في ساعات الصباح الباكر، يأتي ارباب المشاريع الانشائية الى المقاهي المفعمة بالدخان بالقرب من محطة غاردونورد للقطارات.. قد يحتاجون في احد الايام لنصف دستة من بنائي الطوب. وفي اليوم التالي، قد يكونون بحاجة الى دهانين، يتم جمع العمال معاً ومن ثم ينقلون الى مواقع البناء، ويتم بعد ذلك اعادتهم الى المكان نفسه في نهاية اليوم، جميع هؤلاء العمال من الاجانب، وهم جزء من اقتصاد واسع غير مرئي له وجود في مكان ما بين اللاشرعي والمهمل، ويعمل هؤلاء وحوالي ثلاثة ملايين آخرين على شاكلتهم متوزعين في انحاء اوروبا في المطاعم والمزارع ومواقع البناء، ويقومون بأعمال تدر اجوراً متدنية ولكنها تتطلب في الغالب شكلاً من اشكال رفع الاثقال التي يتجنبها الآن الكثير من الاوروبيين. وفي الوقت التي تضع الدول الاوروبية معوقات جديدة في وجه ما تعتبره بشكل متزايد غزواً للمهاجرين، فإن اهتماماً ضئيلاً يولي للكيفية التي اصبح فيها مستوى المعيشة التي تحسد عليه اوروبا يعتمد على القوة البشرية التي يوفرها العمال غير الشرعيين.. أو كيف يمكن ان يهبط اذا ما تم تقليص الهجرة. يقول جان فيليبي تشوزي، الناطق بلسان المنظمة الدولية للهجرة ومقرها جنيف: «هناك الكثير من النفاق، فالوظائف موجودة هناك، وهي تعمل بشكل اساسي كالمغناطيس، والامر اشبه ما يكون بالحصان والعربة.. لا يمكنك ان تملك واحداً دون الآخر». ويشير الى ان هناك حديثاً عن عدم السماح بدخول العمال غير الشرعيين لا عن اتخاذ اجراءات صارمة ضد الاشخاص والشركات التي توظف العمال غير الشرعيين. يأتي هؤلاء الاشخاص الذين لا يحملون اوراقاً ثبوتية من اماكن قريبة كأوروبا الشرقية وتركيا ومن مناطق بعيدة كآسيا الوسطى والمستعمرات الفرنسية السابقة في غرب افريقيا. وهم لا يتمتعون بأي من حقوق العمال والقوانين الحمائية او الاعانات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، ويتلقون اجوراً تقل عن الاجر القانوني، وغالبا ما تتأخر اجورهم بدون اية مطالبات قانونية، وعلى الرغم من ان الكثيرين منهم يعيشون ويعملون في فرنسا منذ سنوات، إلا انهم لا يملكون الحق بالتصويت او حتى الشكوى صراحة من ظروف عملهم. يقول يشار وهو رجل في العشرينيات من عمره جاء الى هنا قبل عامين من الساحل التركي على البحر الاسود ويعمل الآن في المطاعم والوظائف الغريبة الاخرى، يقول: «يقوم المهاجرون بتنفيذ كل العمل المضني في فرنسا، ولكنهم لا يحصلون على ما يستحقون. انه ظلم كبير». ومن جانبه يقول كهرمان وهو رجل تركي يبلغ من العمر 30 عاماً يرتدي سترة جلدية سوداء ويجلس في مقهى مزدحم يعبق بدخان السجائر ورائحة الشاي التركي الثقيل: «انهم يتركوننا هنا، ولكنهم لا يعطوننا اوراقاً شرعية.. انهم يستغلوننا. فأصحاب العمل الذين يسمحون لنا بالعمل لا يدفعون الضرائب». ويضيف قائلا: «الكل يعتقد ان هذا البلد هو موطن حقوق الانسان، لا توجد حقوق هنا فلا يوجد حق بالعمل ولا حق بالحصول على الطعام، ولا استطيع ان ارسل المال لعائلتي. اين هي حقوق الانسان؟». كامل عبيشو 37 عاماً هو شاب تونسي يحمل وثائق مزورة، يعمل كل يوم في مجال توصيل طلبات المطاعم، ويبلغ مجموع ساعات عمله 131 ساعة في الشهر وهو واثق من ان مستخدميه يعلمون انه موجود بصورة غير شرعية ويستخدمون هذه المعلومة لصالحهم، ويقول انه يحصل على اجرة متأخراً دائماً، وعادة ما يتم اهمال ساعتين او ثلاث ساعات عمل لدى دفع الحساب، ويطلب منه دائما الدوام لفترة متأخرة اكثر من الآخرين، لا ينتمي عبيشو لاي نقابة عمالية، ويقول انه لم يسبق له ان اشتكى خوفاً من فقدان وظيفته. لا توجد ارقام حقيقية حول الكيفية التي يعيش ويعمل بها الكثير من المهاجرين غير الشرعيين هنا بدون اوراق قانونية، ولكن اعدادهم قد تكون بمئات الألوف في فرنسا وبالملايين في انحاء اوروبا. ويقول جان بيير غارسون وهو باحث في قضايا الهجرة يعمل لصالح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 30 دولة من الاعضاء، يقول ان «الفرق بين الولايات المتحدة وأوروبا هو ان الولايات المتحدة طورت الكثير من المنهجية لاحصاء عدد المهاجرين غير الشرعيين». يقتبس خبراء الهجرة في الغالب تخمينا بارعا يضع المهاجرين، الذين يعيشون ويعملون في الدول الـ 15 الاعضاء في الاتحاد الاوروبي عند حدود ثلاثة ملايين شخص. والرقم الثابت الوحيد هو عدد الاشخاص الذين استفادوا من العفو العام الذي قدمته خمس دول اوروبية في سنوات التسعينيات، ففي حينه تقدم ما مجموعه 1.5 مليون مهاجر غير شرعي للحصول على العفو في كل من فرنسا وأسبانيا وايطاليا واليونان والبرتغال. ويقول اوميت متين، مدير تجمع المواطنين الاتراك في وسط باريس، انه يعتقد ان هناك 300 ألف مهاجر غير شرعي في فرنسا. ويضيف قائلا ان السماح لهم بالبقاء هنا والعمل بوظائف متدنية الاجور هو «شكل آخر من اشكال الاستغلال. وهو شكل آخر من اشكال الاستعمار. فهم يساعدون الاقتصاد الفرنسي». وبالاضافة الى الاتراك الذين يعملون في الغالب كحرفيين وبنائين في مواقع البناء، كان هناك تدفق احدث للعمال الصينيين غير الشرعيين، الذين يتم استخدامهم في صناعة الملابس والمنسوجات. وهناك عدد كبير من المهاجرين ايضا يعملون في «نشاطات موسمية» وبخاصة في اسابيع الصيف من أواخر يوليو وشهر اغسطس، وذلك عندما يقوم معظم الفرنسيين تقليديا بأخذ اجازاتهم السنوية، ولكن اصحاب ورشات البناء يريدون ان تستمر الاعمال الانشائية. بعض الدول الاوروبية تعترف رسميا بأن العديد من المهاجرين يسهمون بشكل ايجابي في الحياة الاقتصادية. فقد سنت ألمانيا قانونا للهجرة هذا العام ينص على الدخول الشرعي للعمال المحترفين كمهندسي البرامج الحاسوبية الذين يملكون مهارات مطلوبة بشدة. ولكن معظم الاشخاص الذين يهاجرون الى أوروبا يملكون مهارات اقل اولا يملكون مهارة ابدا. وقد اثار وجودهم ردة فعل شعبية في العديد من الدول، مما ساعد في تحقيق مكاسب قوية في صناديق الاقتراع لاقصى اليمين، وهي الاحزاب السياسية المناهضة للمهاجرين والتي تلوم القادمين الجدد لتنامي معدلات الجريمة والبطالة. وفي هولندا، وصلت الى السلطة حكومة جديدة بعد تأييد شعبي كاسح للمنشق السياسي المناهض للهجرة بيم فورتوين، الذي تم اغتياله قبل اسبوع على انتخابات مايو. والحكومة الجديدة التي تشكلت بعد الانتخابات تعد بفرض قيود على الهجرة. وفي الدنمارك كذلك، فرضت الحكومة قيودا جديدة على المهاجرين. وهنا في فرنسا استغل الرئيس جاك شيراك خطابه بمناسبة يوم الباستيل في الرابع عشر من يوليو لاصدار وعد بتسريع معالجة طلبات اللجوء السياسي. وذلك من شأنه ان يكون تغيرا مهما، لأن الكثيرين من الاجانب الذين يدخلون فرنسا من خارج الاتحاد الاوروبي يسلمون انفسهم للسلطات ويدعون انهم كانوا مضطهدين سياسيا في اوطانهم. وبينما ينتظرون ان تتم معالجة طلباتهم، يسمح لهم بالعيش بحرية، ولكن عليهم ان يعيلوا انفسهم. وهكذا، وفي ضوء افتقارهم للوثائق الثبوتية الشرعية، فإنهم يقبلون بوظائف في النشاطات الاقتصادية المزرية. وتستغرق معالجة تلك الطلبات حوالي 18 شهرا وأحيانا فترة أطول من ذلك، لكن شيراك قال انه يريد ان يتم ذلك في غضون شهر واحد. والمنطق يقول ان ذلك سيعني عددا اقل من الاشخاص يعملون بصورة غير شرعية. وفي ظل الارتباك الحالي، وحتى وإن رفض طالب اللجوء السياسي، كما يحدث في 90% من الحالات، فإنه يكون قد غرس جذوره وعادة لا يغادر ابدا. ومن بين الاشخاص الذين ترد طلباتهم حوالي 70% يختفون ببساطة داخل المجتمع الفرنسي. بعض طالبي اللجوء السياسي يصفون اعلان شيراك اخبارا طيبة. ويقول ديمبا ساو، وهو سنغالي يبلغ من العمر 42 عاما سبق وأن حصل على الحق بالاقامة هنا قبل خمسة أعوام ـ يقول: «ان هذا سيعني تغيرا كبيرا بالنسبة للأشخاص الذين ينتظرون الأوراق الرسمية. فهي ستتيح لهم التجوال على الارض الفرنسية، وفوق كل شيء العمل بصورة شرعية. وبدون الأوراق الرسمية لا يسمح لطالبي اللجوء السياسي بالعمل». غير ان العديد من المهاجرين ومحاميهم يتخوفون من ان يؤدي تسريع عملية اللجوء السياسي الى اتخاذ قرارات متسرعة يمكن ان ينجم عنها اعادة لاجئين يحتاجون حقا الى الحماية الى اوطانهم. ويقول محامو بعض المهاجرين ان اضفاء الصفة الشرعية على وضعية من لا يحملون الوثائق هو الحل. ويؤكد تشوزي المتحدث باسم المجموعة الاستشارية للهجرة في جنيف على ان «المهاجر غير الشرعي لا يمكنه ان يندمج في المجتمع. ويضطر الى العمل في النشاطات الاقتصادية بشكل سري. وقد يكون ذلك افضل طريقة لتغذية مشاعر الرهاب من الاجانب والامتعاض منهم» ترجمة: ضرار عمير عن «واشنطن بوست»