واكب مسيرة التلفزيون السوري منذ البداية وعمل أولاً مخرجاً مسرحياً للعديد من الأعمال المسرحية، كما ساهم في تأسيس وادارة المسرح الجوال ثم انتقل للعمل في الاخراج التلفزيوني الدرامي منذ عام 1967، وقدم العديد من الأعمال التي لاتزال حاضرة في ذاكرة المشاهد السوري لمسلسل «حارة القصر» و«أسعد الوراق» و«رأس غليظ» الذي كان أول مسلسل عربي يصور كاملاً خارج الاستوديو في منطقة العوير بدبي، وكذلك مسلسل أبو كامل ومسلسل تجارب عائلية. انه المخرج السوري علاء الدين كوكش صاحب التجربة الطويلة في الدراما السورية والذي تميز باهتمامه الواضح بالدراما الاجتماعية التي تعرض لحياة الناس ومشاكلهم اليومية. وللتعرف الى تجربته ورأيه في واقع الانتاج الدرامي السوري كان معه هذا الحوار: ـ عاصرت مرحلتي الانتاج الدرامي بالأبيض والأسود وبالألوان، فما هو الاختلاف بين التجربتين؟ ـ كانت طبيعة التقنيات مختلفة في البدايات، فلم يكن هناك مجال للمونتاج، وبالتالي كان يتم التصوير الدرامي من البداية حتى النهاية دون توقف بالأسلوب المسرحي، وهذا يعطي الممثل نوعاً من التفاعل مع العمل الدرامي بصورة أكبر، كما يعطيه شحناً أكثر بتقديمه للشخصية، بينما الآن اتبع الطريقة السينمائية في اخراج المسلسلات، وهذه مشكلة بحد ذاتها الطريقة السينمائية عندما تكون في فيلم مدته ساعة ونصف الساعة أو ساعتين يكون من الممكن الحفاظ على وحدة العمل بالنسبة للممثل أو لغيره من الفنانين، بينما عندما تتعامل مع مسلسل مدته 30 ساعة يصبح من الصعب السيطرة الكاملة على العمل، ويحتاج الأمر عند ذاك الى مزيد من الحرفية والتركيز، لاسيما وان الوقت بالمقابل ليس في خدمة العمل الفني، فالوقت محصور في زمن محدد للانتاج، ويجب ان تصور المسلسل في حدود ثلاثة أشهر وهذا من العوامل التي برأيي تسبب بعض نقاط الضعف في الأعمال الفنية. ـ تركز في أعمالك على الدراما الاجتماعية التي لاقت قبولاً جيداً عند الجمهور، فأين تكمن أسباب هذا النجاح برأيك؟ ـ أحد الأسباب هي الجمهور الذي يعطي الأفضلية للمسلسلات التي تعكس واقعه ومشاكل مجتمعه، وبالتالي يرى نفسه فيها، بينما الأعمال الأخرى مع التأكيد على انها احياناً ضرورية، لكنها عندما تصبح هي الغالبة على الانتاج يحس المشاهد معها بالنقص ويبتعد عن هذه الدراما لأنه بحاجة الى أن يرى شيئاً قريباً من تفاصيل حياته اليومية. ـ لكن أين دور المخرج في هذا النجاح؟ ـ دور المخرج يكون عندما نجد لديه هدفاً أو مقولة ما أو مشروعاً يحاول التأكيد عليه والوصول اليه عبر أعماله المختلفة، فالناس تبقى مهتمة بالأعمال الجادة التي تطرح مشاكلها بصدق، والناس تحترم مثل هذه الأعمال. بالنسبة لي شخصياً هناك هذه الرؤية حول الغوص في مشاكل اجتماعية ومحاولة اللحاق بتطور هذه المشاكل وتزايد ضغوطات العصر على الانسان في مجتمعنا. ـ تحول عدد من فناني الدراما السورية الى مخرجين، ما رأيك في هذه الظاهرة، وهل ترى فيها منافسة لدوركم؟ ـ لا أنظر اليها كمنافس لأن الساحة تتسع لكثير من المواهب والابداعات وهي بحاجة أصلاً الى ذلك، لكن ما أخشاه ان هذه الظاهرة تشكل دائماً استثناء في الحالات العامة، والاستثناء ليس قواعد، فقد ينجح أحياناً وقد يفشل في احيان أخرى، لكن الكارثة تبقى في حالة الفشل لأننا سنكون خسرنا فناناً مبدعاً في مجال التمثيل ولم نكسبه في مجال الاخراج. هناك فنانون نجحوا كحاتم علي، لكنه كان الاستثناء، والذي قد يكون من الأسباب التي دفعت الممثلين الى الاخراج. ـ بعد مرحلة صعود الدراما السورية في بداياتها الناجحة كثر الحديث مؤخراً عن تراجع هذه الدراما من خلال سيادة طابع التقليد فيها، فما هو رأيك؟ ـ هذا صحيح الى حد كبير، أنا أذكر مثلاً في أول التسعينيات عندما قدمت مسلسل «أبو كامل» وكان نوعاً من الدراما الاجتماعية في الاطار التاريخي المعاصر، ونجح هذا العمل، شهدنا موجة العديد من المسلسلات التي تحاول التطرق الى هذه المرحلة التاريخية حتى ان الجمهور وصل الى حالة الملل. نجحت الفانتازيا التاريخية في الأعمال الأولى فلحقتها العديد من الأعمال والعديد من المقلدين لها، هذه فعلاً مشكلة حقيقية في الدراما السورية على سبيل المثال ان أسأل لماذا في السنة الماضية كان هناك مسلسلان عن صلاح الدين الأيوبي؟.. لماذا تهدر كل هذه الامكانات الكبيرة على مسلسلين كبيرين عن الشخصية نفسها؟ ويقال ان هناك أعمالاً تتحدث عن الشخصيات التاريخية نفسها. أعتقد ان هذا اضعاف للدراما السورية، وبالتالي الوصول بها الى طريق مسدود بدلاً من أن نحاول فتح آفاق اخرى جديدة أمامها أو التشبث بواقعنا المعاصر. ـ بصراحة من الذي يتحمل المسئولية هنا، المخرج أم المنتج أم كلاهما معاً؟ ـ من الممكن أن أقول ان الاثنين يتحملان المسئولية وأكثرهما المنتج ثم المحطات الفضائية التي تشجع على مثل هذه الأعمال. ـ في تجربتك الطويلة ابتعدت عن تقديم الأعمال الكوميدية، فما سبب ابتعادك هذا؟ ـ لي تجربة وحيدة في مجال الكوميديا، وكانت فكرة العمل لي وتنفيذها لأكرم شريم، وقد ظهرت في مسلسل «تجارب عائلية» الذي قدمته في الثمانينيات، وكان نوعاً جديداً الى حد ما في الدراما الاجتماعية الكوميدية والتي تحمل أبعاداً لها دلالاتها على الصعيدين الفكري والسياسي ولذلك لم يعرض المسلسل إلا في ثلاث أو أربع محطات فقط. هذه التجربة أبعدتني عن ممارستها في التلفزيون، لأنني أحسبت ان ما تريده المحطات هو التهريج والكوميديا المجانية، وعوضت عن ذلك في كتاباتي للمسرح والتي نشرتها في العديد من الدوريات اللبنانية والمصرية، وقد جمعتها مؤخراً وأصدرتها في مجموعة مسرحية. أنا أحب الكوميديا فعلاً وأرى انها جانب مهم من الانتاج التلفزيوني يجب التوجه نحوه، ولكن أبقى الى جانب الكوميديا الهادفة وليس الكوميديا المجانية. ـ يبحث المنتجون عن التسويق لأعمالهم الدرامية، وهذا يتطلب الابتعاد عن القضايا الراهنة، فهل العودة الى التاريخ تعبر عن هذا التوجه؟ ـ أنا لا ألوم المنتجين على توجهاتهم هذه، شيء طبيعي ان رأس المال لا يريد الخسارة، ولكن الملوم في هذه الحالة هو المحطات التلفزيونية فهي التي تدفع بالمنتجين نحو الاستسهال والمجانية في أعمالهم، وبالتالي الابتعاد عن طرح مشاكل مجتمعاتنا بواقعية وصدق دون تزييف. أما بالنسبة للمنتج فهو لا يتحمل المسئولية لأنه ينظر الى السوق وينتج البضاعة التي من الممكن ان تباع ويقبل عليها المشترون. ـ ساهم انتشار الفضائيات في محو ذاكرة المشاهد باستمرار من خلال دفق البرامج والمواد التي تقدم وحولته الى متلق سلبي، فهل يمكن ان تكون مسئولة عن عدم حضور الأعمال الجادة في ذاكرة الناس؟ ـ الفضائيات مثلها مثل أي شيء يدخل في حياتنا، ويمكن ان تكون له سلبياته وأن تكون له ايجابياته، وكمثال على احدى ايجابيات الفضائيات هو انها عممت انتشار الدراما السورية، وأوصلتها الى كل المشاهدين العرب، وفي الوقت نفسه احدى سلبياتها انها بدأت تفقدنا خصوصية أعمالنا. هذا شيء طبيعي، سوف يحدث، فكل الفضائيات أصبحت تبث 24 ساعة والدراما أضحت جزءاً يسيرا مما تبثه، والطاغي الآن هو المسابقات التي تتمتع بأولوية على الدراما، وهي جزء من تسطيح فكر وعقل المشاهد. ان التلفزيون مثله مثل أية وسيلة أخرى من الممكن ان تستخدمها للاستهلاك أو لنشر ثقافة جادة وحقيقية، وإذا نظرنا الى الواقع الثقافي عامة فإنه مثلما ان الكتاب قد يكون لنشر فكر جاد أو لنشر فكر رخيص، فإن الأمر ينطبق على كل الوسائل الاخرى، فكما توجد سينما جادة وراقية، هناك سينما مبتذلة وتتعامل مع المشاهد كسلعة، والشيء نفسه ينسحب على الانترنت والكمبيوتر إذ ان لها الوجه الايجابي الذي يمكن ان نوظفه لخدمة الناس، وكذلك الوجه السلبي الذي يمكن ان يكون عاملاً مضاداً ومسيئاً.