عدد القتلى الاسرائيليين اجتاز امس خط الستمئة. هذا الرقم الذي سبب، في حرب لبنان، الى ان ينعزل مناحيم بيغن في منزله. ولكن ارييل شارون، الرجل الذي اطلق الوعود الفارغة في الحملة الانتخابية بأنه سيعيد الامن الى منازلنا، شوارعنا، اماكن استجمامنا، والباصات التي نسافر بها، لم ينعزل في بيته خجلا، ولا يخاطب الجمهور من أجل توضيح نفسه، واعماله وقصوره.انه يواصل العمل كالعادة. صحيح ان مقربيه يسربون للصحف انباء بانه يشتاط غضبا بعد كل عملية ولكن ما الفائدة من كل هذه التسريبات وماذا يفيدنا هذا الغضب؟ ستمئة قتيل يساوون من حيث القيمة ثلاثين الف قتيل في الولايات المتحدة. هل كان الرئيس الاميركي، مثلا، سيكتفي بالغضب؟ أي دولة تسمح لنفسها بأن يذبحوا هكذا مواطنيها في كل مكان يسيرون فيه او يجلسون، سنة تلو الاخرى، شهراً تلو شهر، يوما بعد يوم؟ أي حكومة كانت ستكتفي بعمليات عسكرية جزئية لا تفيد الا مؤقتا جدا وترى مواطنيها يقتلون ويجرحون والباقي خائفون، منغلقون، يعيشون تحت عمامة دائمة من الخوف والرعب؟ ليس ثمة دولة وحكومة جدية تفرط هكذا بمواطنيها وتجرؤ على ان تبث لهم رسالة بأن ما كان هو ما سيكون أي: المزيد من الدم، المزيد من المعاناة، المزيد من الدموع، وليس في الطريق نحو مكان ما، بل في الطريق الى لا مكان، هذه الطريق الدائرية المصحوبة بالمزيد من الدم والمعاناة والدموع. نحن نسأل الحكومة ألى اين تمضي من ناحية سياسية فتجيبنا بأنه ليس هناك ما يمكن الحديث معه. ثمة صدق في هذا نسألها لماذا لا يدخل الجيش بقوة اكبر الى المناطق من اجل وقف العنف فتجيبنا ليس ثمة فائدة من ذلك. هذا صحيح ايضا ولكن حين نسأل الحكومة لماذا لا تتخذ خطوات جدية من اجل توفير الحماية، اكبر قدر من الحماية، خطوات مثل اقامة جدار الفصل تجيبنا الحكومة بتلعثم، بعضه تضليل والبعض الاخر هراء. ولا تفعل شيئا ابدا. وهؤلاء الذين مناصبهم وخبراتهم تتعلق بذلك يروجون لاقامة جدار جدي، قوي يشمل منشآت الكترونية، الغام ومعوقات. يروج رئيس الشاباك لذلك، والمفتش العام للشرطة يدعو الى ذلك، كذلك قيادة الجيش تؤيد الجدار. فقط الحكومة ضده. للوهلة الاولى اعلنت عن بدء اقامة الجدار وبدأت تنفذ أي اقامة.أي تنفيذ. جرافة واحدة تتحرك على خط التماس. عدد من المكعبات الاسمنتية يتم وصلها كل اسبوع. بهذه الوتيرة يستكمل الجدار بعد اربعين سنة. كل شيء تضليل.لا يوجد ابدا ميزانية للجدار، يقول المسئولون من قبل الحكومة على بناء الجدار. كان يجب ان ينتهي هذا البناء منذ وقت. كان يجب ان يكون قلب اسرائيل منذ سنة مغلقا امام مخربين انتحاريين ومجرد مخربين.صحيح ليس بصورة مطلقة. صحيح ان احدا بين الحين والاخر يستطيع ان يتسلل هنا وهناك، ولكن ليس ثمة شيء في الحياة مطلق، وان المسألة هي مقادير ومقاييس ولا شك ابدا بأن الجدار الجدي والجيد كان سيمنع جزءا كبيرا من العمليات الامر الذي كان من شأنه ان يوفر علينا الجزء الاكبر من اعمال القتل. حكومة اسرائيل برئاسة ارييل شارون مدينة لنا برد جدي على سؤال لماذا ترفض كل اقتراحات جميع قادة اذرع الامن، وهؤلاء الذين احيلت اليهم مسئولية هذه القضايا من منطلق الاعتراف بخبرتهم وتفهمهم العميق، وتتصرف كما تتصرف وتفرط بنا للموت والاصابة والخوف والرعب. هل يمكن ان يكون السبب سياسيا؟ هل يخشى ارييل شارون من ان الجدار الذي سيمر في المسار الذي يخرج من مجاله جزء كبير من المستوطنات سيثير ضده حيفظة رجال اليمين وغضب المستوطنين؟ هل هذه هي القضية؟ هل من اجل مصلحة سياسية يحكمون على كل مواطني اسرائيل بمواصلة هذا الكابوس. لم يسبق ان كانت هناك، في قضية مهمة الى هذه الدرجة، فجوة واسعة وحاسمة بين السياسيين وبين الضباط والخبراء الكبار. مثل هذه الفجوة تستدعي نقاشا جديا وردا واضحا وليس مواصلة التملص من قبل السياسيين. ان الحكومة التي تتصرف بالصورة التي تتصرف بها حكومة شارون في الدفاع عن مواطني الدولة تحتاج الى توضيح مقنع للجمهور. كل ما قاله شارون امس هو ان العنف يتواصل واسرائيل تواصل القتال ضده. هذه صيغة ترفع المعنويات ومشجعة. مع اكثر من ستمئة قتيل فان رئيس الحكومة غير مدعو للانغلاق في بيته مثل بيغن في حينه. ولكنه مدعو لحشر المخربين وراء جدار يدافع عنا. على الاقل هذا. عن «معاريف»