إن قلت لك إن دولة الفدائيين هذه بدت أكثر صخباً وأقدر على اجتذاب الأضواء من دولة الحكومة. وهذا كلّه إن انطوى على مخاطر تهدد العمل الفدائي ودولة الحكومة، فقد كان بالإمكان أن تتغلب عليه عقالة العقلاء لو لم يقترن بسياسات خاطئة على الجانبين. فعلى الجانب الفلسطيني، اختلطت المزايدة والدعوات المغامرة والشطط في الأوهام مع النوايا السليمة فصارت هذه وتلك هي قوام السياسة. وعلى الجانب الآخر، كان ثمة التهيب من مجابهة إسرائيل والسعي إلى استرضائها والخوف من أن يستثيرها النشاط الفلسطيني، وكان هذا كله وغيره مما يماثله هما قوام سياسة هذا الجانب. غاب صوتُ العقل من جانب، أو كاد، وغابت القريحة من الجانب الآخر، أو كادت. ولم تجتذب السياسة المتهاونة مع إسرائيل الجمهور، فاجتذبته الدعوة إلى الكفاح المسلح. أُهملت رغبة الجمهور في المقاومة على جانب وبولغ في استثمارها على الجانب الآخر. واختلط الحابل بالنابل. وفي اتهام الاختلاط أهداف الطماعين والانتهازيين على الجانبين وتعددت وسائل هؤلاء وأساليبهم الظاهرة أو المستقرة في استثمار الظرف واستجلاب المنافع. هذا الوضع أوقع أعباء ثقيلة على كواهل المحتفظين بهدي العقل. وقد برز بين هؤلاء كثيرون حملوا الأعباء بأمانة وصبروا على الاتهامات التي يوجهها المزايدون إليهم، وتصدّوا للسلبيات. إلا أن وضع اليد على الرابط بين السلبيات وبين السياسات المغامرة أو الاستسلامية لم يتسنّ إلا لقليلين، ولهذا، تبددت جهود كثيرة استهدفت مقاومة السلبيات دون أن تنتبه إلى خطأ السياسة. وظلّت السلبيات تتفاقم حتى مع تعاظم الجهود المبذولة لمقاومتها. مخاطر التطرف والمغامرة فاقمها التنافس بين الفصائل المتعددة وتنافس هذه الفصائل منفردة ومجتمعة مع السلطة. هنا، صار تعدد المواقع واختلاطها أعقد من أن يحيط بهما أي متقصٍ لتفاصيلهما مهما كانت براعته في التقصّي. وقد ألفت أن أردد حيث أحلّ: «هذا زمن اختلاط المواقع». ومنافسات الفصائل مع السلطة تدرجت إلى أن بلغت حد الاشتباكات المسلحة. حلّ جو مجبول جبلاً بالتحديات والشكوك والاستفزازات المتبادلة، فصار من شأن أي احتكاك حتى لو كان صغيراً أن يشعل حرائق كبيرة. وفي واحدة من سفراتي إلى عمان، أنهيت مشاغل يومي الأول، ثم سهرت مع عمر في منزله حتى الفجر، وكان من شأني أن أنام إلى ساعة متأخرة لو لم توقظني لعلعة الرصاص ودوي القنابل في الساعة السابعة. قال عمر وهو يغالب حاجته إلى الاستمرار في النوم: «يوم آخر من المشاكل». في هذا اليوم، بدأ الأمر باشتباك وقع قرب مركز البريد وسط المدينة. ثم لم يلبث أن انداحت الاشتباكات فشملت أي مكان فيه مسلحون تابعون لأي من الفصائل ومسلحون تابعون لأي من مؤسسات السلطة. وهكذا، وجدتني في مكتب للصاعقة في جبل اللويبدة، وكان فيه ممن أعرف الضابط في الجيش السوري النقيب الفلسطيني صلاح معاني. ولعلك لا تزال تتذكر صاحب هذا الاسم الذي كان في العام 1966 ملازماً ثانياً مرؤوساً لرفعت الأسد، شقيق حافظ الاسد وزير الدفاع في سوريا حينها، وقدم ضدي، أنا الذي كنت رئيساً لدائرة التوجيه السياسي في الإذاعة والتلفزيون، شهادة كاذبة لصالح رفعت فطُردت من الوظيفة. كان صلاح قد انتدبَ للعمل في الصاعقة، وكان هذا هو لقائي الأول به بعد تلك الواقعة. ولأني كنت تحت تأثير الكلام الذي سمعته في إعلام «فتح»، فقد بادرت صلاح: «أنتم أيضاً تريدون أن تحرروا العالم كله بهذه البندقية». وقد عنيت بندقية رأيتها مسنودة إلى مكتب الضابط البعثي. ولم يدرك صلاح سبب مبادأتي له بهذه السخرية، وتصور أني أشير إلى ملصق موضوع قربه وقد كتبت عليه عبارة «السياسة تنبع من فوهة البندقية»، فقال متفلتاً: «أنا لا أفهم في السياسة ولا أتدخل فيها، ولست أنا الذي جلب الملصق، فارحمني من لسانك !». لم يكن الملصق الذي نبهني رد النقيب إلى وجوده من صنع الصاعقة بل كان من صنع الجبهة الديمقراطية. ويبدو أن شخصاً ما جلب الملصق إلى هذا المكان ولعله شاء أن يظهرتماثل الآراء بين الطرفين. أما الرد على ملاحظتي فتولاه شخص من الحاضرين لا أعرفه: «وأين العيب في هذه الحكمة، ألا تستند السياسة إلى القوة ؟». ولأني خشيت أن أتورط ثانية في جدل من نوع الجدل الذي فررت منه، فقد تابعت بالأسلوب الذي بدأت به: «أستغرب لماذا تنبع السياسة عندكم من فوهة البندقية بالذات، البندقية ليست أفتك الأسلحة، فلماذا لا تقولون إن السياسة تنبع من راجم الصاروخ، أليس الصاروخ هو الأقوى». وقد أُخذ مُحدثي بإجابة لم يتوقعها، فلم يعرف كيف يواصل الجدل، فنظر إلى صلاح مستنجداً به. إلا أن صلاح الأذكى، على ما بدا لي، من رفيقه لم يفتح الباب لجدل لا يتقنه، بل وجه الحديث إلى الموضوع الذي أدرك أني منشغل به: «هل عرفت أين وصلت الاشتباكات ؟»، قال هذا بنبرة تظهر أنه مستعد لإطلاعي على أدق التفاصيل. في وسط المدينة، عند تقاطع شارع الأمير محمد مع شارع السلط، قرابة السابعة صباحاً، تجاورت سيارتان، واحدة فيها رجال شرطة وأخرى فيها فدائيون. وفي لحظات التوقف بانتظار أن يأذن شرطي المرور بانطلاق الحركة، وقع تلاسن بين الفريقين لم يُعرف سببه بعد. وعندما انفتح الطريق تبعت إحدى السيارتين الأخرى، وانتهى الأمر بتبادل إطلاق النار قرب مركز البريد. واجتذبت لعلعة الرصاص مسلحين من هذا الفريق ومسلحين من الفريق الآخر، واتسع الاشتباك، ثم انداح حتى شمل معظم أنحاء المدينة. ومنذ الصباح، بُذلت الجهود في اتجاهين متضادين: الذين ينمّون الكره على الجانبين أجّجوا المشاعر ودفعوا باتجاه التصعيد وتوسيع دائرة الاقتتال؛ والمتخوفون من مخاطر الاقتتال نشطوا في السعي إلى التهدئة. وهكذا، تضاربت الاتجاهات والأوامر على كل من الجانبين، فاشتد الاضطراب وصارت السيطرة على الوضع أصعب. وكأنما خشي صلاح أن أظن أن الصاعقة هي التي بدأت الاشتباك فتعمد أن يرجع إلى البداية: «تلك السيارة الفدائية عند التقاطع كانت فتحاوية»، فقلت «ما الفرق ما دام الجميع انجرّ إلى المعمعة». وعقب صلاح متشبثاً بحرصه على تجنب الجدل: «معك حق، والمصيبة أن...» وشاء أن يتم العبارة إلا أنه تذكر شيئاً: «هل تعرف عنصراً في «فتح» اسمه الحركي المصيبة؟». بالنسبة لي كانت هذه هي الصفة التي أطلقها فلاحو منطقتي في فلسطين وأنا طفل على شرطي شرير تفنن في إيذائهم ثم قتلوه، كما كانت اسماً يتردد كلما تندرنا بالأسماء الحركية الغريبة التي يحملها بعض الفدائيين. وعاجلني صلاح بإيضاح: «المصيبة، هذا، هو الذي تلاسن مع رجال الشرطة في الصباح». مع الغروب، أفلحت الجهود المتعلقة في تطويق الاندفاع الجهنمي للنار. وعرفت أن تحقيقاً حول الأحداث يدور في مكتب صلاح خلف «أبو إياد» فتعجلت الوصول إليه. وهناك رأيت هذا المصيبة. كان موقد الشرارة الأولى قد أقرّ قبل وصولي بأنه لاحق فعلاً سيارة الشرطة بعد اجتياز التقاطع وعزا السبب إلى أن رجال الشرطة شتموه وشتموا جميع الفدائيين. ولما سأل أبو إياد الرجل عمن بدأ التلاسن عند التقاطع، أقرّ المصيبة دون تردد بأنه هو الذي وجه الشتيمة الأولى لشرطي يجلس بجوار السائق. فتساءل أبو إياد، بصبره المشهود به في تقصي التفاصيل: «لماذا شتمت الشرطيّ، هل يجوز لفدائي أن يشتم شرطة البلد ؟». ويبدو أن المصيبة استشعر نبرة السخط في سؤال القائد ولم تعجبه، وكنت أنا وقتها قد دخلت على المشهد. ونثر المصيبة رأسه نثرة تشي بمشاعره إزاء السؤال وقال متحدياً، بنبرة متبجحة :«شتمته لأنه بحرني، ولو كان الكلاشينكوف جاهزاً لقتلته». و«بحرني»، هذه، تعني أنه نظر إلي أو تفرس فيّ بغير ود. وكانت تلك بحرةً تبعها إرعاب مدينة طيلة نهار بكامله وتأجيج العداوات بين الفريقين وتأسيس عداوات جديدة، وهذا كله قبل أن نتحدث عن الخسائر المادية أو البشرية. لم يكن لأي استفزاز أن يوقد نار الفتنة، لو لم توزع التطورات السابقة الطرفين على معسكرين متباغضين، ولو لم يوجد على الجانبين ناس لهم مصلحة في تأجيج العداء. وإذا جاز لي أن أحدد دوافع العداء، فسأبدأ بالرئيس منها، كما فعلت في كل ما كتبته عن أحداث تلك الفترة. إنه التنافس حول المسئولية عن تقرير مستقبل الشعب الفلسطيني. أما التنافس على السلطة في الأردن وتأثير التجاوزات التي تجلت في سلوك بعض الفدائيين أو ناس السلطة وما إلى ذلك، فإنها عوامل تالية لا ترتقي إلى مستوى العامل الرئيس. هذا الحكم الذي يتوخى استخلاص لبّ المسألة لا ينفي اختلاط تأثير العوامل المتعددة أو بروز تأثير عامل منها في وقت أو حال وعامل غيره في وقت وحال آخرين. والحقيقة أن وضعاً غريباً نشأ بعد هزيمة 1967 التي نتج عنها بين ما نتج أن ضعف النظام ونما العمل الفدائي الفلسطيني في الأردن. وإلى كونه غريباً، كان هذا الوضع شائكاً أيضاً. بدأ الأمر حين شاء ناس المقاومة أن يتحرروا من القيود التي تفرضها السلطات الرسمية على حركتهم. وكانت هذه القيود، كما لا بد من أنك تعرف شديدة القسوة قبل 1967. ثم تطور الأمر مع ضعف السلطة فأخذت سلطات المقاومة تحل محل سلطات النظام، تأكلها أولاً بأول، فيما سعى ناس النظام إلى مقاومة ظفر المقاومة بأي سلطة. بدأ أمر ناس النظام بالسعي إلى تجاوز ضعفه واستعادة سلطاته المفقودة، ثم تطور إلى أن صار الهدف هو حرمان المقاومة من أي سلطة. وبمضيّ الوقت، بالضغوط التي اشتدت على الجانب الفلسطيني من أصدقائه المبغضين للنظام الأردني والضغوط التي اشتدت على النظام الأردني من مبغضي المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً من إسرائيل، اكتمل التناقض. فبرز على الجانب الفلسطيني الدعوة إلى إسقاط النظام الأردني. وكانت هذه في جوهرها، كما رأيته أنا، دعوة إلى أن تتولى م. ت. ف. أو قيادة المقاومة الفلسطينية مسئولية الشعب الفلسطيني كله وصياغة مستقبله. وتأسس على جانب النظام مطلب التخلص من الوجود الفلسطيني المسلح أو من هذه الدولة الآخذة في النمو داخل الدولة. وكان هذا، في جوهره، كما رأيته أنا أيضاً، مطلباً يعني أن يستأثر الأردن بتمثيل فلسطينييه ويصوغ مستقبلهم وفق سياسته هو ويمنعهم هم وإخوانهم الآخرين من إتيان ما يستفزّ إسرائيل. في غضون ذلك، ضمّ الجانب الفلسطيني فرقاء سعوا بالوسائل المستقيمة والأخرى الملتوية إلى إحباط التوجه إلى إسقاط النظام. فعل بعضهم ذلك لأنه رأى أن إسقاط النظام مطلب غير واقعي أو أنه لا لزوم له أو أنه يندرج في سياق المطالب التي تمليها السياسات المزايدة كلها. وفعل ذلك آخرون منهم متنفذون في قيادة فتح نتيجة حسابات محلية وإقليمية ودولية أظهرت تعذر حلول المقاومة الفلسطينية محل النظام إلا إذا شاءت المقاومة أن تواجه مخاطر ومسئوليات لا تقدر عليها. وعلى الجانب الآخر، في غضون ذلك أيضاً، شاء بعض ناس النظام أن يستفيدوا من ضغوط المقاومة عليه لتحقيق غرض أو غيره مما له صلة بتوزع مواقع النفوذ والمنافع. مرة أخرى، فوق هذا كله قبله وبعده، كانت «م. ت. ف.» منذ شغل حملة البنادق مواقع القيادة فيها حريصة على تأكيد حقّها في تمثيل الشعب الفلسطيني كله أينما وجدت تجمعاته المتعددة واكتساب المسئولية التامة عن صياغة مستقبله فيما بقي النظام الأردني مصراً على أنه هو ممثل الفلسطينيين في الضفتين الشرقية والغربية، أي معظم الفلسطينيين، المسئول عن صياغة مستقبلهم. وبمقدار ما يجوز لي أن أتحدث عن الجانب الذي انتميت إليه، فإن بإمكاني أن أجزم أن قائداً مثل ياسر عرفات لم يدعم في أي وقت جهداً يستهدف حقاً إسقاط النظام الأردني حتى حين جارى عرفات بعض الذين يدعون إلى إسقاطه أو شاركهم دعوتهم. لكن عرفات المسكون أكثر من غيره بها حسب انتزاع حق «م. ت. ف.» في تمثيل شعبها وصياغة مستقبله دعم الضغوط على النظام الأردني كلما اقتضى الأمر توجيه ضغوط من أجل انتزاع مزايا أو صلاحيات أكثر لـ «م. ت. ف.» و«فتح» أو حرمان ناس النظام من الاستئثار بحق تمثيل الفلسطينيين، بعضهم أو كلهم في الشأن السياسي. والحق، عندي، أن ياسر عرفات كان في هذه النقطة على صواب تام. وأياً ما كان عليه الأمر، فإن كثافة الوجود الفلسطيني المسلح في عمان والمدن الأخرى بلغت حداً فاق كثافته في الأغوار وزاد على ما توجبه حاجات العمل ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد وقعت البلاد في أسر مسلسل الأفعال وردود الأفعال: الوجود المسلح الفلسطيني يثير حذر السلطة ويدفعها إلى مواجهة في السر والعلن. وإجراءات السلطة تثير حذر الفصائل الفلسطينية فتؤجج نشاطها لتكثيف هذا الوجود، توتر مضطرد ونشاط ونشاط مقابل متصاعدان دون توقف. وفي هذا المسلسل الشيطاني، نمت مشاعر البغض على الجانبين. وتوجب على الجمهور، وهو المؤيد بالإجمال لنشاط المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي، أن يدفع ثمناً مضاعفاً، فيعاني من تجاوزات الفدائيين ومن إجراءات السلطة. وفيما ثابر النظام على تعبئة ناسه في الجيش والمدن والقرى والبوادي ضد الفدائيين وراحت دعايته تضخم سلبيات سلوكهم، نشط الفدائيون لتعبئة الناس ضد السلطة وتهاونها في مواجهة العدو الإسرائيلي. وفي طيّات هذا الصراع، استدرجت المقاومة أو اندفعت إلى ما يشغلها عن مواجهة الاحتلال. بل إن منجزات مواجهة الاحتلال صارت لها وظيفة جديدة، فجرى استخدامها لإبراز قصور النظام في هذا المجال. وفي بعض الحالات، عند بعض الفصائل، بل عند الكثير منها، فاق الجهدُ الموجهُ ضد النظام الجهد الموجه ضد إسرائيل ووجد ما يسوغ هذا حين وجهت الفصائل للنظام تهمة التواطؤ مع إسرائيل. وفي التحريض ضد النظام، بزّت الجبهتان الشعبية والديمقراطية الآخرين وفعل التنافس بينهما فعله في تأجيج المزايدة. وفي هذا التنافس، بزت الجبهة الديمقراطية الجبهة الأم واشتطت ليس في الدعوة إلى إسقاط النظام فقط بل في تحديد النظام البديل. ولم تتصور الديمقراطية البديل أقلّ من نظام اشتراكي، السلطة فيه لسوفييت العمال والفلاحين والجنود على غرار النظام الذي أنشأته الثورة البلشفية في الاتحاد السوفييتي. قد تصدمك غرابة الدعوة إلى نظام السوفييت في بلد طبقته العاملة لاتزال في أول أطوار النشوء وفلاحوه متشبثون بالنظام العشائري أكثر من تشبث البدو أنفسهم به وجيشه مؤسسة أنشأها النظام وفصلها على قدّ حاجاته. وها أنا ذا أتذكر احتفال الجبهة الديمقراطية بعيد ميلاد لينين. تصور القافزون لتوّهم من خانة التعصب القومي إلى خانة الماركسية أن يساريتهم لا تستقيم إلا إذا غالوا في تكريم ذكرى مؤسس الدولة الاشتراكية الأولى، ففعل هؤلاء في الأردن كما في غيره ما كان لينين نفسه سيعترض عليه لو شهده. ففي دمشق، على سبيل المثال، علقت الجبهة على جدران المدينة لصقاً حمل صورة لينين وتحتها كلام منسوب إليه موضوع بين أقواس لتأكيد النسب، وهو كلام يصف إسرائيل بأنها دولة الرجعية والعدوان والتوسع. كنت أسير مع سعيد حمامي في أحد شوارع دمشق حين وقع نظرنا على الملصق. ولكم أغاظنا كلينا أن تنسب الجبهة إلى من له شهرة لينين كلاماً لم يقله أبداً وتغفل أن الرجل توفي قبل إنشاء دولة إسرائيل بخمسة وعشرين عاماً فلم يتسن له، إذاً، أن يشهد قيامها أو أن يكون رأياً فيها. وتصورنا للوهلة الأولى أن معدّي الملصق لا يعرفون أن لينين رحل عن دنيانا منذ زمن طويل. وتوجهنا إلى مكتب الجبهة الديمقراطية عازمين على تصحيح معلوماتهم. ولدهشتنا، لم يؤخذ المسئول الذي استقبلنا هناك بهذا التزوير الفاضح أو اكتشافنا له، بل قال ببساطة مغيظة: «نحن في الجبهة الديمقراطية واثقون من أن لينين لو عاش حتى قيام دولة إسرائيل لقال عنها هذا الكلام الذي نسبناه إليه». أما في الأردن، فقد غطى شعار «كل السلطة للمقاومة» جدران أي منطقة مأهولة وصل إليها أعضاء الجبهة الديمقراطية، وذلك على غرار «كل السلطة للسوفييت» البلشفي الشهير. واشتمل الاحتفال بعيد ميلاد لينين في الأردن على وقائع أخرى استفزت أعتى الصابرين. وفي مدينة السلطة بالذات، المدينة التي ولد فيها نايف حواتمة إن لم تخنّي الذاكرة، استخدم المحتفلون بعيد لينين مذياع المسجد وأطلقوا منه شعاراتهم اليسارية المتطرفة، ودعوا الناس إلى تمجيد المحتفى به وأذاعوا مقتبسات من أقواله، مزوّرة وغير مزوّرة. ولك أن تعلم أن دعوة الداعين إلى إسقاط النظام والاستيلاء على السلطة اقترنت بمفارقة موجعة كشفها السلوك الفعلي لناس الفصائل. فقد أظهر السلوك ذاته عجز الفصائل عن إقامة النظام الشعبي الديمقراطي المستجيب لمصالح الجمهور الذي تبشر بإقامته، بل أظهر عجزها عن إقامة أي نظام. وما تزال ذاكرتي تختزن وقائع يصعب عليّ أن أسردها لك، ليس لأنها كثيرة بل لأني أعفّ عن مجرد ذكرها. لقد رويت لك بعض الأمثلة مما أجزت لنفسي أن أرويه. ولا بأس في أن تعرف مثلاً آخر لتفضح لك الصورة، على ألا تطمع في المزيد. ألف الخطاب الفصائلي أن يصف الاستيلاء على أي شيء بأنه تحرير له، حتى لو تعلق الأمر بالاستيلاء على ممتلكات شخصية. سأستعير هذا التعبير وأحدثك عن يوم من أيام التحرير الموجعة. ففي هذا اليوم، حرر مسلحو الفصائل الذين انتشروا في شوارع عمان كل سيارة وقع نظرهم عليها، وأُنشئت ورشات بدّلت معالم السيارات، ووجد عدد كبير من السيارات المحررة طريقه إلى خارج الأردن. يومها، بدأت العملية مع الصباح: دوريات متفرقة من المسلحين راحت تنتقي سيارات بعينها فتوقفها وتنزل ركابها منها بتهديد السلاح و... تحررها. ومع الضحى واشتداد حرارة الجو، تطور الأمر، فصار التحرير يتم دون انتقاء، وزادت وتيرته. ومع حلول الظهيرة القائظة وتدني عدد السيارات المنطلقة في الشوارع، وقع تطور آخر، فصار المسلحون يبحثون عن السيارات المتوقفة حتى في مرائب الدور. كنت في عمان شاهداً تابع الوقائع في غير موقع. وتجولت مع مصطفى الحسيني وطلال سلمان في المدينة التي تضافر عليها الحرّ والرعب فكتما أنفاسها. ولما تعذر على أي منّا التعامل مع ما يجري بروح صحافية مهنية، فقد انهمكنا مع المنهمكين في الاعتراض عليه ومحاولة وقفه. كان طلال كدأبه حين يتصرف بدافع مشاعره الشخصية وليس المهنية يدقق في النوازع الأخلاقية، فيما رحت أنا أركز كعادتي على الجانب السياسي وأنسب فساد السلوك إلى السياسات الخاطئة التي توجهه. ووازن مصطفى كعادته هو الآخر بين النوازع المتعددة. وشكلنا نحن الثلاثة ما يشبه لجنة لتقصي الحقائق وجبنا هنا وهناك في أرجاء المدينة ومكاتب القادة بحثاً عنها. مشاغل عرفات الكثيرة وتفلّته من الإدلاء بأي شيء قاطع الدلالة لم يسمحا بإجراء حديث مستقصٍ معه. وقد اكتفى عرفات بأن أوحى إلينا في كلام متعجل أن الأمر فلت من رقابة القيادة وقال إنه يواصل الجهد لاستعادة السيطرة. وعندما واجهنا عرفات بما عرفناه وقلنا له إن «فتح» هي المجلّية في العملية وقد ظفرت بالحصة الأكبر من غنائمها، ردّ الرجل وهو يتعجل الخلاص منا: «الذي حكى لكم كاذب». وعندما ألحفنا مؤكدين على أننا اعتمدنا على ما شاهدناه بأنفسنا أو سمعناه من مصادر موثوقة، ردّ عرفات مستثاراً: «كذبوا عليكم، فراغ عين وحسد !». بحثنا عن نايف حواتمة فبدا لنا أن الرجل يتهرب منا. وما أن عرفنا أن رجل اليسار الجديد موجود في مكتب الصاعقة في اللويبدة حتى اقتحمنا المكتب دون إخطار مسبق وباشرنا الهجوم دون مقدمات. وكان أول ما رد به نايف على هجومنا أنه نفى مشاركة أعضاء جبهته في العملية. وقد وصف نايف ما يجري بأنه نهب وسفالة، وقال إن الاعتداء على ممتلكات الناس الشخصية منافٍ للمناقب الثورية التي رُبّي أعضاء الجبهة عليها. وأعلن نايف أن قيادة الجبهة وضعت على عاتقها مهمة وقف النهب وإعادة السيارات المنهوبة إلى أصحابها. وقبل أن يجيء دوري لمواجهة محدثنا بما أعرفه، اقتحم ياسر عمرو المجلس. كان أبو ثائر هذا لا يزال وقتها بعثياً مسموع الكلمة في حزبه فضلاً عن أنه من وجهاء آل عمرو. ويبدو أن الرجل الذي بحث هو الآخر طويلاً حتى وقع على نايف قد سمع وهو مقبل على مجلسنا ما قاله الأمين العام للجبهة الديمقراطية عن المناقب الثورية وأخلاق الثوار، فقد بادأه دون تحية، بنبرة صوته الحادة التي جعلها الانفعال أحدّ: «أيوه يا أبو خالد، إحك زي ما بودك عن الثورة والمناقبية الثورية !»، ثم وجه الخطاب إليّ: «انشر له ما يريد، فالكل يكذب !». وبعد هذه المداهمة، أفصح ياسر عمرو عن قصده، فاتضح أن مسلحين من الجبهة الديمقراطية حرروا بين ما حرروه سيارة يملكها رجل من آل عمرو. وقد عرف أبو ثائر أسماء الذين استولوا على السيارة والمكان الذي نقلوها إليه. وحاصر وجيه آل عمرو المستاء وجيه القوم اليساري بما يعرف: «جماعتك أعطت السيارة هناك لصاحب كاراج سداداً لدين عليكم». وقبل أن ينطق حواتمة بأي رد، رماه أبو ثائر بالتهمة الأوجع: «لا تقل لي إنك مش عارف، شبابك أخذوا السيارة للرجل بأمر منك !». ولئن كان في مقدروي أن أشهد بأن حواتمة لا يسهل إحراجه، كما لا يسهل حمله على الصمت فإني أشهد أن هذا الموقف أحرجه وجعله يصمت.