يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. استفزت عمليات الفدائيين حكام إسرائيل. حصل هؤلاء الحكام على نصر سريع في حرب يونيو. وتوقع الجنرال موشي دايان الذي طوّبه الجمهور الإسرائيلي بطلاً لإسرائيل أن يجيئه العرب مستسلمين وهيأ قائمة الشروط. لكن بدل المستسلمين، جاء فدائيون عازمون على المقاومة ومفعمون بروح التحدي والمغامرة. وأفسد بروز العمل الفدائي على حكام إسرائيل متعتهم بالنصر، ومسّ صلفهم، وأوهن العوامل التي استند إليها تعنتهم، وخلق لهم مشكلة أمنية مقلقة ومتفاقمة. وفي مواجهة الفدائيين، لم تقعد إسرائيل إلى أن يصلوا إلى المناطق التي يسيطر عليها جيشها، بل بادرت إلى مداهمة تجمعاتهم وقواعد تدريبهم وانتشارهم وقطع الطرق عليهم. ظنّت إسرائيل في البداية أنها إزاء بيضة يمكن تهشيمها بسهولة. وبالرغم من استخدام أقسى مطارق جيش إسرائيل لتهشيم ما وصف بأنه بيضة، فقد فشلت إسرائيل في وقف نمو العمل الفدائي وصار على حكامها أن يفكروا في الأمر بجديّة أكبر. ولم يلبث أن قفز العمل الفدائي إلى مقدمة الهموم التي تنشغل إسرائيل بها وتشغل مؤسساتها الأمنية والسياسية. وشحذت إسرائيل قواها ورفعت المطارق. وبعد أن أظهرت معركة الكرامة أن الهجمات البريّة ليست تلك النزهات التي تصورها قادة الجيش الإسرائيلي، اقتصد هؤلاء في إرسال الوحدات العسكرية البرية عبر خطوط وقف إطلاق النار، وأوكلوا المهمة إلى سلاح طيرانهم المتفرد في السيطرة على الأجواء، دون أن يكفّوا عن التهديد باجتياح مناطق تواجد الفدائيين في الأغوار وغيرها. لم يتوفر للفدائيين السلاح الكافي لمقاومة الغارات الجوية المثابرة. وفي البداية، تعرض المستهدفون بأفتك سلاح طيران في المنطقة إلى خسائر موجعة. غير أن هذا الوضع لم يدم إلى الأبد. بل سرعان ما تعلم المعرضون للمطاردة كيف يتفادون تأثير الغارات. قد لا تتمكن العين من الفتك بالمخرز، إلا أنها تستطيع أن تتفادى فتكه بها حين تتسلح بما يكفي من الحذر والدراية. والحقيقة أن الغارات الجوية على قواعد الفدائيين فقدت تأثيرها بمضيّ الوقت. وقد خبرت بنفسي كيف نظم مقاتلو القواعد شئونهم بحيث تتصل نشاطاتهم المألوفة مع وجود الطائرات فوق رؤوسهم وصخبها الذي يملأ الأجواء. وغالباً ما كانت قذائف الطائرات تحطّ على مواقع جرى إخلاؤها من المقاتلين أو أخرى موهت تمويهاً لتضليل الطيارين. وكثيراً ما عجزت الطائرات المغيرة حتى عن إيقاف نقاش أنهمك فيه مع مقاتلي قاعدة. ويبدو أن الإسرائيليين أدركوا حتى وهم لا يكفون عن التبجح أن ما تصوروه بيضة هشة كان في الواقع سمكاً يعيش في محيط تصعب الإحاطة به. وبدل أن يستخلص هؤلاء العظة الصحيحة، استدرجوا إلى البحث عن السمك في المحيط، ولم يكفوا عن المحاولة. وصرنا نسمع في كل يوم وعيداً متكرراً بالهجوم على مناطق الفدائيين ووعوداً متكررة بالقضاء عليهم في أوكارهم ذاتها. وظل ثبات العين في مواجهة المخرز معجزة متحققة، وكذلك قدرة الفدائيين على الاستمرار في القيام بعمليات موجعة لإسرائيل والتطور المطرد لوسائلهم. غير أن المحتاجين لتضخيم الإنجازات والتهويل لم يكتفوا بما هو متحقق وملموس بل استمرأوا الإمعان في التهويل، حتى أوجد الكذب معايير لقياس المنجزات بدت معها المنجزات الفعلية ضئيلة الحجم. وها أنا ذا أتذكر يوماً بلغ فيه إحساسي بالتأذي في الجريدة حداً فوق الطاقة واشتد توقي إلى مغادرتها. كان سعيد حمامي وقتها لا يزال معنا في «البعث» ولم يكن ضيقه أخفّ من ضيقي. يومها، التفتّ نحو سعيد وأنا أحسّ تضجّره وسألته عما إذا كان راغباً في السفر إلى عمان. وجاء الجواب على الفور: «يا ليت !». كنّا بحاجة إلى سبب يقنع رئيس التحرير بإعتاقنا. وقد سبق أن استخدمنا الأسباب الممكنة جميعها وصار لابد من الوقوع على سبب جديد. وفيما أنا مشغول الذهن بالبحث عن سبب، قادتني قدماي إلى أجهزة استقبال الأنباء، فوقعت فيها على نبأ جعلني أهتف على طريقة أرخميدس: «وجدتها». وما وجدته كان بلاغاً فلسطينياً ينبئ الجمهور بأن معركة كبيرة تدور منذ ساعات مع الدبابات الإسرائيلية التي اخترقت خط وقف إطلاق النار في غور الصافي جنوبيّ الأردن. وهذا هو النبأ الذي حملته واقتحمت به حجرة رئيس التحرير: «موشي دايان يوالي منذ أيام تهديداته باقتحام أغوار الأردن، وها هي الدبابات الإسرائيلية تهاجم غور الصافي، وأنا أخشى أن يكون الهجوم على الغور الجنوبي بداية لهجوم عام..». أخذ رئيس التحرير الذي لا يعرف الكثير عن الشأن الفلسطيني أو الإسرائيلي أو الأردني بتماسك التحليل الذي قدّمته. وعندما رجعت إلى سعيد ومعي إذن السفر المطلوب لي وله، اندهش صديقي وشاء أن أطلعه على الحيلة التي استخدمتها. إلا أني، وقد راق مزاجي، لجأت إلى المزاح: «بدّل رئيس التحرير موقفه منّا، انتهى إلى الاقتناع بكفاءتنا وصار يحبنا». وجلجلت في مقر الجريدة ضحكة سعيد الساخرة المتميزة، حتى لقد خشيت أن تفضحنا. بلغنا عمان قبل حلول المساء. وكان أول ما فعلناه أن جلنا على مكاتب الفصائل الفدائية واستمعنا إلى ما رُوي لنا من وقائع المعركة الجارية في غور الصافي. بدأنا بمكتب الصاعقة، فنحن لم ننس أننا مندوبا جريدة «البعث»، وانتهينا في مكتب لـ «فتح» يشغله خليل الوزير «أبو جهاد» ولو لم نضع في حسابنا أن الروايات مهوّلة لتصورنا أن حرباً طاحنة تدور فعلاً في ذلك الغور النائي. وما ان فرغنا من الاستماع إلى ما رواه صديقنا أبو جهاد حتى خلونا، سعيد وأنا، إلى نفسينا في ركن في المكتب ورحنا نمحص الروايات، وحذفنا منها الكثير، واستبقينا ما رأينا أنه يصلح لتقرير صحافي لا يضعنا في خانة المهوّلين. وتصدر تقريرنا صفحة الجريدة الأولى في اليوم التالي وتصدره عنوان يعلن أن مندوبي «البعث» ينقلان الأنباء من أرض المعركة. وقبل أن أفارق القائد الفتحاوي، أبديت رغبتي في أن أزور غور الصافي، وجاراني سعيد، فأعد أبو جهاد ما يلزم لنقلنا في الصباح التالي إلى المنطقة. وعلى هذا، غادرت المكتب فيما بقي سعيد فيه. وتوجهت إلى منزل قريبي الصحافي عمر الحوراني الذي ألف أن أفاجئه في أي وقت. كانت الاشتباكات بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية في صراعهما للسيطرة على الشقة الغربية من منزل عمر قد توقفت منذ بعض الوقت. إلا أن شباب الجبهة الديمقراطية الذين يسيطرون على الشقة ظلوا حذرين خشية أن يعاود شباب الشعبية محاولتهم لاستعادتها. وكان المسيطرون على الشقة يتناوبون الحراسة حول المبنى والسهر على شرفة الشقة ومراقبة محيطها. وكان هؤلاء يتبادلون الأحاديث عبر المسافات التي تفصلهم بعضهم عن بعض ويطلقون في الهواء زخات رصاص ليساعدهم على مغالبة النعاس. وظل من غير المتيسر أن يتمتع المرء بنوم هادئ، فامتد سهرنا، عمر وأنا، واسترسل حديثنا. هنا، يجدر أن تعرف أنت عن عمر هذا أكثر مما عرفت حتى الآن. يكبرني عمر بما لا يقل عن عشر سنوات فهو قد غادر المسمية، إذاً، شاباً وكان له فيها مساهمات في النشاط الوطني ضد الجيش البريطاني وعصابات الصهيونيين المسلحة. وعلى دروب المنفى، تنقل عمر كما تنقل غيره من مكان إلى مكان، ثم اتتهى المطاف به إلى الإقامة في الأردن والغرق فيما غرق فيه اللاجئون من شئون وشجون. وفي وقت مبكر من شبابه، انتسب عمر إلى الحزب الشيوعي الأردني ويبدو أنه كان بين أعضاء الحزب من النشيطين الصلبين. أقول: يبدو، لأن عمر لم يحدثني بنفسه أبداً عن هذه الفترة من حياته وقد سمعت عنها من غيره. وقد عانى عمر المتاعب التي تكبدها الشيوعيون أبناء جيله، فلوحق، وسجن، وطرد من الأعمال التي تيسرت له، وانسدت في وجهه سبل الحصول على لقمة العيش. وفي هذا كله، صمد عمر بمقدار ما يمكن للإنسان الصلب أن يصمد، ولم ينكسر. ثم جاء وقت تغلبت فيه حاجة ربّ الأسرة الذي صاره عمر على تشبثه بعضوية الحزب فجمد نشاطه فيه أو أذن الحزب له بذلك، دون أن ينقلب على حزبه، كما فعل آخرون ممن أذلتهم الحاجة إلى اللقمة أو الرغبة في الهناء. وبطريقة ما، تدبر الرجل أمر الحصول على عمل في السعودية وأمكن أن يستمر فيه بضع سنوات سدد خلالها ديونه وكادت حياته تشهد شيئاً من الاستقرار. لكن هذا المسار انقطع فجأة، ويبدو أن ماضيه الشيوعي لاحقه فخسر عمله في السعودية ورجع إلى عمان. وفي بحثه عن مصدر رزق تعذر الظفر به في الأردن، جاء عمر إلى دمشق ووفر له نفوذ عبداللّه الحوراني، وهو من كان من البعثيين ذوي النفوذ في سوريا، وظيفة في وكالة الأنباء السورية «سانا» التي يديرها صديقنا المشترك حسين العودات. مارس عمر مسئولية وظيفته بنجاح وحظي برضى رؤسائه وزملائه ومودتهم. وصار على الرجل الذي أبعده العمل عن أسرته من جديد أن يقسم دخله الشهري بينه هو المقيم في دمشق وبينها هي الباقية في عمان. وما ان فتحت «سانا» مكتباً لها في عمان بعد اتساع النشاطات الفدائية حتى برز عمر بوصفه أكفأ المرشحين لتولي هذا المكتب. وقد ينبغي أن أذكر لك أن عمر عوض قلة تأهيله لمهنة الصحافة بالمثابرة والإخلاص والاستفادة من علاقاته الشخصية الواسعة، فانتظم في عمله وبقي له رضا وكالته عليه. لم أكن قد نمت أكثر من ساعتين حين أيقظني رنين الهاتف وأيقظ أهل المنزل كلهم. كانت الساعة هي الخامسة، والمتحدث كان سعيد، وقد اتصل ليقول إن السيارة صارت في الطريق إليّ وعليّ أن أذهب إلى غور الصافي وحدي لمتابعة وقائع القتال، أما هو فسيبقى في عمان ليتابع الأصداء السياسية. فعلها سعيد، إذن، بي، ولم يترك لي فرصة للنكوص! طاب لي وأنا أجتاز المنطقة التي أجهلها أن أتملى الأودية المفرودة أمامي وأستجلي بما يتلامح في الصحراء من أخيلة وأسرار. وخففت لذة الاكتشافات متاعب الرحلة. وصمدت إرادتي أنا معطوب الظهر للآلام التي يلحقها تهزز اللاندروفر بمفاصلي وما تزيده الريح الصرصر التي تنفذ من شقوق الأبواب. وفي نهاية أربع ساعات متصلة وسفر على طريق ضيق وقديم، وجدتني في قرية لا يميزها شيء بعينه عن قرى كثيرة عرفتها. كنّا قد بلغنا الطفيلة. وهدانا أحد المارة إلى منزل صغير قائم في نهاية صف من المنازل على مرتفع يبدأ الصعود إليه من ساحة القرية. وقال: «قائد الفدائيين يقيم هناك». واتضح أن المقصود بهذا الوصف هو قائد وحدة جيش التحرير الفلسطيني المرابطة في هذا الموقع، أو أنه بعبارة أدق هو قائد وحدة قوات التحرير الشعبية التابعة لهذا الجيش. وما أن ولجت مدخل المنزل حتى فاجأني رجل يلبس بذلة ميدان ولا يعلق الشارات الدالة على رتبته بأن هب من مجلسه وقال وهو يحتضنني بمودة عارمة: «الأستاذ فيصل عندنا، اللّه أكبر !». وإزاء ما أظهره رد فعلي المندهش، قدم الرجل إيضاحه: «أعرفك منذ أيام غزة، أيام الشجاعية وزقاق المنطار، أيام كنّا أولاداً نقلد الجيوش بألعابنا». كان مستقبلي الخفيّ هو النقيب سالم أبو عمر. وقد تذكرت بالطبع أيام غزة وألعابنا، إلا أني لم أتذكر الطفل الذي كانه المحتفي بي وإن سعدت بوقوعي في هذا المكان النائي على رفيق مثله. وشئت أن أظهر استجابتي لعاطفة مستقبلي الحميمة وسمعتني أقول له: «شايف يا سالم أين أوصلتنا دروب المنفى. يمكن أن نلتقي في أي مكان إلا المكان الذي نتوق إلى العودة إليه !». كان سالم أعلى مقاتلي الثورة في المنطقة رتبة والوحيد بينهم المتخرج من كلية عسكرية. وقد عقد المقاتلون من مختلف الفصائل قيادتهم للنقيب دون أن يصدر بهذا قرار من أي صاحب قرار. وقد عرض سالم أن أبقى عنده كي يقوم بالواجب، والواجب هنا أيضاً هو واجب الضيافة. ولكي يغريني بقبول العرض، تعهد سالم أن يستدعي أي شخص أحتاج إلى مقابلته: «كل ما تريد معرفته ستعرفه». اختلى سالم بي فيما انصرف معاونوه إلى إعداد منسف يليق بمقام «أستاذنا الفاضل» كما وصفني. وقال النقيب الذي بدا مغتاظاً مما روته البلاغات الرسمية: «سأروي لك ما وقع، ولك أنت، وأنت سيّد الصحافيين، أن تقدر ما يصلح للنشر وما لا يصلح». واستعان سالم بخارطة عسكرية واسترسل في روايته. في فجر اليوم السابق، أرسل النقيب دورية في مهمة روتينية وبعد ثلاث ساعات أو أربع، بلغت الدورية نقطة تشرف على غور الصافي ولاحظت أن وحدة دبابات إسرائيلية، حوالي عشرين دبابة، قد اخترقت خط وقف إطلاق النار وراحت تتقدم في أرض الغور. وقد تعجلت الدورية العودة إلى الطفيلة وأبلغت النبأ فأبلغه النقيب إلى القيادة في عمان. وكانت تلك هي البداية التي انطلق معها سيل الكلام عن معركة غور الصافي في عمان. أما في الطفيلة، فقد استدعى النقيب مسئولي الوحدات الفدائية قليلة العدد المرابطة هناك وشاورهم في الأمر فمالوا جميعهم إلى ضرورة التوجه إلى الغور ومواجهة الدبابات. وقد أدرك النقيب أن القوى والوسائل المتوفرة تجعل مواجهة عشرين دبابة في سهل مكشوف مخاطرة لا مسوغ لها، إلا أنه لم يجرؤ على الجهر برأيه حتى لا يتهم بالجبن. وفي محاولة لتعويض نقص الإمكانيات، استنجد النقيب الفلسطيني بقائد القوة العسكرية السعودية والمرابطة في الجوار التي أُرسلت إلى الأردن لمساندته. ويبدو أن القائد السعودي الذي يكرر سالم اسمه مقروناً بلقب أمير لم يكن مخولاً بالمبادرة إلى الاشتباك مع الإسرائيليين فاستمهل إعطاء رده، فانقضت ساعات أخرى في الانتظار. ثم جاء رد الأمير وتعذر اشتراك وحداته في القتال. كما يبدو أن حجب الإذن بالقتال أوقع الأمير الذي وصفه سالم بأنه رجل طيب في الحرج إزاء جيرانه العازمين على المخاطرة. ولعل في هذا ما يفسر قرار الرجل: «أرغب في أن أذهب معكم وأرى كيف تقاتلون». وقد جاء الأمير مع سائقه في سيارة جيب عسكرية تحمل مدفعاً من عيار 105 مم الذي كان آنذاك شهيراً. في غضون ذلك، اتصل مسئولو الوحدات الفدائية بقيادات فصائلهم في مدينة الكرك أقرب مدن شرق الأردن إلى الطفيلة، فجاءهم في آخر النهار شاحنة تحمل قرابة عشرين مقاتلاً مع بنادقهم. وفي المحصلة، توفر للمعركة قرابة خمسين مقاتلاً فدائياً ونصف هذا العدد من جنود جيش التحرير ومتطوعي قوات التحرير الشعبية، وذلك إضافة إلى الأمير السعودي وسائقه. وعقد سالم اجتماعاً لمسئولي الوحدات قبل التحرك؛ كان يأمل، كما صارحني، في أن ينتبهوا إلى ضآلة العدد وقصور الإمكانيات فيتعقلوا. إلا أن هؤلاء تشبثوا بما عزموا عليه. لم يجرؤ هو على الاعتراض. وهكذا، توجهت نحو غور الصافي مع حلول المساء قافلة من الشاحنة التي قدمت من الكرك والسيارات الصغيرة تتقدمها سيارة الأمير التي ركب فيها سالم أيضاً. وعندما بلغت القافلة نقطة على منحدر الغور لا تستطيع السيارات أن تجتازها، توقفت السيارات وانحدر ركابها ناحية السهل وسط ظلام دامس وهم يتحسسون مواقع أقدامهم تحسساً. عند هذه النقطة من الرواية، توقف سالم من تلقاء نفسه؛ ظن محدثي أن لدي ما أقوله فتوقف، فلما احتفظت بصمتي قال هو: «حُطّ نفسك في مكاني، أن تجازف أو تُتهم بالجبن، ما هو الأهون!». ولم أحطّ نفسي في أي مكان، بل تابعت الإصغاء، فعرفت أن النقيب اختار ما يجنّبه سوء السمعة، وشاء أن يتدارك ما يمكن تداركه في اللحظة الأخيرة، فدعا مرافقيه إلى التروّي في اندفاعتهم وسط الظلام: «لا بدّ من أن نقوم بالاستطلاع». وتطوع بعضهم بالقيام بالمهمة، وحاجج آخرون بأنها غير ممكنة ما دام من المتعذر رؤية أي شيء. ولم يكن المتطوعون للاستطلاع قد ابتعدوا عن الجماعة لأكثر من بضع خطوات حين أضاءت السهل قذائفُ إنارة باهرة أطلقتها الدبابات. ولحظتها، اكتشف العازمون على مواجهة الدبابات أنهم يقفون ويتجادلون وهم محاطون بها، ودهمتهم المفاجأة فجروا عائدين إلى حيث تركوا السيارات على سفح المنحدر. وكان هذا، كما لاحظت أنا لأحرر محدثي من حرجه، تصرفاً صائباً، إذ ما الذي كان بإمكان حملة بنادق أن يفعلوه في مواجهة عشرين دبابة مدججة بالأسلحة ومحيطة بهم في غضون ذلك، تحمس سائق الأمير الذي كان قد بقي في الجيب فأطلق رمية من المدفع المنصوب عليها فجاءه من الناحية الأخرى ردّ قاتل: قذيفة دمرت الجيب والسائق. واستشهد خمسة مقاتلين وهم يحاولون بلوغ سيارتهم، ونجا الآخرون وعادوا إلى الطفيلة. صمت سالم فظننت أنها استراحة، فلما طال صمته سألته عن بقية الحكاية، فقال: «هذا هو كل شيء»، ثم كرر: «نعم، كل شيء» وحين رأى محدثي أنني لم أقتنع، أضاف: «ما جرى بعد ذلك لا أهمية له. فإن أردت أن تعرف متى جرت، إذن، المعركة فاسمع: «لم تجر أي معركة !». وكل ما جرى هو أن النقيب أرسل في الصباح دورية كلفها استطلاع المنطقة «ومن المتوقع أن ترجع الدورية في أي لحظة». والواقع أن الدورية رجعت ونحن متحلقون حول المنسف، فاستمعت إلى تقريرها بنفسي. فقد وصلتْ هذه الدورية إلى النقطة المشرفة على الغور ولم تشاهد في السهل أي دبابة، وما من أحد يستطيع تحديد الوقت الذي انسحبت الدبابات فيه. وقبل أن أغادر الطفيلة، جاء من أبلغ إلى سالم أن العاهل الأردني معه كبار المسئولين ومعهم كبار آخرون وفدوا من السعودية قد جاءوا جميعهم إلى المعسكر السعودي حيث يجري الاحتفال بوداع جثمان السائق الشهيد. وعرض سالم أن أصحبه لحضور هذا الاحتفال غير أن مزاجي لم يكن يأذن لي بالاحتفال بميت أو حيّ. لا أجد حاجة لوصف مشاعري بعد هذه الرحلة. يكفي أن تعرف أن أشدّ ما أسخطني كان هو استمرار البلاغات في التحدث عن معركة جارية حتى بعد رجوعي إلى عمان. وفي المساء، في مقرّ خليل الوزير، أعددنا، سعيد وأنا، تقريراً صحافياً أكثر تواضعاً من سابقه، ثم فرغ لنا أبو جهاد فأفرغت سخطي أمامه بما في ذلك سخطي عليه. وما زاد أبو جهاد على أن تبسم، ثم قال: «الإعلام، مثل السلاح، مهم». أما سعيد الذي لمته على زوغانه فقد ضحك: «كان على واحد منّا أن يشربها فشربناها لك». في ذلك المساء، سمع أبو جهاد منّي ما سبق أن سمعه مني ياسر عرفات وغيره بشأن أضرار التهويل. إلا أن القائد الفتحاوي لم ينس حتى أن يعاتب: «في رسالتكما إلى الجريدة أمس لم توفيا دور «فتح» في المعركة حقّه». ما أصعب أن تكون صحافياً يكتب عن ثورة تحرر وطني منتمياً إلى هذه الثورة ملتزماً ألا تقول ما قد يضرّ بسمعتها ! لم أكتب عن غور الصافي؛ لم أشأ أن أجاري المهولين، ولم أجرؤ على ذكر الحقيقة كاملة. غير أني لم أفوت المناسبة دون تعليق. وقد كتبت مقالاً حذرت فيه من التهويل والكذب بإطلاقهما ودعوت إلى ممارسة النقد لأن المقاومة الفلسطينية بحاجة إليه. أما في أحاديثي الشفهية فما كان لشيء أن يلجم لساني. وبعد شهور لا أتذكر الآن عددها، عانيت تجربة مماثلة في موقع آخر غير غور الصافي. ففي غضون هذه الشهور، بلغ ضيقي في «البعث» حداً تعذر معه الاستمرار، فتبعت أول فرصة لاحت للمغادرة. وكانت تلك فرصة وفرها لي مرة أخرى د. يوسف زعين الذي لم يكف عن الاهتمام بأمري. فقد عرض عليّ الرجل أن أتولى مسئولية رئاسة تحرير «الطلائع» التي تصدرها منظمة الصاعقة. وكانت هذه حتى ذلك الوقت أقرب إلى نشرة داخلية منها إلى مجلة، فشاء د. زعين ورفاقه أن يطوروها، وندبني هو للمهمة وضمن لي أن أتولى المسئولية الكاملة عن التحرير. وكان لي في إعلام الصاعقة أصدقاء أبادلهم المودة والاحترام ومنهم المسئول عن هذا الإعلام الذي أكد لي بدوره حاجتهم إلى خبرتي وتعهد ألا يثقلوا عليّ بأي تدخل في شئون التحرير. وشجعني عبداللّه الحوراني على قبول العرض. كان قريبي وصديقي هذا قد استقال كما تعرف من منصبه هو الذي كان المدير العام للإذاعة والتلفزيون واختار لنفسه موقعاً ثانوياً دون أن يكفّ عن النشاط في الحقل العام. وقد تعهد عبداللّه أن يكتب للمجلة ويشجع آخرين على الكتابة. وتلقيت تشجيعاً ذا مغزى خاص من أنيس الخطيب، هذا الذي كان في الخمسينيات بين مؤسسي عرب فلسطين ثم غدا بين أبرز نشطاء «فتح». وقد تعهد هو الآخر أن يكتب للمجلة. وفي المحصلة، مع فريق متجانس ومحترم التفّ حول «الطلائع»، تطورت المجلة شكلاً ومضموناً وتعود المسئولون على عدم التدخل في شئونها. وصارت «الطلائع» مجلة وطنية تتجاور فيها الآراء المتعددة وتتحاور، واتسع انتشارها وارتفع ما يطبع منها من ثلاثة آلاف نسخة إلى عشرين ألفاً. والجديد الذي عاينته مما يماثل تجربة غور الصافي وقع وأنا مستغرق في تطوير المجلة، وقد وقع في جنوب لبنان على قمم العرقوب وليس في الغور في جنوب الأردن. وقتها، اقتحمت مدرعات إسرائيلية منطقة العرقوب وداهمت إحدى عشرة قرية فيها. وقال المتحدث العسكري الإسرائيلي إنها حملة تأديبية هدفها ملاحقة الفدائيين الذين سماهم المخربين. أما إعلام الفصائل الفلسطينية فقد شرع في الحديث عن معركة كبيرة. فعزمت على أن أعاين بنفسي ما يجري. ورغب فتوح الشريف الصحافي المصري الذي صرت تعرفه في أن يصحبني. وتصادف أن اتصل بي العميد محمد الشاعر لشأن من الشئون فعرف ما عزمنا عليه، فرغب هو الآخر في المشاركة في الرحلة إلى العرقوب، وعرض أن نتوجه إلى المنطقة في سيارته العسكرية. ولعلك لا تزال تتذكر هذا الضابط الفلسطيني الذي سرح من الجيش السوري في عهد وحدة سوريا ومصر بدعوى أنه شيوعي. لقد تقلبت الأحوال بالضابط المسرح والملاحق إلى أن تشكل جيش التحرير فانضم إليه، ثم احتاجوا في سوريا إلى خبرته في التحصين فأعادوه إلى الجيش السوري بعد هزيمة يونيو 1967 وأوكلوا إليه مهمة تحصين الجبهة الجديدة. بانضمام العميد المتنفذ إلينا، توفرت، إذن، وسيلة الانتقال المأذون لها بالتنقل بين سوريا ولبنان دون عوائق، كما اكتملت الصحبة الطيبة والخبرات اللازمة. وبقي علي أن أحصل على ورقة الإجازة التي تخولني اجتياز الحدود اللبنانية. ولأني، أنا الذي كان على عجل، لم أجد المخول بمنح الإجازات في قيادة جيش التحرير، فقد توجهت إلى مقر قيادة «فتح» لأحصل على الإجازة منها. وكان صديقي الطيب الذي تعرفتُ عليه في الجزائر، ممدوح صيدم «أبو صبري» قد صار عضواً في لجنة «فتح» المركزية وصار له هذا اللقب الجليل: القائد العام لقوات العاصفة. فقصدتُ مكتبه في المقر. ولأني جئت ومعي فتوح الشريف إلى المقر دون موعد مسبق، فقد استوقفنا مرافق لا يعرف طبيعة صلتي بقائده إلى أن يستأذنه في إدخالنا عليه. ويبدو أن المرافق لم يذكر اسمي بل اكتفى بالقول إن بالباب صحافيين، فاتخذ أبو صبري الوضع الذي يلائم قائداً عسكرياً منصرفاً لإدارة معركة، ثم أذن بإدخالنا عليه. وكان صديقي مولياً ظهره إلى الباب فلم يرنا، هو الذي أحس بدخولنا، ولم يلتفت، بل تابع ما شرع فيه، فراح يضع سماعة هاتف ويتلقط أخرى ويصدر أوامر توحي بأن القتال محتدم على أشدّه. وكان طريفاً هذا الذي اصطنعه صديقي ليبهر الصحافة، وقد راقبت المشهد لبعض الوقت ثم نقرت على كتفه بأصبعي: «فتوح وأنا، ليس هنا غرباء». ورحب أبو صبري بنا بأريحيته المعهودة دون أن يبدو عليه أي تحرج. وكانت تلك هي نقطة البداية فقط في الرحلة التي توخيت أن تكون رحلة لتقصي الحقائق. بلغنا منطقة العرقوب فيما كانت المدرعات الإسرائيلية قد شرعت في العودة من حيث أتت بعد أن أمضت الليلة السابقة فيها، وتسنى لنا أن ندخل كل قرية فور انسحاب الإسرائيليين منها فنحصل على أدق المعلومات وأكثرها طزاجة ونتفحص رد فعل سكان القرى. وفي موقع بعينه على قمة مشرفة، قعد العميد الشاعر بنا لنراقب المنسحبين. ورصد العسكري الخبير الآليات المغادرة ليقدر حجم الوحدة الإسرائيلية، فاستخلص أنها كتيبة دبابات معززة. لم يلاحق الإسرائيليون الفدائيين ولم يظفروا بأي واحد منهم. فقد تمكن الفدائيون من النجاة والتواري عن الأنظار في المنطقة الوعرة أو الانسحاب إلى مناطق آمنة. وبدل الفدائيين، استهدف المهاجمون سكان القرى اللبنانيين لتخويفهم وتحذيرهم من التعاطي مع أي فدائيين. وحين لقيناهم، كان فلاحو العرقوب محتفظين بحبهم للفدائيين وتأييدهم لقضيتهم. لكن المشاعر الطيبة شابها سخط ظاهر وخيبة أمل: تحملنا كل شيء من أجل عيون الثوار الفلسطينيين، القصف الإسرائيلي، وغارات الطيران، والمداهمات، وضغوط المكتب الثاني اللبناني وانتقامه، وتعطيل أعمالنا وبوار المواسم، وذلك كله والكثير غيره لأننا توسمنا أن يرفع الفدائيون رؤوسنا ويعوضونا عن تقاعس الجيش وقعوده عن مواجهة إسرائيل. الآن، بعد هذه التجربة، ما الذي يمكن أن نقوله. سمعنا هذا كله في كل قرية. وكان الأسى هو أبرز ما عاينّاه. لم يقل الفلاحون إنهم توقعوا أن يخوض الفدائيون معركة مكشوفة مع الدبابات الإسرائيلية، كل ما في الأمر أنهم ترقبوا أن يوقع الفدائيون الأذى بالمهاجمين. وقد توزعت الكتيبة الإسرائيلية وتعزيزاتها على وحدات صغيرة احتلت كل واحدة منها قرية وقضت الليل فيها. وكان في متناول الفدائيين أن يشوّشوا حركة هذه الوحدات بين القرى أو يباغتوها بعد أن حلت فيها أو يلاحقوها وهي تتراجع منسحبة. لكن هؤلاء وهم الذين بوغتوا، لم يكونوا آنذاك قد دربوا ليتصرفوا في مثل هذه الحالة، وما من شيء من هذا المتوقع قد وقع. بلغت الوحدات القرى دون عوائق. وتولى المحتلون جمع أهل كل قرية في ساحتها أو مسجدها أو منزل مختارها، وتلوا من قوائم جلبوها معهم أسماءً بعينها واعتقلوا أصحابها. وفي كل قرية، بات جنود الاحتلال حيث تيسر، ثم نهضوا في الصباح وقد شبعوا نوماً، واغتسلوا، وحلقوا ذقونهم، وتناولوا الإفطار، وتحدثوا إلى السكان من جديد، وكرروا التحذيرات والإنذارات وتوعدوا بأنهم سيعتقلون في كل مرة أي شخص يساعد الفدائيين وسيهدمون منزله،، ثم انسحبوا بعد هذا كله ومعهم المعتقلون، بانتظام وأمان كما جاءوا. ثلاثون ساعة استغرقتها العملية، اختفى الفدائيون خلالها فلم ير الفلاحون حركة ولم يسمعوا حسّاً.