في افتتاحية حديثة لها، قدمت صحيفة «ذي نيويورك تايمز» نعوم تشومسكي على انه «المفكر الأهم في الكرة الأرضية اليوم». مع ذلك، فإن الفيلسوف الاسطوري وعالم اللغويات في معهد ماساشوستس للتقنية ومؤلف كتب هي مثار للجدل دائما يستشيط غضباً عندما يذكره أحد، ما بذلك.وهو يوضح ذلك بدون أن يخفي شعوره بالرضا قائلا: الناس يتأثرون بتلك العبارة، لكنهم يتناسون الجملة التالية التي قالت وبما أنه كذلك، كيف يمكن ان يكون لديه آراء خاطئة الى هذا الحد حول السياسة الخارجية الأميركية وبالتالي كان ذلك نقدا وليس ثناء.لكن بالنسبة لتشومسكي، إن كون المرء «معارضا محترفا» هو جزء من العمل اليومي. ولقد تجلى موقفه المعارض ذاك بعد أحداث 11 سبتمبر بقليل عندما سمى الولايات المتحدة «الأمة الارهابية الكبرى» وبالتالي اصبح متهما بالدفاع عن «الارهاب» الاسلامي. ويقول تشومسكي في مقابلة مع صحيفة «لاناسيون» الارجنتينية: «لاتهمني الانتقادات. فالطبقات المثقفة سوف تتصرف على هذا النحو دائما. انه دورها التاريخي المتمثل في دعم عنف الدولة والتشهير بالذين يحاولون الا ينسوا بالكامل القواعد الاخلاقية الاكثر اساسية. يبلغ تشومسكي الثالثة والسبعين من العمر وهو من مواليد «فلوريدا» وابن لمهاجرين روسيين وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة «بنسلفينيا» وبرز كباحث سياسي عنيد ومن بين كتب اخرى، هو مؤلف «أسرار وأكاذيب وديمقراطية» و«دول سافلة» حيث يبدي نقدا عميقا للسياسة الخارجية الأميركية. كما يبدي تشومسكي اهتماما كبيرا بالاوضاع الاميركية اللاتينية وخصوصا الوضع الارجنتيني وبالترحيب بكتبه هناك، لكنه يأسف على كتابه الأخير قائلا: «طبعا» من الذي سيتمكن من شراء الاخير. اما مكتبه فيغص دائما بتلاميذ يعاملونه كإمام وبقصاصات صحف تشير الى شخصيته مثل صحيفة «بوستون جلوب» التي تتناوله بشكل مرن على انه معاد للأميركية. ومن المفارقات المنافية للعقل انه حتى في الارجنتين لم يعد يتهم المرء بمناهضة بلاده اذا ما وجه انتقادا لسياستها الخارجية حيث ان ذلك كان ممكنا خلال فترة حكم العسكريين، لكن الآن لا، ما عدا طبعا بعض المجموعات التي يعتبرها الجميع من ا ليمين المتطرف. وفي المقابل، فإن اي واحد هنا (الولايات المتحدة) لا يشاطر الخط الرسمي بشكل تلقائي، يعتبر مناهضاً لاميركا وحتى انهم لا يقدمون الاسباب لاتهامه وذلك من خواص الثقافة الشمولية. ـ بعد الحادي عشر من سبتمبر قارنت نشاط ابن لادن مع نشاط الولايات المتحدة في باقي العالم. ولقد خسر الكثيرون بما قلت بأنك كنت تلمح الى ان الولايات المتحدة كانت تسعى وراء ذلك. هل كان الامر كذلك حقاً؟ ـ بالطبع لا، فمن غير المعقول ان يفسر ما قلته بهذا الشكل والشيء الوحيد الذي قلته ان هذا فظاعة رهيبة لكن لسوء الحظ ان عدد القتلى غير مألوف، والشيء الوحيد المألوف هو الاتجاه الذي صوبت إليه الاسلحة واذا كان ما يرتكب ضدا جريمة فهو كذلك ايضاً عندما نرتكبه نحن ضد الآخرين، ولهذا كنت ضد العمل العسكري في افغانستان. ـ ألا يجلب العنف سلاماً ابداً؟ ـ نعم، فلقد جلب العنف السلام في الحرب العالمية الثانية، وحينها كنت طفلاً، لكني دعمت الحرب وما زلت ادعمها الى اليوم. ـ هل توجد وراء كل شيء أهداف امبريالية خاصة بالولايات المتحدة؟ ـ لا اعتقد ان الولايات المتحدة تمتلك اهدافاً امبريالية اكثر من اي بلد آخر. لكن ما يجري هو ان الولايات المتحدة اقوى بكثير ولقد اصبحت كذلك خلال الخمسين عاماً الاخيرة وقدرتها أكبر بشكل لا يقارن. ـ ماذا لديك ضد الامبريالية الاقتصادية؟ ـ الامبريالية الاقتصادية تشرح نفسها بنفسها، اذ ان صندوق النقد الدولي ما هو الا فرع من وزارة المالية الاميركية ولو ان الولايات المتحدة توجه نفسها من خلال توصياته لبلدان مثل الارجنتين لكانت انجزت اصلاحات هيكلية هائلة، لان العجز الذي وصلت اليه أعلى بكثير من المقبول، الشيء الذي لن تفعله مطلقاً لا هي ولا اية دولة قوية اخرى، اذن لماذا يتعين على الآخرين قبول ذلك مع العلم انه حتى ما يسمى باللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية اعترفت بأن الدول التي اتبعت توصيات «واشنطن» اكثر من غيرها كانت أسوأ الدول التي تتماشى معها هذه التوصيات. ـ هل تملك الارجنتين خياراً آخر؟ ـ عندما يقع المرء في حفرة من الممكن ألا يكون في متناول يديه خيارات كثيرة. وحتى انه من الممكن ان يطلب مساعدة من حفر الحفرة له، لكن يجب توخي الحذر فدارسو نظريات التطور الاكثر احتراماً يتفقون على عدم وجود حلول سحرية لكن توجد نقطة واحدة واضحة فقط هي ان الاوضاع الاقتصادية تسير بشكل جيد فقط في البلدان التي تتمكن من دخول السوق العالمية بمفاهيمها الخاصة واميركا اللاتينية ليست مستعمرة رسمية من القرن التاسع عشر لكنها كذلك فعلاً بالمصطلحات الاقتصادية وبالعودة الى الارجنتين فإن لا شيء ينفع اذا سمح للاغنياء بألا يدفعوا الضرائب وبأن يخرج رأس المال من البلاد. ـ ألا تعتقد بأنه لا يمكن طلب عدم خروج رأس المال من البلاد الا اذا وجد مستوى معين من الثقة بالحكومة وبالمؤسسات؟ ـ يجب ألا يثق المرء بالحكومة أبداً ولا بالمؤسسات العالمية والشيء الوحيد الذي يتعين عمله هو دفع الحكومة لادخال اجراءات مفروضة من قبل الشعب ذلك انه من الممكن الحديث عن علاقات ثقة في نظام استبدادي او مع ملك كارزمي لكن ليس في نظام ديمقراطي. ـ منذ فترة وجيزة قال جوزيف ستيجلتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، انه يجب اجراء محاكمات بسبب التطبيق العملي السيئ الذي يمارسه المستشارون العالميون الذين يقدمون نصائح سيئة لبلد ما، وذلك مثلما يمكن للمريض ان يفعله مع طبيب ما هل تتفق معه؟ ـ لا أعتقد ان ستيجلتز اراد قول ذلك حرفياً لكن من حيث المبدأ انا اتفق معه، فعلى الناس ان يكونوا مسئولين عن الاعمال التي تضر بالآخرين لكن عندما يتعلق الامر بالدول فإن الشكل الذي من الممكن ادخال ذلك فيه يكون هدفه النقاش حيث يجب الأخذ بعين الاعتبار ايضاً انه من السهل جداً بالنسبة للسياسيين الفاسدين محاولة غسل ايديهم بتحميل صندوق النقد الدولي مسئولية جميع الشرور، وحتى لو كانت الاتهامات صحيحة فإن أميركا اللاتينية عموماً والارجنتين على وجه الخصوص لديها سلسلة من المشاكل الداخلية التي اذا لم تتم معالجتها لا يمكن وجود اي حل مع او بدون صندوق النقد الدولي. ـ كنت دائماً منتقداً لاذعاً لوسائل الاعلام الاميركية ترى كيف تتناول وسائل الاعلام هذه الأزمة الارجنتينية؟ ـ الأسلوب الرئيسي هو تجاهلها ما عدا انها تعاني من أزمة طبعاً والشيء نفسه يطبق بالنسبة لباقي اميركا اللاتينية والأزمة لا تعني شيئاً يؤثر بالناس عموماً وانما بالمستثمرين والاغنياء والاقوياء فقط بالطبع ان تركيز الاخبار في الولايات المتحدة مصمم على مقاس هؤلاء حصرياً. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «لا ناسيون» الارجنتين