في حياة كل منا شئ يناضل من اجله، هكذا يفترض، ومعنى نهبه عمرنا كاملاً لحراسته بدمنا، نحث الخطى نحوه ونتوسل الزمن لنرى حلمنا متكاملاً، متضوعاً برائحة العرق المبذول لنسجه وغزله، ليملأ العين والفؤاد، حينئذ نشعر بانتهاء مهمتنا الجميلة، ولا يبقى سوى مداعبة ثمرة العمر الناضجة. لكن ماذا يحدث وانت ترى حلمك معرضاً للوأد والاجهاض؟ ماذا يحدث وانت ترى كل انياب العالم تنهش نياط قلبك، وتتركه في العراء؟.. ماذا تفعل وانت نحيل اليدين في مواجهة اخطبوط القوانين وهو يطوق آخر ما تبقى لك من شهيق؟ ماذا تفعل وانت المطعون بالفقر والحيرة وقلة الحيلة؟.. ماذا تفعل؟.. ماذا تفعل؟ تلك هي قصة فيلم «جون كيو» ذلك الفيلم الذي باستطاعته ان يلفحك بالغضب والانفجار تبدأ الاحداث بلقطة اراد بها المخرج اضفاء نوع من الغموض على بداية الاحداث، حيث تقتل المرأة بعدما سحقت سيارتها تحت عجلات شاحنة، ليبدأ الفيلم الحقيقي بأسرة مكونة من جون كيو الذي يلعب دوره الممثل القدير «دينزل واشنطن» وزوجته دينيس التي تجسد دورها «كمبرلي ايليس»، وابنهما الوحيد مايك الذي لعب دوره «دانيل اي سميث»، وهي اسرة بسيطة الحال، يعاني عائلها من قلة المورد بسبب سوء أحوال سوق العمل وسيطرة اصحاب النفوذ والمصالح، اما دينيس فقد كانت تعمل محاسبة في سوبرماركت. ولقد جسد كيو حالة البؤس التي يعيشها هو وامثاله، والظروف المعيشية المهينة التي يواجهونها لكن حبهما لابنهما مايك، الطفل الظريف الذي يحلم هو وابواه بأن يكون بطلاً لكمال الاجسام في المستقبل خفف الكثير من معاناتهما ولقد استطاع المخرج وكاتب السيناريو ان يبرزا مدى تحايل الفقراء على قسوة الحياة بأن اظهر الزوجين وقد اختزلا بهجة الحياة في ابنهما. لكن يبدو ان القدر يتواطأ احياناً مع شراسة المعيشة، حيث يصاب مايك بأزمة قلبية اثناء لعبه احدى مباريات البيسبول، مما يضع الزوجين في حيرة وارتباك شديدين، فابنهما رياضي من الطراز الاول رغم صغر سنه، ويهرع جون ودينيس بابنهما الى المستشفى، ليكتشفان اسوأ ما يمكن ان يتعرض له اب وام، فالولد يحتاج الى زراعة قلب عاجلة، تصل تكاليفها الى 250 ألف دولار، يدفع منها مبدئياً 75 ألف دولار، وهنا تبدأ المأساة عندما يعتقد كيو ان وثيقة التأمين الصحي سوف تتولى بطبيعة الحال التكفل بمصاريف العملية لكنه يرتطم بشراسة القوانين واللوائح وفسادها غير المعقول منها ان شركات التأمين تربط حد ائتمانها بعدد ساعات المؤمن وهو ما يعني حصول كيو على الفتات بسبب عدم وجود عمل دائم له لكن الفساد الذي تقشعر له الابدان هو ذلك الاتفاق القذر بين شركات التأمين والجهات التي تتولى اعداد تقارير عن الحالة الصحية للافراد الراغبين في التأمين الصحي، والذي مفاده ان تقوم الجهات الصحية باعداد شهادات مزورة عن اصحاب الامراض العضال بأنهم ذوو لياقة صحية عالية، حتى تتنصل شركات التأمين من دفع تكاليف العمليات لو لزم الامر، وهو ما اصاب الاب بالجنون، في نفس الوقت كانت الكاميرا بالمرصاد لعيوننا وهي ترصد لنا التدهور الفظيع لحالة مايك. ولا استطيع ان انكر بأنني شخصياً عشت صراعاً مع الوقت لانقاذ مايك، واحسست بكره شديد تجاه هذا التدليس الذي لا يخلو الحاضر منه لذلك رأينا جون كيو وهو يتجادل مع الدكتور تيرنر الذي يلعب دوره جيمس وود، المسئول عن عمليات زراعة القلب، لكنه يرفض اجراء العملية قبل ان توافق مديرة المستشفى التي ابدت فظاظة كبيرة في التعامل مع رجاء الأب فيقوم كيو باحتجاز تيرنر وكل من في المستشفى للمساومة على انقاذ ابنه، ومع وصول الشرطة والاخذ والرد، لم يجد مفراً سوى ان يقتل نفسه بعد موافقة منه خطية لكي يهب قلبه لابنه مايك، لكنه قبل اقدامه على الانتحار الشريف، يضعنا المخرج في مشهد تحتاج فيه قلوبنا لاعادة زرع من جديد لكي تتحمله، وهي لحظة وداع الاب لابنه الذي غرق في الغيبوبة، لحظة تجمد فيها الزمن وقلب المشاهد وهو يقول له «قلبي سيكون داخلك، سأكون معك الى الابد» ويعود المخرج «نيك كاسافيتس» ليحرق اعصابنا ونحن نرى جون كيو وهو يضع مسدسه ذا الطلقة الواحدة في رأسه، فتفشل المحاولة وكم ابرع دينزل واشنطن في تجسيد ذعره ورعبه من الموت، وهي لحظة كره الجميع فيها الموت، وعندما يحاول قتل نفسه مرة اخرى، تصل الى المستشفى جثة الفتاة التي ماتت تحت عجلات الشاحنة بقلبها الذي لم يتوقف اكلينيكياً، وتعود الحياة لمايك مرة اخرى في محاولة مكشوفة من كاتب السيناريو في اظهار الرحمة والانسانية رغم صرامة القوانين في الغرب. ويخضع جون كيو بطبيعة الحال للمحاكمة، فتتم تبرئته من تهمة اذى الغير، والسطو المسلح، لكنه ادين بتهمة اختطاف ابرياء، وهو معنى اراده المخرج وكاتبه حتى لا تخرج السلوكيات عن نطاقها حتى ولو كانت لمواجهة الظلم والفساد وقتل الحياة. وكعادة الحياة الاميركية تستغل وسائل الاعلام هذه الحادثة من اجل شهرة مذيع مغمور، اضافة الى لملمة المواقف المحرجة وضرورة استخدام القوة من اجل انتخابات الرئاسة او الولاية.. والحاضر لا يخرج عن هذه المنظومة الذرائعية. اخيراً.. الفيلم وجبة انسانية دسمة قادها دينزل واشنطن والطفل الرائع داينل آي سميث باقتدار شديد، اما الممثلة كمبرلي ايليس فقد كان انفعالها ولهفتها على ابنها مبالغاً فيه، لدرجة عدم التعاطف مع فجيعتها. مجدي ابو زيد