يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. لم نكن نحن الثلاثة الوحيدين الذين هرعوا إلى المنطقة، وإن كنّا السباقين. وما أكثر الذين وصلوا بعدنا، قادة فصائل ورجال دعاية وصحافيون وفضوليون من كل نوع ! وفي عودتنا على الطريق الذي جئنا عبره، اجتذب انتباهي ما فعله الإعلاميون الموكلون بتهيئة الميدان لاستقبال الصحافيين. وقد اكتشفت يومها بالذات أن في الإعلام الفصائلي خبراء مهمتهم وضع لمسات بعينها لإضفاء شيء من الصدقية على الروايات التي يبثها المتحدثون الرسميون باسم الفصائل. وقد وقع نظري، وذلك على سبيل المثال، على قطعة معدنية يوحي شكلها بأنها جزء من دمار دبابة، فاستوقفتُ سيارتنا وصممت على معاينة هذا الشاهد. وكانت تلك قطعة من آلية ما دهنت بنجمة داوود شعار إسرائيل. ولو لم ألمس بيدي الدهان فأجده طرياً لتوهمت أنا نفسي «أنني إزاء شاهد حقيقي على وقوع معركة». وبعد أن صرنا خارج المنطقة، اقترحت على صاحبيّ أن نتوجه إلى النبطية فنزور صديقنا العميد مصطفى سعد الدين وهو من كان يتولى قيادة قوات الصاعقة في جنوب لبنان. وما ان استقرت سيارتنا فوق السهل واستقامت حركتها حتى رأينا قبالتنا قافلة سيارات متجهة إلى حيث كنّا وقد لفها الغبار وهي منطلقة بأقصى سرعة. وفي سيارة القافلة الأولى لمحت ياسر عرفات. وفي نقطة أخرى في السهل، وقعنا على سيارة متوقفة. وكان أحمد جبريل قد ترجل من هذه السيارة وقعد قريباً منها وهو يتفحص شيئاً ما متروكاً على الأرض. دخلنا مقر العميد مصطفى فتبين أن صاحبي يعقد مؤتمراً صحافياً. والتقطت ما يرويه العميد وهو يجاري البلاغات الرسمية، فرسمت بيديّ حركة تعبر عن استهجاني لشططه. ومسّد هو حنكه في حركة يرجوني بها ألا أحرجه، وتعجل اختتام الرواية، وتفلّت من أسئلة الصحافيين، ثم جاء إلينا وتلقاني فارداً ذراعيه. ولأن صاحبي يعرف حدّة لساني ويخشاها فقد تشاغل بصاحبيّ والاستفسار عما قد نرغب في أكله أو شربه. وحين أرغمت العميد إرغاماً على الانتباه إلى ما أودّ قوله، لم يتح لي المجال، بل بادرني هامساً: «أبو أسامة هنا، وهو راغب في أن يراك وحدك». وأبو أسامة هذه، حين ترد مجردة من الإضافات، فهي تعني أن اللواء صلاح جديد وليس أحداً غيره هو المقصود. كنت تحت التأثير المؤسسي لما لمسته من خيبة أمل فلاحي العرقوب. ولك أن تعرف أن مشاعر الفلاحين كانت وحدها في مركز اهتمامي، فهم الذين يشكلون إطار الحماية اللازم للوجود الفدائي الفلسطيني في المنطقة. وكان هذا هو أول ما تحدثت عنه أمام القائد السوري الذي عودني على الإصغاء إلى انتقاداتي بصدر رحب. بعدها، طرقتُ موضوعاً آخر ظل يشغل بالي منذ زرت غور الصافي: لماذا تصر دعاية الفصائل الفدائية على اختلاق إنجازات للفدائيين في مجال الدفاع عن حدود هذه الدولة العربية أو تلك؛ ألا يترتب على مثل هذه الدعاية أن يقرّ في الأذهان أن الفدائيين موكلون حقاً بالدفاع عن الحدود؛ وما الذي تفضي إليه الحكايات المختلفة، ألن يعتقد الناس أن الفدائيين قادرون على أداء مهمات الجيوش؛ وما الذي ينجم من هذا الاعتقاد حين يظهر العجز، هل سينجم منه شيء سوى خيبات الأمل واطراد الموكلين بالدعاية إلى الإمعان في اختلاق الحكايات الباهرة للتستر على العجز. سمّت البلاغات ما جرى في العرقوب معركة عشّ النسور، قالت إن ثلاثة ألوية إسرائيلية مدرعة ومعززة داهمت عشّ النسور هذا فتصدى لها نسور العشّ وأرغموها على الانسحاب. وزعمت البلاغات أن المعتدين تكبدوا خسائر فادحة. فلنفرض أن الرأي العام قبل الرواية وصدق أن حفنات من الفدائيين الحالّين في لبنان دون رضا سلطاته قد قامت بما يعجز عنه جيش البلد، فأي أوهام ستنشأ وتتضخم، وما الذي سيقع حين يكتشف الرأي العام أن الفدائيين عجزوا عن مواجهة كتيبة معززة واحدة، وأي تأثير سيبقى بعد هذا للإنجازات الفعلية الحقيقية التي يصنعُها الفدائيون، هذه التي يجترحها خيرة الفدائيين بصمت وتواضع وتجيء على قدّ الحال. ثم ما هي الآثار التي يخلفها التهويل المتواتر على شخصيات الفدائيين أنفسهم. ألا يُخشى حين تتوفر للفدائيين جوائز زائفة أن يصير الهدف هو الظفر بالزائف والاستزادة منه. لماذا لا يقال للفدائيين بصراحة إن عليهم أن يتواروا عن الأنظار حين تداهمهم الدبابات، أن يفروا من وجهها كي ينجوا بأنفسهم ويتمكنوا بعد ذلك من العودة لنهش ما يمكن نهشه منها. وإن وجد الفدائيون إعلاماً يحارب دون أن يحاربوا، يهول ويختلق ويقوم بالعجائب وينسبها إليهم، فلماذا لا تحل فيهم روح التقاعس وتنمو روح التبجح بالأكاذيب. يخلق الكذب بطولات كاذبة وأعشاش نسور وعقبان ومعارك تشغل جبهات، ويطغى الزيف أولاً بأول على الأصيل حتى يطمسه، وتفقد البطولات الحقيقية، هذه التي هي ليست قليلة، ألقها وتأثيرها. بسطت آرائي هذه باستفاضة أمام اللواء صلاح. وقلت إن الفدائيين والذين في حكمهم غير مطالبين بمواجهة الجيش الإسرائيلي. في المعارك المكشوفة. قلت إننا حين ندرّب هؤلاء على اقتناص ما يمكن اقتناصه من جنود العدو ومعداته دون المخاطرة بالدخول في مواجهات مكشوفة إنما ندربهم على ما هو صواب تماماً. لم يقاطعني أبو أسامة أبداً بالرغم من أني استرسلت في حديث طويل. والذي قطع استرسالي كان هو أحمد جبريل. وقد أنسى أشياء كثيرة عانيتها في حياتي، لكني لا أنسى أبداً هذا المشهد: ولج أبو جهاد، وهذه هي كنية أحمد جبريل، الباب وهو ينفض ملابسه بهيأة من ينفض غبار معركة فرغ منها للتو. والمدهش أن ملابس الرجل كانت مغبرة حقاً. وما ان أتم أحمد المصافحات وجلس قبالة اللواء صلاح حتى راح يقص حكاية المعركة ويركز على دوره في إدارتها. ولم يفت الذي كست وجهه تعابير شتى أن يؤكد على أن دوره في إدارة المعركة ودور فصيله في خوضها كان أكبر من دور ياسر عرفات و«فتح» وأن يتهم عرفات بالكذب. لم يقل أحمد إنه اشترك في القتال بنفسه أو أنه لم يشترك. أبقى المتحدث هذا الجانب من الحكاية غامضاً واكتفى بدلالة الغبار. وفيما كان أحمد مسترسلاً في روايته، رسم صلاح جديد على ثغره ابتسامته الشهيرة، هذه التي يفوق غموضها غموض ابتسامة موناليزا، الجيوكندا، وظل يرمقني بنظرات تقول لي: صبر نفسك ! وبحضور أحمد جبريل، لم يعد ممكناً أن أتم الحديث الذي بدأته. وقد اكتفيت بأن أبلغت إلى صلاح جديد عزمي على أن أنشر في «الطلائع» الحقيقة كما عاينتها. فهزّ القائد المسئول رأسه هزّة متأنية، وأرسل ناحيتي نظرة لا تفصح عن رأي بعينه. وكان معنى هذه النظرة أن الأمر متروك لتقديري ولي أن أتصرف كما أريد. وقبل انصرافي، رجوت اللواء صلاح أن يستقبل العميد محمد الشاعر. قلت إن من المحرج لي أن أحظى أنا بمقابلة طويلة ويُحرم صاحبي حتى من مجرد تبادل التحايا. لكن اللواء صلاح لم يؤخذ بحجتي ولم يستجب لرجائي حتى بعد أن كررته. كان هذا القائد البعثي لا يستريح لا للشاعر ولا لمصباح البديري ولا لكثيرين من أبناء دورتهما الشهيرة. وعندما رجعت إلى صاحبي رحلتي، وجدت العميد الشاعر مستاءً حتى لقد كانت عضلات وجهه تختلج. وفيما هو يغالب مشاعره، قال صاحبي هذا إنه عازم ما دام قد صار في لبنان على زيارة أحمد الشقيري. والمعروف أن الشقيري اعتاد أن يمضي صيف كل عام في لبنان وهو يملك في الجبل داراً فسيحة وجميلة تتوسط حرشاً يشغل قمة تعلو قرية كيفون وفيها يقيم. وكان الشاعر من زوار دار الزعيم الفلسطيني المواظبين وله على الزعيم دالّة خاصة. ويبدو أن الشاعر أراد أن يعوض سوء معاملة الزعيم السوري له بالحفاوة التي تنتظره في منزل الزعيم الفلسطيني. ولم أجد من اللائق أن أفارق الصاحب الذي جئت إلى لبنان في سيارته. ولما كنت أنا الآخر من زوار منزل الشقيري المألوفين، فقد عزمت على التوجه إليه. ورحب فتوح بالفرصة. فحملتنا السيارة إلى كيفون. في الطريق، حين توقفنا لنأكل لقمة في أحد مطاعم الجبل، تذكر فتوح حكاية لقائه الأول بالشقيري، وكان هذا في غزة قبل احتلال الإسرائيليين لها. أوفدت وكالة «أ. ش. أ» فتوح لتغطية أنباء رحلة إلى غزة يقوم بها من كان آنذاك رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهناك، شهد فتوح واحداً من المهرجانات الخطابية واستمع إلى الزعيم البليغ وهو يخطب في الجمهور. وتحدث الشقيري عن صلة مصر بفلسطين وتأثير حرب 1948 ـ 1949 في الحفز على التطورات التي بدلت وجه مصر. وترقرقت الدموع في عيني فتوح وهو يتابع الخطيب. وعند مقطع بعينه في الخطبة لم يملك فتوح السيطرة على مشاعره. فقد تساءل الشقيري: «من أين جاء الضباط الأحرار، من أين جاء عبد الناصر ورفاقه وما كابدوه في حصار الفالوجة، ثم هتف. مجيباً بنفسه على سؤاله: من فلسطين، نعم من فلسطين انطلقت الشرارة التي حرقت الفساد والمفسدين وأجلتْ قوات الاحتلال البريطاني عن مصر وفتحت للعرب دروب العزّة والكرامة». وعندها، فاضت دموع فتوح فيضاً. سألت الصحافي المصري، متأثراً بالمزاج الذي كنت فيه، ما إذا كان أي خطيب فلسطيني قد أبكاه مرة أخرى بعد تلك المرة في غزة. كنت أعرف الإجابة، لكني أردت أن أساعد صاحبي على التخفف من مخزونه المماثل لمخزوني. ويبدو أن فتوح تحرج بوجود الضابط الكبير معنا فتملص من تقديم إصابة مباشرة. و«بلاش إحراج أمّال !». وفي دفء المطعم، فاضت الذكريات. فتذكرنا إسماعيل شموط هذا الذي رسم فجائع الفلسطينيين كما لم يرسمها أحد قبله، وتذكرنا أن معرضاً له سيفتتح بعد ساعة في بيروت في فندق الكارلتون، فقررنا أن نذهب إليه قبل أن نذهب إلى كيفون. وفي المعرض، استقبلنا اللاجئ المجدلاوي الذي صار أشهر الرسامين الفلسطينيين بحفاوته وأدبه. وتفرجت أنا لأول مرة على اللوحات الأصلية التي كنت أرى نسخها المطبوعة معلقة في المنازل كما تفرجتُ على لوحات جديدة. وسعدت باهتمام الجمهور بإسماعيل ولوحاته. كنت إزاء إنجاز أصيل واهتمام نابع من القلوب فتعدل مزاجي. وحين يُذكر إسماعيل شموط فلابد من أن تذكر تمام الأكحل، زميلة دراسته وزوجته ورفيقة عمره وشريكته في أي معرض. كان إسماعيل يملأ الجوّ بتواضعه وابتسامته التي توحي إليك بأنك تتفضل عليه حين تزوره. وكانت تمام تزيّن هذا الجو بترحيبها المدروس واعتدادها بنفسها المبرأ من الغطرسة ونظراتها المتيقظة على الدوام وضحكتها التي لا تنطلق على السجية إلا بعد أن تنحلّ تحفظاتها. بمزاجنا المعدل، حللنا في دار الشقيري بعد حلول المساء، فوجدنا أنفسنا وسط حشد من الزوار اكتظ بهم بهو الاستقبال الفسيح. كان هؤلاء ممن يوصفون عادة بأنهم من علية القوم، رجال مال وأعمال ورجال ثقافة وسياسة وما إلى ذلك. وقد ميّزنا المضيف، نحن القادمين إليه من خارج لبنان، بمعاملة خاصة واختلى بنا في حجرة مكتبه، وهنا بادأنا الرجل بفصحاه المنمقة: «كيف الأهل في الشام؟». لم نتوقف عند حديث الأهل في الشام، بل استحضرنا أحداث يومنا. واستمع الشقيري إلى ملاحظاتنا بانتباه كامل وسجل بعضاً منها في دفتر يومياته، ثم استعد للإجابة على أسئلتنا واستفساراتنا. وها أنا ذا أتذكر إجابة الشقيري حين سألته عن رأيه في العمل الفدائي ومستقبله. حفظت نص العبارة لأهميتها ولكثرة ما رددتها كلما طرأ ما يذكرني بها وما أكثر ما طرأ مما يذكر برأي الشقيري هذا: «العمل الفدائي سيل ماء منحدر إلى البحر، قد تنبت على جوانبه بعض الأعشاب ويصدر عنه كثير من الضجيج، لكنه إلى البحر ينتهي». وقتها، لم أجار الزعيم الفلسطيني في رأيه. لقد تحولت على العمل الفدائي بالرغم من السلبيات الكثيرة، لم أعلل نفسي بأماني كثيرة أو كبيرة كما فعل كثيرون سواي. ولم أحلّق مع أي وهم كما حلق كثيرون سواي أيضاً. لكني توقعت أن يلعب العمل المسلح دوراً في التأكيد على الحضور الفلسطيني بين الأطراف ذات الصلة بالصراع، وأملت في أن يؤدي النضال الداخلي إلى تجويد أساليب العمل المسلح وتحريره من الشوائب والسلبيات. غير أن عبارة الشقيري البليغة أثرت فيّ دون شك حتى وإن لم تبدل توقعي وأملي. وفي دمشق، وجدت أن أحد مرؤوسي قد كتب حكاية «عش النسور» مستقياً وقائعها من البلاغات الرسمية وأرسلها إلى المطبعة لتنشر في عدد «الطلائع» التالي. كان هذا هو الكاتب البعثي الفلسطيني عبد الرحمن غنيم الذي هو شاعر أيضاً، وهو من الكتاب الذين لا يفرقون بين متطلبات الإعلام ومتطلبات الدعاية. كان عبد الرحمن هذا مولعاً بموضوعات الحرب النفسية، وكان لا يأبه لما هو حلال أو حرام كلما تعلق الأمر بما يعده هو حاجات هذه الحرب. وقد تبنى عبد الرحمن، مثلاً، حكاية الألوية الإسرائيلية المدرعة الثلاثة التي قالت البلاغات أنها داهمت العرقوب، مع أنه يعرف أن إسرائيل لا تحشد في مواجهة حدود لبنان على طولها كلها سوى لواء واحد. وعندما سألته كيف أجاز هذا التهويل، قال عبد الرحمن إنه فعل ما يفعله غيره وأضاف انهم على صواب. والحجة التي أوردها فتى الحرب النفسية أن جمهورنا هو جمهور «الزير سالم» و«أبو زيد الهلالي»، المعتاد على التهويل، والحكايات المهولة هي وحدها التي تجتذبه وتثير حميته. وقال عبد الرحمن إن الحرب النفسية هي حرب أيضاً وفي الحروب يباح أي شيء بما في ذلك الكذب، الكذبة قذيفة مفعولها يساوي مفعول القنبلة. واتهمني صاحب القذائف النفسية بأني أتشبث بمثالية لا تنفع أحداً، ونصحني بأن أقرأ أكثر مما قرأت حتى الآن عن الحرب النفسية وقوانينها. بالطبع، سحبت تقرير عبد الرحمن من المطبعة، ليس لأني ضد أن يُقذف العدوّ بأي قذيفة، بل لأن العدو لا يقرأ «الطلائع» ولأني ضد تضليل قرائها. تم صدرت «الطلائع» وفيها تقرير حمل توقيع العميد محمد الشاعر وتضمن وصفاً لوقائع الحملة الإسرائيلية مستخلصاً مما رأى صاحبه رؤية العين أو سمعه من شهود العيان. وكان هذا هو الأسلوب الذي اعتمدناه حتى يستخلص القارئ الحقيقة دون أن نجابه المتحدثين الرسميين مباشرة بكذبهم. وقد ختم الشاعر تقريره برأي خلاصته أن الحملة لو قامت بها وحدة عسكرية عربية في ظروف مماثلة لربما خسرت عُشر آلياتها بسبب وعورة الطرق. وفي المقال الافتتاحي الذي أكتبه أنا، حذرت من مخاطر الكذب وقاربت فكرتي التي صرت تعرفها بشأن مخاطر تحويل الفدائيين إلى حرّاس حدود. ووسط بحر الإعلام المثقل بالخوارق والحكايات المهوّلة والبطولات الزائفة، سطعت الحقيقة في عدد «الطلائع» هذا، فبدا العدد متميزاً واجتذب اهتماماً واسعاً، وقد أسخط العدد ياسر عرفات كما أسخط كثيرين غيره. ولم ينصبّ السخط على العدد وحده، بل على ما رحنا نرويه شفاهة مما لم نجرؤ على نشره مكتوباً. والواقع أن الغيظ قد أطلق لساني بغير قيود، فانطلق منه كلام أحد بما لا يقاس من الكلام المكتوب. هذا الكلام الشفهي بلغ مسامع عرفات، وبلغه أيضاً ما قلته في دار الشقيري أمام الزوار وبعضهم من ممولي «فتح»، وذلك كله قبل أن يصل إليه عدد المجلة فيشحذ حنقه. واتصل عرفات بالدكتور زعيّن واشتكى من أجواء قال إنه يجري تعميمها في سوريا للإساءة إلى سمعة «فتح». وعندما صدر عدد «الطلائع»، صار بيد عرفات ما يعزز شكواه، فكررها مستشهداً بما كتبناه، وكنت أنا قد التقيت د. زعين فور عودتي من لبنان وكررت أمامه ما قلته لصلاح جديد وزدت عليه. وفي ردّه على شكوى عرفات، قال د. زعيّن عنّي إني موكل برئاسة تحرير المجلة ولي كامل الحرية في التصرف. ونصح زعين الزعيم الفلسطيني بالتنبه إلى مخاطر التهويل وأخذ ما تقوله «الطلائع» بعين الاعتبار. وفي صباح اليوم التالي، تلقيت مكالمة من مكتب عرفات: «الختيار يطلبك فتعال إليه !». والختيار كما هو لفظها بالعامية كلمة تعني الرجل الكبير وكان استخدامها في وصف عرفات قد بدأ يشيع حتى قبل أن يبلغ الرجل الأربعين. سهل علي أن أتنبأ بما سيقوله أبو عمار لي وجهاً لوجه بعد أن لم تنفع الشكوى من بعيد. سيقول زعيم الثورة إن اتهام ثورة الشعب الفلسطيني بالكذب فيه إساءة للشعب وتضحيات مقاتليه كما أن فيه خدمة للعدوّ والخصوم المتربصين بهذه الثورة في كل مكان. وسيذكر الخبير بالضرب على الأوتار الحساسة أن في الدعاية لنشاطات الثورة ما يشجع المتبرعين لها على دفع المزيد فتتمكن الثورة من الوفاء بالالتزامات المالية الكثيرة التي أعرف أنا أنها تضطلع بها علناً وسراً. وسيؤكد الرجل الذي يميزني بمعاملة خاصة على أن أبوابه بقيت مفتوحة لي وقد كان بإمكاني أن أنقل ملاحظاتي إليه بدل اللجوء إلى التشهير. سيقول عرفات هذا كله وما يماثله في حضور آخرين فأتحرج من معارضته أو الدخول في جدل معه وأتعهد أن أراعي سمعة الثورة. ولكي أتجنب الحرج، اتصلت بفتوح: «الختيار يطلبنا لمقابلته». وهكذا، ذهبت بصحبة الصحافي المصري، فضمنت أن يتجنب القائد الفلسطيني توجيه اللوم لي. وجدت في مجلس عرفات عدداً من الذين أعرفهم ومنهم سعيد حمامي الذي غدا من المقربين جداً إلى الزعيم. وحين دخلت المجلس، قدمت فتوح ليدخل قبلي ثم تبعته، فهل أدرك عرفات ما توخيته حين لم أجئ إليه بمفردي ؟ لست أدري. لكن لا أستبعد هذا الاحتمال. والواقع أن الرجل هبّ لاستقبالنا باشاً، وأخلى لنا مكانين بجانبه، وتجاهل أنه استدعاني وحدي وقال إنه استدعانا كلينا ليخصنا وحدنا، نحن أقرب الصحافيين إليه، بحديث عن عش النسور ووقائع لم تنشر من قبل. بدّل عرفات، إذاً، خطته، وعرض كعادته صفقة عرضاً غير مباشر: أحكي ما تنفردان بنشره فينفعكما السبق الصحافي وتسامحان وأسامح. وبدل معاتبتي أو لومي، استغل عرفات وجود الصحافي المصري فشاء أن يعلمني، أنا الفلسطيني ابن الثورة، كيف تُروى الوقائع في نحو تستفيد الثورة منه. وما كان أعجب ما رواه الرجل في ذلك اللقاء ! استخدم عرفات التعابير العسكرية التي راحت تخالط حديثه منذ صار المتحدث الرسمي باسم «فتح» وحكى حكايات وقائع اتصلت على مدى ثلاثين ساعة منذ بداية الحملة على العرقوب حتى نهايتها: معارك في قرى العرقوب، أو حولها، أو على الطرق، بطولات، صبر على الشدائد، وأساليب ابتكرها الفدائيون أو وجهتهم إليها القيادة. كنت أواجه الراوي نصف متنبه إلى الحكي وأركز الانتباه على قسمات وجهه والتعابير التي تتعاقب عليه. وما كان أفتن صدق هذا الرجل وهو يحكي حكياً لا يربطه بما وقع فعلاً إلا أوهن الروابط ! قد تخطئ فهم وصفي هذا لياسر عرفات، بل إنك قد لا تفهمه على الإطلاق. غير أني لا أجد في اللغة تعبيراً أصوب. كان الرجل يحتدّ فعلاً حين يحتدم اشتباك يتحدث هو عنه، ويثور إذا وضعت روايته أحد أبطاله في مأزق، ويبتهج حين ينقذه. كانت نبرة الصوت وتعابير الوجه ودورة المقلتين وحركات الأطراف تتبدل مع تطورات الوقائع فتعكس تبدل مشاعر الراوي. وما كان لغير العارف بعرفات والوقائع الأصلية أن يشك في صحة ما يرويه. ساق الرجل روايته في نحو يظهر أن الفدائيين المشتركين في الاشتباكات قد أُنهكوا. وعندما تصور أن هذا الانطباع تحقق خفض رأسه وصمت لحظات، ثم عاد إلى مواجهتنا وفي عينيه بريق فاتن، وابتسم ابتسامة عريضة، واسترخى بهيأة من يستسلم لفضولنا، ثم قال: «لاحظتم أني لم أحك على ما جرى خلال ثلاث ساعات من الساعات الثلاثين». لم أكن قد لاحظت شيئاً، غير أني بقيت كغيري صامتاً فيما أكمل هو: «الآن ستعرفان سراً لم يعرفه الإعلام». وفي ترجمتي الخاصة لهذه العبارة، أدركت أن محدثنا سيقصّ حكاية وردت إلى خاطره وهو مطرق. وهذا هو ما فعله الرجل. فقد روى كيف أنه وصل إلى الموقع الذي يشغله رجال المدفعية المضادة للطيران، «فلقيتُ الواحد منهم، يا ولداه !، مش قادر يحرّك رقبته»، وذلك كما ينبغي أن نفهم لطول ما أبقى رأسه مرفوعاً ناصية السماء وهو يلاحق الطائرات الإسرائيلية بنظره وقذائف مدفعه. ولأنه أدرك أنه استحوذ على دهشة سامعيه، قال عرفات بنبرة ذات مهابة خاصة لاجئاً إلى الفصحى لأول مرة في حديثه ذاك: «كان أمامي أن أتخذ قراراً تاريخياً، وقد اتخذته»، ثم لم يعطنا الذي فرض حديثه علينا الصمت والترقب فرصة الاستفسار، بل تابع بنبرة متأنية: «وأجريت تبديلاً لكامل القوات أثناء المعركة». لحظتها، لمعت في ذهني مقارنة: خيول ياسر عرفات تسابق البرق في وعور العرقوب، فأين منها خيول يوسف ابن خالي محمد التي كانت تسابق الريح وحده في سهول المسمية ! ويبدو أني سرحت مع المقارنة. وعندما استعدت الانتباه كان ثغر الراوي منفرجاً عن ابتسامة عريضة ونظره يدور علينا وهو يقول وقد استعاد العامية المصرية: «دي ما عملهاش أي جيش في المنطقة». عندها، أدلى سعيد حمامي باستدراك: «إلا الجيش الإسرائيلي». فقال عرفات دون أن ينظر ناحية المستدرك الذي ربما شاء أن يعيدنا إلى الواقع: «أيوه، الجيش الإسرائيلي عملها مرة واحدة». ولعل من المفيد أن أحدثك عن انطباع فتوح ورد فعله بعد حكاية عش النسور هذه. فقد أيد فتوح العمل الوطني الفلسطيني بكليته. وجنّد الصحافي المتحمس نفسه وموظفي مكتبه ومراسليه لتوزيع الأنباء الفلسطينية. وعلى شدّة ذكائه وفطنته، اندفع فتوح في هذا المجال بغير تروٍ. وكان يكفي أن يشتمّ الرجل في أي نبأ ما يخدم العمل الفدائي حتى يتبناه دون تمحيص. أما بعد ما سمعه فتوح مني عن غور الصافي، ثم بعد ما عايناه معاً في العرقوب، ثم بعد هذه المقابلة، فقد انقلب الحماس الشديد إلى حذر شديد. وصار الصحافي المصري يعدّ إلى الألف قبل أن يتبنى أي نبأ، ولم يعد ذلك الإنسان الانفعالي الذي تبكيه خطبة أو يستثيره بلاغ. وها أنا ذا أتذكر صاحبي في موقف عابر وإن كان بالغ الدلالة. جرى هذا في يوم تلا مقابلتنا لعرفات. يومها، توجهنا، هو وأنا، إلى زيارة مكتب «م. ت. ف.» في دمشق، فقابلنا عرفات بالصدفة وهو خارج على عجل من المكتب. لم يأبه فتوح لتعجل الزعيم الفلسطيني المغادر ولا لحشد المرافقين والحراس المتأهبين للحركة، بل اعترض طريق الخروج وأرغم عرفات على التوقف. وبنبرة سافرة السخرية، وجه فتوح هذا السؤال إلى عرفات «أرجو أن لا تقول لي إن النبأ ليس للنشر، أنا عرفت أنه صار عندكم طيران». عرفات الذي يتعذر إحراجه تجاهل السخرية، وتجاهل الإشارة الساخرة إلى تهويلاته، وحمّل نبرة صوته أقصى ما يمكن أن تحمله من جديّة ثم قال: «هل هذا خبر يجوز نشره يا فتوح !؟». هذا الرد جعل فتوح يهتف على مسمع من كثيرين: «يا ولداه، طلع أشطر منّي». وكلما روى فتوح هذه الحكاية أو تكرر ما يذكره به، كان هو يكرر هتافه: «يا ولداه، طلع أشطر منّي».