كمال الدين عيد.. أحد أهم رموز مسرح الستينيات في مصر وما شاهده من ازدهار.. بما قدمه كمخرج من أعمال مسرحية عربية وعالمية، من بينها مسرحيتان من فصل واحد للكاتب المصري شوقي عبدالحكيم، «شفيقة ومتولي» و«المستخبي» و«الأزمة» لأحمد حمروش، و«طبول الليل» للكاتب الطليعي الألماني برتولد بريشت، و«الحضيض» للكاتب الروسي حكيم جوركي و«مشهد من الجسر» للكاتب الأميركي أرثر ميللر، ومن المسرح اليوناني القديم: الضفادع «ليوربيدز». بعد تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة قسم اخراج استكمل دراساته العليا في بودابست عاصمة المجر حيث حصل على الدكتوراه من جامعتها 1974 بأطروحه عن المشكلات المتعلقة بتطور الدراما المصرية من 1952 حتى 1970 له دراسات عديدة في المسرح من بينها «دراسات في الأدب والمسرح» القاهرة 1966 «المسرح الاشتراكي» القاهرة 1966 ـ فلسفة الأدب والفن ليبيا ـ تونس 1978 ـ جماليات الفنون ـ بغداد 1980 ـ مشكلات الدراما الاشتراكية في مصر ليبيا 1983 ـ مقدمة في الفنون المسرحية السعودية 1996. اخر كتبه هو تاريخ تطور فنية المسرح القاهرة 2001 امتد اسهامه كأستاذ أكاديمي ومستشار في أكثر من موقع على مستوى الوطن العربي: ليبيا، والعراق، والكويت، والسعودية. التقينا به في منزله بضاحية مصر الجديدة بعد ان استقر في القاهرة كأستاذ للدراسات العليا بأكاديمية الفنون ليحدثنا عن تجاربه في البلدان العربية والحركة المسرحية فيها ويبدأ الدكتور كمال عيد بتجربته في ليبيا قائلا: ـ عينت مستشارا فنيا لوزارة الثقافة الليبية لشئون الهيئة العامة للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، وكان الكاتب الأديب أحمد ابراهيم الفقيه مديرا للآداب والفنون، وأرسلني عبدالرحمن شنقن وزير الثقافة مع المبعوثين الليبيين كمستشار فني لدراساتهم العليا في ايطاليا وألمانيا الغربية والمجر. وقد عاد هؤلاء المبعوثون ليمارسوا الاخراج المسرحي وتصميم الفنون الشعبية. وقد وجدت ان هناك فنانين ليبين قد درسوا في فرنسا مثل الطاهر القبائلي الذي عاد ليصبح مديرا للمسرح الوطني ـ وهو معادل للمسرح القومي في القاهرة ـ وعملت استاذا في قسم التربية الفنية للمسرح والموسيقى بجامعة الفاتح وهو كناية عن خمسة عشر فرعاً، وكان هناك اجتماع مع الرئيس معمر القذافي وقلت امامه انه في تونس وفي الكويت معهد عال للفنون المسرحية.. ولا يوجد في ليبيا أي قسم.. وكان أن صدر قرار من مجلس الوزراء الليبي ـ أو اللجنة الشعبية العامة ـ بتأسيس كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في ثمانية أقسام وخصص قسم كامل للفنون المسرحية وكنت أعمل على تنشيط العلوم المسرحية، واتذكر انه بعد فترة معاداة للغة الانجليزية في ليبيا عادت هذه اللغة الهامة كلغة للدراسة. أيضا كانت لي معرفة سابقة بالمسرح في العراق وذلك من خلال الكتابة عن المسرح في بعض المجلات العراقية والمشاركة في عدد من المؤتمرات ونشر بعض كتبي ثم طلبوني للتدريس الجامعي بالكوفة عام 1989 وهي بلد جميل على بعد 90 كيلو متراً من بغداد، ولاحظت ان مقرر الفنون الدرامية يدرس في قسم واحد للفنون الجميلة الى جانب التصوير والزخرفة وعلم المنظور.. وبناء على مذكرة قدمتها الى وزير التعليم تم تخصيص قسم للفنون المسرحية وقسم اخر للفنون التشكيلية.. وكان المخرج العراقي محسن الفراوي رئيسا لهيئة المسرح في بغداد، وكان قد درس في تشيكوسلوفاكيا حينما كنت أدرس في المجر واستدعاني للتدريس في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد وفي فترة سابقة كان يقوم بالتدريس فيها المخرج نبيل الألفي واستاذ الديكور الدكتور احمد ابراهيم، وكنت أذهب كل يوم ثلاثاء لأدرس مادة علم الجمال في جامعة بغداد ثم أعود الى الكوفة. المستوى العلمي في العراق رائع.. في القاهرة التدريبات على المشروعات في السنة الرابعة أما في بغداد فكانوا يبدأون من السنة الأولى وبعناية وبذخ. عندهم مسرح راق ومستوى قراءة متقدم. سبقني في التدريس بالكويت المخرج أحمد عبدالحليم ـ قدم اعمالا رائعة لم يقدمها أي فنان مصري ـ بمن فيهم أنا ـ لأي مسرح عربي، وقدم لنا كل الامكانيات، كان يقوم بالاشراف على مشروعات التخرج بجدية، وكان في منتهى التواضع حتى طلب ان اتبادل معه الاشراف على مشروعات التخرج ـ من أهم ماقدمته مسرحية «أنظر وراءك في غضب» للكاتب الانجليزي جون أوزبورن. كما قمت بالتدريس بجامعة الملك سعود منذ عام 1995 ولكن يجب ان تعرف ان السعودية منذ عام 1932 كان هناك كتاب سعوديون يكتبون الدراما.. من بينهم الدكتور عصام فودفير وكانت الجمعية العربية للثقافة والفنون، والمؤسسة العامة لرعاية الشباب تشرفان على المسرح ويقام هناك كل سنة مهرجان الجنادرية للثقافة والتراث والفنون، في ثماني عشرة بقعة مسرحية في ثماني عشرة مدينة ثم هناك الى جانب هذا نشاط كبير في الجامعات في الفترة التي قضيتها في المملكة السعودية سبع سنوات، وجدت ظاهرة جديدة انه بعد ان كانت المسرحية تعرض يوما أو يومين اصبحت تعرض لمدة اسبوع.. كما أن النوادي الرياضية كانت تقيم موسما مسرحيا، ونشرت مؤسسة رعاية الشباب التي اقامت مسابقات عديدة، عددا غير قليل من المسرحيات في كتب توزع مجانا على الجامعات والمدارس، وتقدم لها قراءات مسرحية.. وكنت سعيدا أن بعض طلابي حصلوا على جوائز في مهرجانات مسرحية عربية. جامعة الملك سعود التي كنت أدرس فيها ممثلين مسرح على أعلى مستوى تقني لا يوجد في أي بلد عربي.. بل يقارب أي مسرح أوروبي مثل مسرح أوبرا باريس، ويفتح المسرح الكبير أبوابه لطلاب الجامعات في مسابقات مسرحية. شعبة الفنون المسرحية تخرج ممثلين ومخرجين، وقام عدد غير قليل من المخرجين التونسيين والمصريين واللبنانيين بالتدريس الى جانب طلاب أصبحوا يمسكون اليوم بقيادة حركة الفنون المسرحية في المملكة السعودية. من بينهم نايف خلف، وعواض عسيري. ـ درست العلوم والفنون في بلد اشتراكي.. أي له ايديولوجية.. وأنت كتبت، عن المسرح الاشتراكي.. كيف كان تأثير هذه المرحلة في تكوينك؟ ـ بداية أنا لست سياسيا وفي الستينيات كانت معظم القيادات في المجر اشتراكية، وقد استفدت من دراستي في المجر ومن زياراتي الى عشرين دولة في أوروبا.. قمت بها سنويا على نفقتي. وتعلمت ان المنهج سواء في دول اشتراكية أو رأسمالية هو المنهج العلمي الذي وجدته عند بيتر فايس في ألمانيا.. ودورغات في سويسرا وقد قابلته شخصيا.. أو فرنسا جان لوي بارو الذي توفى منذ وقت قريب.. أو ارثر في انجلترا وقد شاهدت بعد اعماله في لندن 1996، قد وجدت في كل هذه التجارب بغض النظر عن النظم السياسية ان المنهج العلمي في الدول الاشتراكية، تمارسه ايضا الدول الغربية الرأسمالية تحديدا، القضية اذن هي قضية انضباط ونظام وقضية ـ وتنويعه في العالم الغربي يقدمون ثماني مسرحيات مختلفة كل سنة، من بينها اعمال لمكسيم جوركي وتشيكوف كما لشكسبير، وفي الدول التي كانت اشتراكية يقدمون السويسري دورنمات ـ مسرحية «زيارة السيدة العجوز» وقد مثلت في كل من أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، وقد اثارت ضجة وقيل في الدول الغربية انها مسرحية ماركسية تشجع الشيوعية حين ان غيرهم في الدول الاشتراكية قالوا انها مسرحية تشجع الرأسمالية!.. هذا التنويع هو مدخل للتنوير.. التنوير العقلي المسرحي.. سواء في أوروبا الغربية أو الشرقية.. في كل منهما يعمل المخرج والممثل في المسرح ولا يعمل في السينما أو الاذاعة أو التلفزيون.. الانضباط في بدء المسرحية في ميعادها.. الساعة السابعة والنصف مساء.. قبلها بخمس دقائق اخر متفرج يسمح له بالدخول.. للأسف انه في البلاد العربية لا وعي بقيمة الوقت المسرح سواء كان رأسماليا أو اشتراكيا هو انساني بالدرجة الأولى يتعامل مع الناس.. مع البيئة مع المجتمع أيا كان لون هذا المجتمع.. حتى الدعائية التي قامت في الدول الاشتراكية في الثلاثينيات أو الأربعينيات.. مايكوفسكي دعوته للاشتراكية تقابل دعوة مايرهولد في الغرب.. وبعضهم أعاد النظر في فلسفة مثل قسطنطين ستانسلافسكي الذي رست نظرياته في اميركا على يد ألمان غربيين.. أو مثل ماكس راينهاردت الذي أنشأ أول مهرجان في سامزبورج في العشرينيات.. ودعا ان يكون المسرح للجميع.. وهذه دعوة اشتراكية ستافسلافسكي في «مسرح الفن» صحح وجهة نظر تشيكوف.. لم يكن الناس يفهمون مسرح تشيكوف ليبرز الجانب التأثيري النفسي الرابض تحت النار كما في «الخال فانيا» كان يحس بارهاصات كما في «بستان الكرز» ومع هذا فحين قامت الثورة الشيوعية 1917 توقف ستانسلافسكي عن الاخراج ثلاث سنوات.. تماما مثل توفيق الحكيم الذي توقف بعد ثورة 23 يوليو 1952 عن الكتابة.. حتى يرى الموقف.. ثم يقدم مسرحية الأيدي الناعمة 1955 هكذا انتصر استانسلافسكي. أما عن اشارتك الى انني درست على يد أساتذة في دولة اشتراكية هي المجر.. فإنني أقول لك أن أساتذتي المجريين في جامعة بودابست لم يتعلموا في المجر احدهم كان مديرا للمسرح القومي وعضوا في اللجنة المركزية ويهوديا وقد درس في فيينا وعلمني أساتذة درسوا في ايطاليا وفي فرنسا. ـ بعد غياب هذه السنوات غير القليلة عن القاهرة.. كيف وجدت المسرح المصري؟ ـ أقول كلمتي لوجه الله والتاريخ.. ان المسرح المصري سواء العام أو الخاص لا أجد فيه حقيقة المسرح.. توجد مسرحيات على المسرح الحكومي أكثر هزلا من المسرح الخاص.. وما صنعه زميلي أحمد عبدالحليم في «الملك لير» نقلة رائعة وفي زياراتي لمسارح أوروبا كل سنة على مدى طويل لا أجد فيها سواء في فرنسا أو ايطاليا أو ألمانيا هذا القدر من الأغاني والرقصات والاستعراضات وكأننا نريد أن نقيم مسرحا كل على مزاجه.. ان كل مسارح العالم تعيد الكلاسيكيات.. لكتاب من ارثر ميللر الى بوخنر وأولبي واوزبورن وتولستوي وشكسبير.. مسرحيات شكسبير موجودة ومترجمة ولم يمسها مسرح الدولة.. هل يجب ان يكون المسرح عندنا هو مسرح الرقص والخلاعة.. التنوير جاء الى أوروبا في القرن الثامن عشر وجاء الينا في القرن العشرين.. في الستينيات كان المسرح المصري يقدم الكلاسيكيات العالمية والمسرحيات العربية والمصرية.. ما يجري اليوم سياسة خاطئة لا تعرف كلمة الثقافة.. لماذا يجلس سعد أردش في بيته ولا يخرج.. منذ قدم كرم مطاوع كارلو جولدوني.. ومنذ ذلك الوقت لم تقدم الكوميديا دي لارتي في مصر.. منذ قدم سعد أردش بريخت في «الإنسان الطيب في سانشوان» لم يعد يقدم بريخت.. الانسانيات العظيمة أين هي؟ لابد إذن من اعادة نظر في الثقافة ومعنى الثقافة.