ينطوي الهجوم الجوي الاسرائيلي على مبنى في غزة، الذي قتل وجرح نحو 200 شخص بينهم 10 اطفال، على دلالات عميقة جدا. فعلى الرغم من الاعتذارات السطحية، والماكرة لبعض الموظفين الاسرائيليين عن قتل الفلسطينيين، الا ان وجهة نظر شارون المنتصرة حيال المذبحة تكشف بوضوح تام الشعور الحقيقي السائد في الدولة العبرية حيث قيم شارون الهجوم بأنه «احد اكبر نجاحاتنا» بينما كان الفلسطينيون يحملون النعوش التي احتضنت اشلاء اجساد 14 ضحية وجسد الطفلة الصغير. ويدافع شارون وقادته العسكريون عن كونهم القوا بقنبلة تزن طنا واحدا على حي مكتظ بالسكان في غزة ويحدوهم الامل بأنهم كانت ستسبب دمارا وموتا عظيمين ولقد تمكنوا فعلا من تحقيق ذلك. وحتى لو كان الهدف الذي جعل تلك المجازفة تستحق العناء، كما يدعون، هو القضاء على زعيم حماس صلاح شحادة الذي كان يقطن في ذلك المبنى، لكنه لا يلغي وجود اسباب استراتيجية متعددة حملت شارون على قصف مدنيين فلسطينيين في غزة في تلك اللحظة بالذات. ففي المقام الأول، كان النظام الاسرائيلي يسعى الى تخريب اقتراح وقف اطلاق النار الموقع من قبل كافة تنظيمات المقاومة الفلسطينية (حماس، جهاد.. الخ) والمدعوم من جانب غالبية الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. ولقد تضمن المقترح التزاما احادي الجانب بوقف الهجمات «الانتحارية» ضد مدنيين اسرائيليين. لكن شارون فضل قصف مدنيين فلسطينيين بالضبط في اللحظة التي انفتحت فيها نافذة لاستئناف المفاوضات ولتثبيت اتفاق مشترك من اجل وقف اطلاق النار وانسحاب الجيش الاسرائيلي من الاراضي المحتلة. وذلك لأن من شأن كل المفاوضات التي تسلك هذه الاتجاه ان تلغم استراتيجية شارون المتمثلة في اخراج الفلسطينيين من فلسطين عن طريق سياسة الاحتلال وتدمير مساكنهم وبنيتهم التحتية الاجتماعية والاقتصادية فالحرب بالنسبة لشارون ولكثير من الزعماء الاسرائيليين الذين سبقوه خير من تدمير المستوطنات والسماح بوجود دولة فلسطينية. وعندما يتحدث شارون عن «نجاح» فذلك يعني انه يستبق ان جريمة القتل والتشويه الجماعي التي ارتكبها بحق الفلسطينيين في غزة سوف تدفع الضحايا الى الرد. وليس من قبيل الصدفة ان اختياره وقع على مدينة غزة، التي هي احد مدن الاراضي المحتلة الافضل تنظيما وتتمتع بوعي اجتماعي كبير حيث يراهن شارون على الاعمال العسكرية الانتقامية للفلسطينيين كي يقدم «اسرائيل» مرة اخرى على انها ضحية الارهاب وبالتالي الحصول على تغطية تقف الى صفه في وسائل الاعلام الأميركية. بكلمات اخرى، شارون مستعد للتضحية بحياة بعض اليهود من أجل تخريب أي نوع من المفاوضات والاتفاقات، ذلك ان النجاح في «اسرائيل» يقاس بالقدرة على الحفاظ على الخط الحلزوني للعنف في فلسطين. اما الهدف الاهم لهجوم شارون الارهابي فهو اضعاف القبول المتنامي بين الدول العربية «من بينها الاردن ومصر والعربية السعودية» وحركات المقاومة الفلسطينية. ولذلك تم تصميم الهجوم على غزة لاحداث رد فعل عنيف من جانب الفلسطينيين كفيل باحراج الدول العربية المحافظة وذلك من خلال استحالة دعم رد الفعل هذا. وفي هذا السياق يستطيع شارون الاعتماد على مساندة الرئيس بوش على الرغم من النقد الخجول الذي وجهته «واشنطن» للمجزرة. وعنى قصف غزة ايضا عربون وفاء للمنظمات اليهودية المناصرة لاسرائيل وللمنظمات المسيحية الاصولية في الولايات المتحدة حيث لم توجه ولا منظمة يهودية واحدة اقل انتقاد ضد هجوم شارون والشيء نفسه ينطبق على المسيحيين الاصوليين من اليمين المتطرف حيث يستطيع شارون الاعتماد على دعمهم، غير المشروط لاطلاق موجة عنف جديدة بمجرد ان يبدأ الرد الفلسطيني. ويتصرف شارون في بيئة حربية وتوتر دائم تسمح له بممارسة ارادته الشمولية، فلقد غذى قصفه رغبته بغزو وتدمير التجمعات الفلسطينية في غزة تماما مثلما فعل في جنين في الضفة الغربية، كما يتصرف شارون مع حصانة من العقاب وذلك على الرغم من الانتقادات التي تسمع بين حين واخر في البرلمان او الحكومة. وكل ذلك ممكن لان شارون يعرف سلفا ان بوش يدعم استراتيجيته بتنفيذ عملية تطهير عرقي في الاراضي المحتلة. وهكذا بينما كان شارون يتلذذ بنصره، اكد اري فليشر، الناطق الرسمي باسم البيت الابيض على ان «الرئيس صديق كبير لاسرائيل وسيكون كذلك دائما، والرئيس يتفهم بشكل عميق كل ما مرت به اسرائيل. والرئيس هو الاول في الدفاع عن حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها». اما الطائرة اف 16 التي اطلقت منها القذيفة فلقد كانت هدية حديثة العهد قدمتها «واشنطن» الى «تل ابيب» عن علم باحتمال استخدامها لمهاجمة الفلسطينيين بشكل وحشي. ولا يخفى على أحد ان شارون رجل متسلط عسكريا متطرف وسيكون كذلك دائما، قائد اسرائيلي مع حقد عنيف ضد الفلسطينيين وخصوصا ضد قادتهم وحركاتهم المقاومة الخاصة بهم، ولا يتردد شارون باستخدام الرد الفلسطيني الذي تحثه هجماته العسكرية والسياسية في سبيل حشد أكبر دعم لفئة واسعة من المجتمع الاسرائيلي والمنظمات اليهودية في الخارج. ويجد سلوكه المرضي هذا ارضا خصبة فيما يسمى بالحرب الراهنة ضد الارهاب التي تشنها حكومة بوش حيث يدوي التبرير الذي قدمته واشنطن للمذبحة التي ارتكبتها قواتها الجوية في افغانستان مثل صدى في صوت شارون عندما يبرر هذا قصف غزة. اما التوسع العسكري للولايات المتحدة وقواعدها العسكرية الجديدة في آسيا الوسطى والبلقان واميركا اللاتينية. فما هي الا ترجمات موسعة لعقلية شارون العسكرية التي يحاول تطبيقها في الاراضي المحتلة، كما ينعكس التقسيم الذي تفعله «واشنطن» بين الامبراطورية و«الارهابيين» في التقسيم الذي يفعله شارون بين «اسرائيل العظمى» و«الارهابيين» ذلك ان اليهودي قد سهل عملية الاتحاد بين اسرائيل والولايات المتحدة في حربهما ضد ارهابيين: الفلسطينيين وباقي العالم الثالث «المارق». لا احد يعتقد ان القصف ضد غزة قد كان «عيبا في الذكاء» أو انه «خطأ» لانه حتى شارون نفسه اكد انه تناول شيئا مخططا له بعناية تامة ونفذ تحت قيادته. والحجة التي تمثلت حسب الرواية الاسرائيلية بالقضاء على زعيم حماس، لا يمكن تصديقها. فالهدف الحقيقي له طابع استراتيجي وهو اعداد الميدان لشن هجوم عسكري على غزة وطرد الفلسطينيين الى صحراء سيناء واقامة «اسرائيل الكبرى». اما موقف شيمون بيريز التفاوضي فانه يكمل حل شارون العسكري تماما، ولن يخرج هذا الموقف عن اطار تحرير ارصدة الفلسطينيين المصادرة من أجل تقوية عرفات ومجموعته في الوقت نفسه تدمير المقاومة الفلسطينية ومثلما تعلمت مرارا وتكرارا منذ ان بدأت الانتفاضة الثانية، فان المقاومة الفلسطينية لا تستطيع الاعتماد الا على نفسها في نضالها ضد حل شارون النهائي. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المشهد حيث تؤدي كل مبادرات السلام الى ارهاب دولة اكبر هو: هل من المفاجئ حقا ان يقوم شباب فلسطينيون امام التهديد بالصحراء القاحلة والاسى على خراب مجتمعاتهم بالرد على الارهاب بالعنف؟ ترجمة: باسل أبو حمدة عن «لاهورناد» ـالمكسيك