قرر البيت الأبيض تحويل ماكان بمثابة جهد مؤقت للرد على التضليل الإعلامي بشأن الحرب في افغانستان الى ما يشبه مكتباً للاتصالات العالمية، يعمل بشكل دائم ويتوافر له هيئة موظفين كاملة ويهدف الى تنسيق رسالة السياسة الخارجية للادارة الاميركية، والاشراف على صورة أميركا في الخارج، وذلك على حد قول احد كبار المسئولين الأميركيين وسوف يسمح المكتب، الذي من المقرر ان يبدأ عمله بحلول الخريف المقبل، للبيت الأبيض ان يمارس قدراً اكبر من السيطرة على ما اصبح واحداً من اخطر مبادرات الحكومة والقطاع الخاص منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي المبادرة المعروفة باسم «الدبلوماسية الشعبية» والتي تهدف الى محاولة الاجابة على السؤال الذي طرحه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في خطابه للكونغرس بعد اسبوع من حدوث الهجمات ، وهو السؤال القائل: «لماذا يكرهوننا؟»في ذلك الوقت كان بوش يشير الى الذين هاجموا مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع. ومنذ ذلك الحين يردد بوش القول بأنهم «يكرهون حرياتنا» ولكن فيما انتشرت المظاهرات والدعوة الى مقاطعة السلع الاميركية، والتعبيرات الأخرى الخاصة بمعاداة الأمركة في العالم الاسلامي وما بعد العالم الاسلامي، أخذ هذا السؤال بعداً أكبر، وبالتالي هناك حاجة الى اجابة أشمل. يقول مسئول كبير في الادارة الاميركية ان هدف هذا المكتب المشار اليه آنفاً هو ليس مساعدة وزارة الخارجية التي تضطلع بالمسئولية الأولى في «نشر قصة أميركا» في الخارج، أو ان يحل محل وكالات اخرى لديها مهام دولية، ولكن هدفه هو اضافة قيمة استراتيجية وموضوعية ودعم رئاسي الى جهود الوكالات. يقول المسئول: «لو قمت بسؤال هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون الحكومة ويسافرون ويخدمون في الخارج: ماذا تريد أميركا ان تقول لشعوب العالم؟. فماذا سوف تكون الاجابة؟ سوف يجيبون بأن الاجابة يجب ان تأتي من أعلى». وسوف يقوم المكتب الذي يرأسه شخص يحمل لقب «مستشار الرئيس» بتوسيع عدد كبير من مسئوليات ومهام مركز معلومات تحالف البيت الابيض، وهو المركز الذي تم تأسيسه بعد وقت قصير من بدء الحملة العسكرية الاميركية في افغانستان الخريف الماضي. وفيما اعتبره البيت الأبيض واحداً من أنجح جهود طمأنة العالم العربي بأن الولايات المتحدة لم تقم بشن حملة عالمية ضد المسلمين، أجرى مسئولون كبار من الادارة الاميركية ومن الحكومة البريطانية عدداً كبيراً من المقابلات في وسائل الإعلام العربية. وحتى عندما كان يقوم المركز الإعلامي بحجز مقابلات على قناة الجزيرة القطرية، كان المركز نفسه يقوم باعداد رسالة يومية موحدة للتواصل مع مختلف وسائل الإعلام. ويعتقد البيت الابيض ان هذا المستوى من الادارة الذي يتم تنفيذه بشكل فعال وسريع خلال جميع أجهزة الإدارة الأميركية هو ما سوف يجعله قادراً على مواصلة العمل على هذا المستوى. وهذا المكتب الجديد هو فكرة كارين هوغس مستشارة بوش التي تعد مسئولة عن جهود الادارة المبذولة لضمان الوصول الى شكل موحد ومنتظم لطريقة مباشرة الإدارة السياسية الداخلية. وعلى الرغم من ان هوغس عادت لتعيش في تكساس في أوائل الشهر الجاري، إلا ان المسئولين يقولون انها ستبقى بالقرب من سير العمل في المكتب الجديد بشكل كبير. تقول تشارلوت بيرز مسئولة الوكالة الإعلانية الجديدة التي عينها بوش في وزارة الخارجية العام الماضي، ان أحد دروس سبتمبر الذي لايزال يتم تعلمه هو «اننا يمكننا ويجب علينا ان نفعل المزيد من أجل التأثير على اتجاهات وآراء الأطراف الخارجية في دولتنا». وقال جراهام فولر النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات القومي التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية وأحد محللي الوكالة في شئون الشرق الأدنى لوقت طويل، انه اثناء معيشته وسفره في دول الشرق الأوسط لم يشعر بهذه الفجوة غير العادية بين العالمين.. «من الواضح ان عدد الاصدقاء والمؤيدين الذين نحتاجهم بشدة في تلك المنطقة يتناقص بشدة، واننا أصبحنا بشكل متزايد في موضع الدفاع عن أنفسنا». يقول هنري هايد رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب في كلمة له الشهر الماضي أمام مجلس العلاقات الخارجية: «كيف وُجدت هذه الحالة من العلاقات؟ كيف حدث ان سمحت الدولة التي اخترعت هوليوود لمثل تلك الصورة التدميرية للذات أن تصبح العملة الفكرية الرائجة في الخارج؟». ويتبنى هايد الاعتقاد الشائع بأن جزءاً مهماً من المشكلة يكمن في الترويج الضعيف للصورة الاميركية في الخارج. ومن هذا المنطلق فإن أفضل وسيلة لمكافحة هذه الصورة السلبية هي العمل على زيادة تدفق المعلومات الايجابية التي تساهم في التخلص من تلك الصورة السيئة واستخدام كل وسيلة تملكها أميركا بما في ذلك أكثر تقنيات تكنولوجيا المعلومات تطوراً وتبادل الطلاب وانشاء مكتبات أميركية في الخارج. بعض النقاد يتساءلون ما إذا كان العمل على تحسين الصورة سوف يجدي في حال عدم تغير الرسالة التي تبعثها السياسة الخارجية الأميركية الى العالم. يقول فولر في اجتماع مؤخراً للجنة الاستشارية الاميركية للدبلوماسية الشعبية: «إذا تم النظر الى السياسات الرئيسية على انها مغلوطة وبها عيوب، فإن العمل على تجميل الصورة لن يحدث أي فارق». وتبدو المشكلة حادة للغاية في الشرق الأوسط على حد قوله، لأن دعم اميركا لاسرائيل وللأنظمة غير الديمقراطية في هذه المنطقة ينظر اليه على انه دعائم رئيسية لسياسة أميركية خاطئة ومغلوطة. ويضيف فولر: «يبقى هناك اهتمام كبير بالثقافة الاميركية وموافقة على النظام السياسي الأميركي وبالحرية الداخلية التي تتيحها هذه السياسة، ولكن هناك احساس بازدواجية المعايير يشعر به الشاب العربي الذي يقول: «اننا نريد قيمكم السياسية، ولكنكم لا تقومون بتطبيق تلك القيم بشكل متوازن». وتعكف الادارة الأميركية على بحث كيفية العمل على تحسين صورة الدولة من خلال عقد استطلاعات رأي وبحث آراء مجموعات معينة وارسال بعثات تقصي الحقائق. ومن ضمن الخطوات التي أطلقتها الادارة في هذا الصدد كان «راديو سوى» وهي محطة اذاعية تابعة للحكومة الاميركية تبث برامجها طوال 24 ساعة يومياً للعالم العربي، وبدأت برامجها الربيع الماضي، وتختلف هذه المحطة بشكل كبير عن اذاعة «صوت أميركا» التي تهتم أكثر بتنميق الحديث واختيار الألفاظ والتي كانت محور اهتمام وتركيز الحكومة الاميركية فيما يتعلق ببث البرامج الاذاعية للعالم منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تم انشاء محطة «راديو سوى» لتكون بمثابة امتداد لأفضل مئة محطة من محطات الـ «اف.ام» في البلاد. وتقوم المحطة ببث موسيقى البوب الاميركية والعربية التي تروق للسامعين من الشباب العرب. وعلى الرغم من ان هناك خططاً لاضافة برامج أكثر أهمية وواقعية من خلال الاذاعة، إلا ان محتواها التحريري حالياً لا يتضمن إلا نشرة أخبار مختصرة تذاع كل نصف ساعة. وكنموذج ترويجي للبرامج المستقبلية التي يمكن اذاعتها عبر المحطة يمكن لشاب عربي يدعى محمد ان يتصل بأحد البرامج الحوارية في المحطة ليقول: «أريد ان اعرف لماذا تشن الولايات المتحدة حربا ضد الاسلام» وفي المقابل ترد المحطة باذاعة مقتطفات من احد الاحاديث الكثيرة التي يدلي بها بوش عن الطبيعة السلمية للاسلام والطرق التي شوه بها «الارهابيون» هذا الدين. ولقد بدأت وزارة الخارجية في اصدار ماتصفه بيرز «أفلام وثائقية قصيرة عن حياة المسلمين في اميركا» ليتم بثها على المحطات الفضائية في الشرق الاوسط. فبعد ان قامت وزارة الخارجية بالغاء وجود المراكز الثقافية الاميركية والمكتبات التي كانت في وقت من الاوقات موجودة في كل مكان في العالم وذلك بسبب اعتبارات أمنية وأخرى متعلقة بالميزانية، تخطط الوزارة نفسها الآن لتوسيع مفهوم «الغرفة الاميركية» الذي بدأ في روسيا في أوائل التسعينيات. وتعتبر تلك «الغرف» بعيدة نسبيا عن ان تكون اهدافا لاعمال العنف حيث يتم انشاء أركان توضع بها الموسوعة الاميركية للمعلومات المعروفة باسم «اميركانا» داخل المكتبات المحلية الموجودة في دول العالم او المراكز الثقافية الاخرى. وفي ظل حقيقة ان تلك الجهود لا تزال في بدايتها، فإنه من غير الواضح كيف سيكون مدى تأثيرها. يقول والتر روبرتس احد المحنكين في تنسيق جهود الدبلوماسية الشعبية الذي اضطلع بمسئوليات كبيرة في الادارات الاميركية السابقة، وأحد مستشاري اللجنة الاستشارية، في حديثه عن مفهوم «الغرف الاميركية» في اجتماع عقدته اللجنة مؤخرا: «اننا نقوم باعادة اختراع طريقة ادارة الأمور». يقول احد الاميركيين العرب ممن كانوا يتابعون في الفترة الاخيرة عن قرب تطورات حركة الدبلوماسية الشعبية في أميركا: «نحن نحتاج ان ندخل في تحالفات مع الاطراف الصحيحة للتحالف. يجب على سفاراتنا ان تختلط بالشعوب. مسئولو تلك السفارات يدخلون في علاقات مع النخب ولا يتواصلون مع الذين يمقتوننا والذين لم يلجأوا بعد للعنف بسبب هذا المقت. ان الامر يشبه الحملة الانتخابية، يجب علينا ان نذهب وراء الناخبين». تقول بيرز ان هذا هو بالضبط الاتجاه الذي تريد وتحاول انماءه. وقد تعهدت ان يتلقى جميع الدبلوماسيين الاميركيين، بصرف النظر عن مكانتهم والمناصب التي يشغلونها، تدريبات مكثفة في تطبيق «الرسالة» الاميركية في الدبلوماسية والحرية الشخصية والاسواق الحرة ويتعلموا كيف ينشرونها في المجتمعات المحلية. وتؤكد برامج استقطاب مسئولين جدد على العلاقات العامة كأحد الصفات البارزة التي يجب ان يتقنها المتقدم، بعد ان كانت تلك الملكة من آخر الصفات التي ينظر اليها في قدرات الدبلوماسية وأقل المجالات اهمية في وظيفته. ومن اوائل العام الجاري قامت بيرز باحضار موظفي العلاقات العامة بالسفارات الاميركية في الخارج الى واشنطن لحضور مؤتمر لرفع المعنويات. وأدلى الكونغرس كذلك بدلوه في مجال الدبلوماسية الشعبية. فقد قام المجلس مؤخرا بتمرير مشروع قانون تبناه هايد من دون اي معارضة يتيح اضافة مئات الملايين من الدولارات لميزانية الدبلوماسية الشعبية، وتوسيع مهام ومسئوليات مكتب بيرز واقامة برامج للتبادل المدني مع العالم الاسلامي وتحويل بث تلفزيوني فضائي يعمل طوال الساعة ويبث برامجه لمنطقة الشرق الاوسط. ويجري التحضير لمجهودات مماثلة داخل مجلس الشيوخ. وأبدت هوليوود استعدادها لتقديم المساعدة، وإن كانت المبالغة في ابداء هذا الاستعداد قد تطورت في اغلب الحالات الى تسرع وعصبية ادت الى بذل مجهودات ترويجية غير واضحة بالشكل المطلوب. وتقريبا فإن كل مركز ابحاث تابع للسياسة العامة، بما في ذلك معهد المشروعات الاميركي ومركز بروكينجز، قام بعقد ندوات وقدم نصائح. ولكن على الرغم من هذا الدفق من الاهتمام الجديد بالقضية، يبقى القلق من أنه كيف سيتم النظر الى الولايات المتحدة في الخارج وما الذي ينبغي للادارة فعله للتأثير على الاتجاهات الاجنبية، اهم الموضوعات التي يتم دراستها في واشنطن. وكان الرئيس الاميركي الاسبق فرانكلين روزفلت هو اول من استهدف التأثير على الجماهير والشعوب في الخارج عن طريق مكتب استعلامات الحرب الذي انشئت عن طريقه اذاعة صوت أميركا ومراكز المعلومات الاميركية في المناطق المحررة من أوروبا. وأثناء الحرب الباردة، اطلق الرئيس هاري ترومان حملة اطلق عليها اسم «حملة الحق» والتي قال عنها أنها «لها نفس اهمية القوة المسلحة او المساعدة الاقتصادية» في المعركة ضد الشيوعية. وأشهر انجازات تلك الحملة هو انشاء ادارة المعلومات الدولية الاميركية، التي تم من خلالها انشاء مكتبات في الخارج وبرامج تبادل اجنبية. وأثناء حكم دوايت ايزنهاور، تحولت هذه الادارة الى وكالة المعلومات الاميركية. ورفض ايزنهاور وقتها وضع الوكالة تحت سيطرة الرئاسة، ولم تتطور علاقة مباشرة بينها وبين البيت الابيض حتى قدوم الرئيس رونالد ريجان، الذي اعلن بموجب قرار خاص بالأمن القومي اصدره في يناير 1983 ان يكون مجلس الامن القومي مسئولا عن «التخطيط الشامل وتوجيه وتنسيق ومراقبة تنفيذ انشطة الدبلوماسية الشعبية». وتسبب جو السلام العالمي النسبي والبحث عن تخفيض في حجم البيروقراطية الفدرالية في استهداف ادارة كلنتون للوكالة، وظهرت شكاوى قليلة عندما تم التخلص من الوكالة كمؤسسة منفصلة عام 1999. وبحلول سبتمبر عام 2001، اعتبر البيت الابيض الدبلوماسية الشعبية مشروعا لا يندرج تحت اهتمام قوة عظمى ذات مصالح ومسئوليات احادية. يقول كريستوفر روس الاختصاصي في شئون الشرق الاوسط والذي كان يعمل بوزارة الخارجية ورجع الى العمل في الادارة العام الماضي «كمنسق خاص» في مكتب بيرز: خلال العشرة اعوام الفاصلة بين انتهاء الحرب الباردة وأحداث سبتمبر، نسينا اي شيء مرتبط بالعالم الخارجي. وأضاف ان الشعارات والصور المعادية لأميركا التي بدأت تكتسب تعاطفا ودعما دوليين «اظهرت لنا كيف ينظر الناس الينا وهو الأمر الذي اصابنا بصدمة» على حد قوله. ترجمة : حاتم حسين عن « واشنطن بوست»