لو قدر لأي شاعر مجال من الاهتمام الإعلامي من حيث نشر شعره والكتابة عنه ودراسته لساهم ذلك في إبرازه وتسويق شعره لدى القراء، وقد يقع جزء كبير من هذه الأهمية على عاتق النقاد والمثقفين من أهل البلد، ومن الأخوة العرب الذين يعيشون بيننا ويساهمون معنا في العمل الثقافي من خلال المؤسسات الثقافية أو الوسائل الإعلامية .. وأقول وأنا على قناعة من قولي بأن لدينا شعراء من أهل الوطن على مستوى من الجودة والإبداع والرقي الشعري لو اتيحت لهم فرصة البروز الإعلامي لاشتهروا عربياً ولضاهوا شعراء العربية المعاصرين في أقطارنا العربية، لا يقلون عنهم أبداً إن لم يفوقوا بعضهم ويتميزوا عليهم .. ومن حق هؤلاء علينا نحن المثقفين أن نعنى بشئون الكتابة عنهم ودراسة أشعارهم ونقدها وتقديمها للساحات الأدبية والثقافية في الدول الأخرى ليتعرفوا على ما عند شعرائنا من نتاج أدبي يرقى إلى مستوى نطمئن إلى أنه يستحق أن يقدم للآخرين وينافس به، فإلى متى يبقى شعراؤنا محصورين في محليتهم لاينطلقون من خلالها إلى صعيدنا العربي؟ان شعراء مثل الشيخ صقر بن سلطان القاسمي وسالم بن علي العويس وخلفان بن مصبح وسلطان العويس وحمد بو شهاب وأحمد أمين وغيرهم أنهم وعلى قدر متفاوت بينهم في مسألة التميز والإبداع يستطيعون أن يقفوا على قدم ثابتة وأرض صلبة في الشعر تمكنهم من أن يكونوا شعراء على المستوى العربي وأن يكون لشعرهم مجال لأن يعرف ويشتهر على هذا الصعيد وأنا لا أقول هذا القول من باب المبالغة أو المجاملة لهم وإنما من خلال معرفة بالشعر وقراءة ما ينشر في العالم العربي ومايشتهر من شعرائه فإن لشعرائنا بينهم مستوى من النتاج والتمكن الفني مايجعلهم يقفون معهم في ذات الطبقة الشعرية إن لم يتفوق كما قلت بعض شعرائنا عليهم ويأتي ضمن أبرز هذه الطبقة وفي قائمة الصدارة منهم الشاعر حمد بن خليفة بو شهاب الذي له من النتاج الشعري من حيث الكم ما يشكل وفرة شعرية تكونت له على مدى فترة طويلة من الزمن تبدأ من الستينات بحيث وصل نتاجه إلى مجموعة ثرية ووفيرة من القصائد الشعرية في أغراض متعددة ومناسبات كثيرة ومن حيث المستوى الفني في حسن صياغته وعمق مضامينه وذلك ماجعلني أن أخصه بهذه الدراسة التي آمل أن تجلي شيئاً من خصائص هذا الشعر ومميزاته وتساهم بدرجة فاعلة في إبرازه في الساحة الأدبية ولدى المثقفين بالصورة المطلوبة التي يستحقها وقد لا تكون الدراسة نقدية في تقييم هذه النصوص من أوجهها الأدبية ولكن ربما يغلب عليها طابع استعراض واستجلاء مواضع الحسن وجمالياته لما يناسب الغرض من هذه الدراسة وهو عرض شيء متفرق من هذه الأشعار والتأمل فيها والحديث عنها لكشف شيء من مميزاتها وخصائص قدرات الشاعر الفنية والثقافية من خلالها. وخير ما أبدأ به في ذلك قصيدته تحت عنوان : (سبحانك ربنا) فهي من أبدع وأروع القصائد وأكثرها تأثيراً في الوجدان وقرباً من النفس لما فيها من مناجاة رقيقة جميلة صادقة لمالك الملك في تعداد آثاره وبدائع صنعه ومظاهر قدرته المتجلية في خلق الإنسان والحيوان وفي الكون أرضه وسمائه .. وتأتي هذه الأبيات ضمن أجمل إيمانيات الشاعر فيها سموّ وإبداع يتهادى بها تعبير جميل مؤثر ومعان غاية في عمق المضمون يستجلي من خلالها قدرة الخالق وحكمته البالغة من خلقه وكيف تؤدي بعض الأعضاء والمسخرات الكونية مهامها التي خلقت من أجلها مما ينم عن شيء كبير من قدرة الشاعر الفنية التي تساهم إلى حد بعيد في ترقيق مشاعر النفس ولفتها ناحية أسرار الوجود في ذاتها وفي ما حولها لتقوية إيمانها وتثبيت عقيدتها على طريق الحق والإيمان فيتأمل الشاعر في الدمع ويقرر بأن الجفن منبعه وإذا انتابت الأنسان موجة من أحزان وأكدار سالت منه عذران فوق الخدود تعبّر عن فرط آلامه وغمومه وتخفف عما به منها: من علم الدمع أن الجفن موطنه فسال بالشجو فوق الخد عذرانا ومن علم الأرض إذا نزل عليها الغيث انتعشت وربت وانبتت وروداً ورياحين تتزين بها كالثياب الجميلة البراقة: وعلم الأرض أن الغيث ينعشها لولاه ما لبست ورداً وريحاناً ومن علم العقل المعارف التي تميزه عن غيره فأضحى ميزاناً يعرف به الصح من الخطأ: وعلم العقل أشياء وميزه عما سواه فأضحى العقل ميزاناً ومن علم النجوم تسري في غياهب السماء لتكون في الليل دليلاً للإنسان في بحره وبره: وعلم النجم أن يسرى وعلّمنا منه الدليل لمجرانا ومسرانا وفي قوله: وعلم القمر الزاهي بأن له من ضوء شمس الضحى نوراً وألوانا يبين أن للشاعر معرفة بشيء من علم الفلك من كون القمر معتماً في ذاته وإنما يستمد نوره من ضوء الشمس فقد وظف هذه المعلومة في بيان شعري وصورة أخاذة أبعد بها عن جمودها العلمي في مثل هذا الصورة الجميلة. إلى غير ذلك من تساؤلات كثيرة من علم ومن علم ؟ صاغها الشاعر بدقة وعناية وجمال وأوردها في أبياته ليجيب عنها في نهاية القصيدة بإيمان ويقين ثابتين بأن كل ذلك وغيره من لدن الله المتعالي علم الإنسان وألهم الكائنات بقدرته جل جلاله: إن كان غيرك يامولاي علمها فليأتنا بدليل منه برهانا سبحانك الله لا علم ولا عمل لنا بدونك يا ذا العرش سبحانا وتأتي ضمن أجمل قصائد الشاعر وأعمقها في مناسبتها لما تفيض به من شعور طافح بمثل هذه المعاني الإيمانية التي تلهم النفس طمأنينتها وتشغفها بجمال الحياة من حولها إذ لها في كل مخلوق دلالة على وحدانية ربها وقدرته وحكمته. والشعر إن لم يملكه زمام قوي من الدين والخلق والمبادئ لربما شطت خيله بصاحبه إلى متاهات ودعوات تجر إلى مضار ومفاسد لكن الشاعر بو شهاب له من دينه وإيمانه وتمسكه بمبادئه التي تربى عليها وتعشقتها نفسه ما يضفي على شعره التزاماً بكثير من القضايا المصيرية إلى مدى بعيد تجعله موثوقاً منه فيما يقدمه للجيل من ثقافة تساهم في تأكيد وتأهيل جذور انتمائه لمبادئه وقضايا دينه ووطنه وأمته. وللشاعر بو شهاب مساهمات فاعلة من خلال شعره في هذا الشأن المهم فلا تجد في شعره كله خروجاً على ما تقتضيه الأمانة الفكرية بحال من الأحوال فهو في غاية الحرص على تأصيل الشعور الوطني والقومي كما سنراه فيما سنقدمه عنه أثناء هذا البحث من مواقف صلبة تجاه كثير من دعوات التهوين بقدرات الأمة والتطبيع مع العدو فهو لايزال يقاوم هذا التوجه ويغرس فيه معوله ليهدم بناءه ويكشف زيف إدعاءات أصحابه. كما أن الدين وحرماته يحتل مساحة كبيرة ومهمة من تفاعله والتزامه فلا تجد في أي قصيدة أو بيت ما يوحي بثلمة في هذا القبيل وعلى العكس من ذلك فهو أحد المدافعين عن هذا التوجه الإيماني والملتزمين به في كل شعره جملة وتفصيلاً وله في ذلك نصوص شعرية دافقة بأروع وأجمل بيان ومعنى وشفافية ناحية الدين وقضاياه وإعلاء شأن أصحابه وعلمائه والتغني بمآثرهم وخدماتهم ومدافعة من يريد الدين بسوء ويظهر شيئاً من ذلك في قصيدته بمناسبة تكريم سمو الشيخ محمد بن راشد للشيخ الشعراوي لنيله جائزة شخصية العام الإسلامية ففي هذه القصيدة معان إيمانية جميلة وقوية تساهم في ترقيق مشاعر النفس المسلمة .. فيقين الشاعر أن الدين أمر مقدس لديه لا يمكن أن يساويه شيء في حياته بل هو أغلى وأسمى ما في الدنيا وإن التقاء المسلمين يجب أن يكون على منهج الدين القويم ومورده الصافي البعيد عن غش من بدل فيه وغير في تعاليمه: هو الدين لا أغلى وأسمى وأجملا من الدين في دنيا يمزقها البلا على منهج الإسلام في الله نلتقي ونربأـ عمن حاد عنه وبدّلا ويرى الشاعر أن أهم ما في الدين هو عقيدة التوحيد فيه التي وصى بها النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل من أجلها: وليس سوى التوحيد لله منهج له وبه وصى النبي وأرسلا ويثني على سمو الشيخ محمد بن راشد باختياره الموفق لتكريم الشيخ محمد متولى الشعراوي وينعت هذا التكريم بالخير الذي فرح الزمان به وتهلّل وجهه .. وأهم مافيه أن صادفت مناسبته شهر رمضان المبارك الذي نزل فيه القرآن الكريم: أبا راشد هذا اختيار موفق وخير به وجه الزمان تهلّلا تخيرت للتكريم شهراً مباركاً كريماً به القرآن وحياً تنزلاً على قلب خير العالمين محمد رسول بتوحيد المهيمن أرسلا ثم يصلي عليه صلى الله عليه وسلم صلاة يلتمس أن تنجي من توسل بها: عليه صلاة الله ثم سلامه صلاة تنجّي من بها قد توسلا ويضفي الشاعر على سمو الشيخ محمد بن راشد كثيراً من الصفات والمميزات الكريمة بسبب نواله وتكريمه لحفاظ القرآن الكريم ورعايته لهذا الحدث الجليل: أبا راشد مازلت للخير باذلاً وللمكرمات الغر ما عشت موئلا رصدت لحفاظ الكتاب جوائزاً تجاوزن في المقدار مارصد الألى فليس غريباً منك تكريم أمة رأت في كتاب الله ظلا ومنهلا فآوت إليه تستظل بظله وتنهل منه سائغ الشرب سلسلا ويشيد بصفة خاصة بتكريم الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي يصفه بأنه شيخ جهبذي مبجّل وأن شيخ الدنيا كرم شيخ الدين فحياه ربه تعالى على حسن هذا العمل الجليل: وقد جاء دور الدين فانشرحت به صدور ذوي التقوى وباركه الملا محمدنا المكتوم حيّا محمداً وكرّم شيخاً جهبذياً مبجلاً فكرم فيه الدين والعلم والحجى فجاءت له بيض الأيادي حفّلا وياشيخنا أكرمت للفضل شيخنا فحيّاك رب في سماواته العلا وكرمت من للذكر أتقن لفظه وجوّده معنى وحفظاً ورتّلا ويرفع الشاعر قدر هذا اليوم الذي ذكره بيوم بدر وما جرى فيه من نصر للمؤمنين: يذكرنا ذا اليوم بدراً وماجرى بساحة بدر والنبي بها اعتلا مقاماً رفيعاً توج الله دينه بنصر عظيم من لدنه وكلّلا إلى غير ذلك من المعاني الجليلة ذات الصلة بموضوع الإيمان والتي أوردها الشاعر في قصيدته التي اعتبرها من أجمل قصائده وأعمقها في مناسبتها. ويجلي الشاعر في رثائه لعبد الناصر شيئاً من المعاني الإيمانية المتمثلة في الرضى بقضاء الله وقدره: نفد القضاء ولا مفر لكائن حي من الأمر الذي لا يدفع قدر يسيره المهيمن حيثما يختاره لا حيثما نتوقع واختار ربك ناصراً لجواره شأن الأمانة حينما تسترجع ويضمن بعض أبياته شيئاً من ثقافته الإسلامية: يبدل الله أحوال العباد فهل نبئت عن سحقه عاداً وعن إرم ويهفو الشاعر إلى تطبيق شرع الله ويتمنى من القادة ذلك لأنه أمر وبيان من الله: اتنوون بعد الفتح تطبيق شرعة بها الله وصى في الكتاب وبينا وتأتي قصيدته في الدفاع عن اللغة العربية والتغني بمآثرها ضمن أجمل الشعر ليس بالنظر إلى قصائد الشاعر وإنما إلى ذات الشعر فهي في حقيقتها من البيان الراقي وفق الشاعر في صياغتها فجاءت سهلة متراصة معبرة يمكنني اعتبارها قطعة أدبية للشاعر يتذوقها اللسان الأدبي ويرقى بها وليس البيان فيها منفصلاً عن المعنى وإنما يندمج بيانها في مضمونها ليرقى بمستواها الفني.. فالشاعر يرى بأن رفعة اللغة وعلو منزلتها يأتي من كونها لغة القرآن حتى إنه ليطلق عليها هذا المصطلح: لغة القرآن يا شمس الهدى صانك الرحمن من كيد العدى ويعتبرها الشاعر اللغة الوحيدة على وجه الثرى التي أحدثت حركة وصوتاً ردد مسمع الزمن صداه دون غيرها من اللغات وهذا كناية عن أهمية اللغة العربية وحيويتها في الحياة: هل على وجه الثرى من لغة أحدثت في مسمع الدهر صدى ويستغرق الشاعر في بيان مزايا اللغة وخصائصها وأن الله اختارها لتكون الوعاء الذي حمل للناس الدين والهدى والبيان الجميل المتفرد: أنت من قومت منهم ألسناً تجهل المتن وتؤذي السندا بك نحن الأمة المثلى التي توجز القول وتزجي الجيدا نحن علمنا بك الناس الهدا وبك اخترنا البيان المفردا أنت من عدنان نور وهدى أنت من قحطان بذل وفدا واللغة في يقينه معين المجد وتربته التي نبت فيها إلى أن صار معلماً يتحدى بفضلها الشامخات: وزرعنا بك مجداً خالداً يتحدى الشامخات الخلّدا ما اصطفاك الله فينا عبثاً لا ولا اختارك للدين سدى ويجلها الشاعر ويتفانى من أجلها لكونه سبحانه وتعالى أنزل بها بينات من لدنه وهدى: لغة قد أنزل الله بها بينات من لدنه وهدى ويدعو ولاة الأمر للذب عنها ورعايتها من أصحاب الدعوات الجاهلة لأنها جسد وروح الأمة ويكفي أنها وعاء الدين والدنيا ولغة القرآن: كنت أخشى من شبا أعدائها وعليها اليوم لا أخشى العدا إنما أخشى شبا جهالها من رعى الغي وخلّى الرشدا يا ولاة الأمر هل من سامع حينما أدعو إلى هذا الندا هي روح العرب من يحفظها حفظ الروح بها والجسدا فلها اختاروا لها أربابها من إذا ـحدث عنها غرّدا ياوعاء الدين والدنيا معاً حسبك القرآن حفظاً وأدا والشاعر مغرم بمظاهر الاحتفاء باللغة العربية ويجره غرامه بها إلى تذكّر سوق عكاظ وتنافس الشعراء والأدباء فيه ويتراءى له النابغة متربعاً على كرسيه يحكم بين المتنافسين: ذكرتنا بعكاظ والفحول بها صوالة بين منشاد ومنتقد والنابغي على كرسيه حكم في محفل بأولي الألباب محتشد ويصف ما ينشدونه في هذا المحفل بسحر البيان ويشبهه بالنغم الأجمل من سجع الطيور المغردة: سحر البيان على أفواهم نغم يزري صداه بسجع الطائر الغرد ويجعل الشاعر من فضل اللغة العربية على من يتدارسها أن يصير عالماً فيها لا يشق له غبار يفتي في شئونها ويتغنى بجماليات أبياتها ويحدو بنشيدها: فتعاطاك فأمسى عالماً بك أفتى وتغنى وحدا وبسبب اللغة العربية صارت الأمة العربية المثلى في التعبير الموجز والبيان الجميل ويفخر بأنها أتاحت للمسلمين إيصال الهدى إلى الناس في كل بقاع الأرض: بك نحن الأمة المثلى التي توجز القول وتزجي الجيدا نحن علمنا بك الناس الهدى وبك اخترنا البيان المفردا ويقين الشاعر بأن اللغة العربية سبيل إلى عودة أمجاد الأمة الماضية واستمراريتها في المستقبل وذلك من خلال اختيار أصحابها العارفين بها الذين يجذبون السمع ناحيتها لجمال حديثهم فيها: إن أردتم لغة خالصة تبعث الأمس كريماً والغدا فلها اختاروا لها أربابها من إذا حدث عنها غرّدا وأتي بالقول من معدنه ناصعاً كالدرحلّى العسجدا والشاعر حقيقة من المنتصرين للغة العربية المتمسكين بقواعدها وصرفها وبلاغتها والمتفاعلين مع حسن بيانها إلى درجة بعيدة وربما ذلك الذي يدفع الشاعر إلى تفخيم عبارته وتقوية أسلوبه وهو لاشك من المتحمسين بقوة عن اللغة العربية والدفاع عنها في وجه الدعوات التي تريد أن تنال من جانبها أو تخدش صفحة جمالها وذلك من خلال اطلاعه على أسلوب الأدب العربي شعراً ونثراً وتثقفه بلسانه ولهذا جاءت له أبيات وقصائد في منحى الإشادة بلغة العرب وبيانها والذب عن حياضها ومدافعة كل من يريد أن يهدم لبنة منها أو يقرب منها بأي دعوة من دعوات التهوين من شأنها خاصة وأنه يعتبرها لغة القرآن وبيانه ولهذا فهو مستنفر طاقاته من أجل أن تكون اللغة كما يريدها في أحسن وأنصع حالاتها ولايرضى بأن ينزل مستوى اللغة عما تعوده عليها ولهذا فهو يرحب بكل من يسانده في هذا المجال ويثني عليه ويشيد بمن يحسن التعامل مع مفردات اللغة وبيانها وصياغتها ويعتبر ذلك ميزة تستحق منه الإشادة والثناء كما يلحظ ذلك في رده على الشيخ حمزة أبو النصر الذي تساجل معه في شيء من هذا التوجه والمضامين: لبيك يامنقذ الفصحى من اللدد ومنصف الشعر من دعوى بلا سند ومخرج الدر من لجي معرفةٍ شماء يجثو لديها جالب الزبد يا منصف الضاد من فوضى القريض فلم يقبله بين عروض الشعر من أحد لك التحية مقرون بها مقة يحدو بهن ثناء القلب من حمد ويستعرض في قصيدته فحول الشعراء والبيان من الجاهلية وحتى شوقي ممن اعتبرهم رموز هذا الفن ومبدعيه: فأين منا عكاظ في مواسمها والأعشيان ومن يغدو بمنجرد وطرفة وابن كلثوم وعلقمة والنابغيان وابن الأبرص الأسدي وما جرير ونداه إذا احتدموا في ساحة الشعر للفصحى ذوي حسد وشاغل الناس والدنيا ومالئها وناقش الحكم الغرّاء في الصلد وجاء شوقي بالسحر الحلال رؤى خلابة بين منثور ومنتضد لله در القوافي حين يتقنها خبيرها خلدت ذكراه في الأبد وأكثر ما يغيظ الشاعر ويثير حفيظته على المعاصرين من الشعراء الخروج على سمت ما استقام عليه الشعر من مميزات الوزن واللغة ويصفه الشاعر بالغدد التي تبرز على صفحة الوجه وتشوه جماله وانتصاراً منه للشعر الجميل أعدّ لهذه النزعات ظباً حادة لقطع ألسنة أصحابها ويجعل الشاعر مرد ذلك إلى سيطرة الجهل على الساحة الأدبية إلى درجة تغير المفاهيم إلى متناقضاتها: أعددت منها ظباً تودي بألسنة قد شوّهت حسن وجه الشعر بالغدد خلا لها الساح من وزن ومن لغة وساقها الجهل سوقاً غير متئد ويرفض الشاعر كثيراً من نزعات الأدب والثقافة الحداثية ويكاد يكون ذلك مسلكاً عرف به في الساحة الأدبية ولم يقتصر موقفه على الرفض فقط وإنما هو كثير ما يسفّه تلك الآراء ويحمل على أصحابها بشدة وينعتهم بالأدعياء ويرى أنها نزعات بعيدة عن إطار العقل ويصفها باللغو والغثاء والجهل: لاتخذ عنك كثرة الزرّاع في تلك الحقول فجلّها لا يثمر ليت المدار على النهى في حكمها فيما يذاع وما يخط وينشر لعلمت أية قيمة يسمو بها الأدب الأصيل وأي لغو يقبر أما وقد فرض الغثاء وجوده وغدا الدعي من المثقف يسخر أما وقد برز الغثاء وسخرت لرواجه صحف تشيدو منبر فقل السلام على الثقافة والحجا فالجهل في زمن كهذا أجدر وللشاعر مساجلات بينه وبين بعض الشعراء تنم عن مدى ما يمثله الشعر لدى الشاعر من أهمية وصفة عرف بها لدى الآخرين الذين كانت لهم معه مطارحات في هذا الشأن الأدبي جميلة وراقية ومعبّرة عن مضمون شعري متميز في مثل هذا المنحى الشعري الذي يشغل حيزاً من مساحة واهتمام الشاعر. ويبين أن من بعض الشعراء الذين تناغوا مع الشاعر بو شهاب هم أحمد خليفة السويدي ومحمد بن طوق وناجي بيضون وحمزة أبو النصر وغيرهم. وهناك قصيدة جميلة معبّرة جارى فيها الشاعر بو شهاب قصيدة الشاعر الكبير أحمد السقاف أحد بقايا الشعراء المتميزين في الساحة العربية يقول فيها: غرد فما أنت إلا الطائر الغرد وما نشيدك إلا الدر منتضد وما نداؤك بالحق الذي صدحت به قوافيك إلا النصح والرشد ويفخر بما يجاريه من قصيدة السقاف التي يصفها بما يزينها وينسبها إلى جذور أصلها العربي المغرق في الانتماء إلى لغة العرب ودوحة بيانهم .. ويضفي عليها صفة سليلة الضاد أي متحدرة منها كالسلالة: أتحفتنا بفتاة أم والدها بلقيس والجد قيس الفارس النجد سليلة الضاد لافخر ومنبتها جزيرة العرب الأمجاد مذ وجدوا ويثني على العرب بفصاحة اللسان وبأهل الأدب وأن أخلاقهم هي الأصل التي يقاس عليها الخلق .. ويرى أن الأساس الذي يقوم عليه الشعر هو لغة فحول البيان العربي فما وافقهم فهو السليم وما عابوا ونقدوه سقط من سلة البلاغة لا يعبأ به الشاعر ولا يقيم له وزناً: أهل الفصاحة والآداب إن نطقوا فالقول فصل عليه الناس تعتمد بهم تقوّم أخلاق وألسنة ولايقوّم ما عابوا وما نقدوا ويستمر في إعلاء شأن العرب الماضيين الذين أقاموا أسس العدل وفتحوا الممالك وتبوأوا سنام المجد: للدين والعدل ما ضحوا وما فتحوا وللعروبة ما شادوا وما رفدوا تبوأوا من سنام المجد ذروته وغاب عنه سواهم حينما شهدوا إلى آخر ما ورد في القصيدة من أبيات تتضمن أحداثاً ومعاني يوظفها الشاعر لمصلحة الأمة في ظروفها الراهنة. ويصوغ الشاعر المعاني الجميلة الدفاقة في ثوب من التعبير البياني الفياض الذي يلتذه القارئ ويأنس إليه ذوق الأديب: فلولا جياد الشعر ما خلد الوغى مواقف من يلقى المنايا ويقدم فلولا الشعر لضاعت بطولات ومواقف شجاعة في ساحات الحروب والإقدام على المنايا لكن الشعر صاغها وخلدها فأصبحت بفضله مقروءة ومعلومة ترددها أجيال تطاول عليها الأمد منذ تواريخ تلك الوقائع البطولية: ولولا جياد الشعر ماخلد الندى مكارم من يأسو الجراح وينعم فلولا الشعر ما خلدت لنا أخبار الأسخياء من الذين تفيض راحاتهم بالبذل والعطاء من أمثال حاتم الطائي وغيره من عناوين الجود في تاريخنا .. وهذا يذكرني بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكعب بن زهير ما أعطاه سنان لأبيك بلى ونفد وما ألبسه أبوك لسنان بقى ويقصد به مدحه وهذا ما عبر به الشاعر في بيته السابق: ولولا جياد الشعر ماخلد الهوى أحاديث من هاموا وجنوا وتيموا فلولاه لما عرفنا العذريين الذين هاموا بعشقهم وكادوا يجنون به من فرط ولههم: يظل وتفنى دولة الملك والغنى وكل بناء دونه يتهدم فالشعر الجيد يشغف به القلب ويردده اللسان ويمتزج فيه المعنى العذب باللفظ الجميل وهو الذي افتتن به الشاعر وهام به كهيام المحبين إلى درجة أن يصل انتشاؤه به حدّ الثمالة. ثغور القوافي حينما تتبسّم يرفّ لها قلب ويشدو بها فم تسابق معناه عذوبة لفظه فما دق عن أوصافه فهو مبهم فتنت به ذاتاً وكنهاً وصورة وهمت كما بالحب هام متيّم وتسكرني راح القواي فانتشي بها ثملاً والعقل بالوعي مفعم وتمعن في جمال التعبير والمعنى في الابيات التالية في معرض غزله: فأنت له يا نفحة العمر ظله ومغناه في دنيا الهوى وزهوره وأنفاسه من طيب ريّاك تنتشي ولولاك ما طابت ونثت عطوره ولولاك ماغنى على ألبان ساجع ولا رفرفت في الخافقين طيوره ولولاك ما حلو الزمان ومرّه بمجد ولا برد الفضا وهجيره فلا فض فوه الشاعر على هذه الدرر البيانية العالية في قدرها ومقدارها. ويركز الشاعر في قصائده على الغزل العفيف والحب الطاهر الذي يسمو بالنفس ويفخر بهذا النوع من الحب البعيد عن الشبهة والأغراض: أجيبيني هل الحب انتقاص لعزتنا فيرفضه الأبي أم أن الحب إجلال وفخر تسامى أن يحس به الغبي فالجمال والأخلاق معادلة ثابتة لدى الشاعر فيهما سرّ خفي يشدان قلبه ويسيطران على أحاسيسه ولا ينظر إلى الجمال مجرداً عن الخلق وإنما متلازمان معه لينتجان أسر قلبه وليس الخلق لوحده وإنما يتعلق به الحياء ويزينه: إليك يشدني سر خفي بواعثه الجمال اليعربي وأخلاق ينمقها حياء كنبت الروض باكره الندي والحب عنده أرفع من أن يكون وعود لقاءات ورسم أفكار مزيفة من أجل الإغراء والوقيعة بالأنثى في شباك الرجل وإنما الحب في يقينه نور يشع في قلبه ليضيء له طريق الطهر فيمشي على ضوء هديه ووضوح رؤيته بعيداً عن الشبهة فهذا هو الحب الذي يعرفه الشاعر ويتمسك به وحده: الحب ليس لقاءات ينظمها وعد ولارسم أفكار لإعزاء وإنما الحب يسري في جوانحنا كالنور شق طريقاً وسط ظلماء هذا هو الحب أما غيره فلنا عليه بعض اعتراضات وآراء وله قصيدة رائعة في الغزل العفيف الذي يكشف عن مشاعر شفافة للنفس المولهة التي تذوب وتتفاعل مع شئون الحب وشجونه وتعاني من مر الهجر والفراق فيبين فيها أن أبا شهاب يسترق قلبها لترد على رسائله واستفساراته المتوالية ويطلب إليها ألا تهمله إلى هذا الحد الذي يلهب مشاعره ويشقيه بتأثير صدّها عنه: ردي عليّ سؤال كل خطاب لا تهملنّ رسائل الأحباب لا تلهبنّ مشاعري بقطيعة فالصد مصدر شقوقي وعذابي يامن أهيم بها جوى وصبابة وتقيم حول الحب ألف حجاب ولايزال الشاعر يسطر في أشعاره أبدع أوصافه للحب ويعلي من شأنه إلى درجة عالية حيث يصوره بمالك أمره وزعيمه في كل حالاته ولا يكتفي بذلك بل يخطو به إلى ما هو أبعد من ذلك بأن يجعله سيد الأمراء دون منازع لأنه يدخل عليهم قصورهم المدججة بالأسلحة فهو كما يسيطر على أفقر الفقراء في أكواخهم يسيطر في المقابل على الملوك في قصورهم سواء بسواء: الحب سيدنا ومالك أمرنا وزعيمنا في جيئة وذهاب بل سيد الأمراء غير منازع لم يخش من حرس ولا حجاب تلقاه في القصر المنيف مسيطراً ومسيطراً في الكوخ أو في الغاب وهذان من أجمل أبيات القصيدة لما فيهما من صورة تشبيهية بلاغية تعطي للشعر نبضاً وحيوية وحركة. وتكشف الأبيات التالية عن حديث غزلي للشاعر بعيد عن مواطن الشبهة والشكوك وإنما يدور في إطار من العفة والطهر وإظهار وله النفس وتعذر صبرها على ما بها من غلبة الهوى: في كف عذراء الخليج مقره ذات الجمال الباهر الجذاب حاولت أن أضع المحبة جانباً وأعيش مثل بقية الأصحاب فتعذرا الصبر الجميل وأوشكت نفسي تذوب من الهوى الغلاب وكذلك تشعر في أبياته التالية بما تفيض به النفس المولّهة من بوح غزلي مما تعانيه من جحيم الصد والهجران: لاتسألي المشتاق كيف تألقت أبياته وتدفقت أنهاره فالحب جاد به لعينيك التي فيها وفيك تنافست أشعاره لا تقتلي بالصد حباً طالما آوى الأحبة ظلّه وثماره فالوصل جنتنا ومأوى حبنا ونعيمنا والصد حسبي ناره إنا تقاسمنا الهوى فجحيمه في مهجتي ونعيمه لك داره ويوائم الشاعر في أكثر قصائده بين الحب والشعر: فالحب منه بداياتي ومنطلقي إلى الحياة به قلبي شدا وصبا على يديه نسجنا ألف قافية غنى الزمان وأهلوه بها طربا ويقول: ما أخرج الشعر هذا من جوانحنا إلا المحبة لولا أمرها لأبى عيونه من عيون الشعر مترعة فإن شكا ظمأ من نبعها شربا فهما عنده وجهان لعملة واحدة كل منهما يغذي الآخر ويقويه ويمدّه بمعين الحياة والنماء فالحب يرفد نبع الشعر ويزيد دفقه إن كاد أن يجف معينه وتصفّر براعمه: فليس كمثل الحب للشعر رافد إذا جف نبع الشعر واصّفر برعم فالحب هو الذي صيّره شاعراً يتغنى بأعذب الشعر وأجمله: ما كنت قبل الحب قط بشاعر حتى جرحت بلحظه البتار فانساب رقراقاً يداعب وردة قد أينعت في خدّ ذات سوار ويترجم الحب الجميل قصائدا تروى وكم للحب من آثار والحب هو الذي دفعه لنظم كثير من الشعر وتجويده إلى درجة أن يعجب به أهل زمانه فيغنونه ويطربون به ويخصب به الفكر وتستفيد منه العقول: على يديه نسجنا ألف قافية غنى الزمان وأهلوه بها طربا وأخضر منها جديب الفكر فاتزرت بها النهى وارتوى من فيضه الأدب والشعر والحب عنده متلازمان كحاجة الجرح إلى الدواء وأكثر ما يحتاجه الحب هو الشعر لوصف حالات المحب فيما يبوح به ويكتمه: صداه ألاما أجمل الشعر للهوى رفيقان للعشاق جرح وبلسم وليس كمثل الشعر للحب واصف دقائق ما يبدي المحب ويكتم والشاعر يصوغ شعره من تأثير ما به من الحب ويقصر نظمه عليه وحده: يبوح على قدر المحبة مقولي وليس لغير الحب يشدو وينظم وله قصيدة يفخر فيها بنفسه وعلمه وشعره تحت عنوان «من وحي العلم» وهي من القصائد الجميلة والرقيقة في صياغتها وسبكها، ومن الجميلة والفريدة في أفكارها ومعانيها تناغم فيها السبك مع المضمون أدعو القارئ لقراءتها والتمعن فيها ليعرف مدى جمالها ورقتها وما فيها من معان راقية. والشاعر مغرم بشعره معجب به إلى درجة بعيدة تجعله يتباهى به بشكل مفرط فيصفه بأنه فيض من العقل (نسيم الحجا) كوّن هذه الأبيات الفريدة التي لم تلهج بمثلها الألسن مطلقاً. نسيم الحجا أوحى إلى مسمع النهى بدائع لم تلهج بأمثالها اللها ولا يكتفي الشاعر بهذا النعت وإنما يضفي عليه لتميز لفظها ومعناها وصف القلائد النادرة التي لم يتسنّ بعد لجيد الجميلات أن يتحلّين بها. تنازع معناها الجميل ولفظها قلائد درّ ما تحلّت بها المها ويفخر بنفسه بأنه أوتي نصيباً من العلم ما يعد ومضة منه لدى غيره غاية ما أجلها وأبعدها. شدوت ولي من مبلغ العلم ومضة سواي يراها غاية ما أجلّها وليس العلم فقط وإنما يعتد بخلق التمسك بالحق فيه إلى درجة لا يمكن أن يجامل الباطل ويرضيه مهما كانت صولته وقوته. وما أجمل وأبدع وأوقع تأثير هذا البيت في النفس: وما أنا ممن همه من حياته رضى باطل مهما عتا وتألّها ويعجب بطبع الصدق الذي هو عليه فيما يراه محب الصدق أنه بلغ غاية الصدق ومنتهاه: طبيعة نفس يارعى الله طبعها يراها محب الصدق للصدق منتهى ويبالغ الشاعر في وصف نفسه بما يجلها ويرفع قدرها بأنها غرّة تتألق في جبين الدهر وتزدهي بالنور والضياء: لها في جبين الدهر أنصع غرّة يجفّ لها نور تألق وأزدهى ومن اعتزازه بشاعريته يصور نفسه وقد طاوعته شوارد الألفاظ حتى صارت أليفة طيعة لديه يختار منها ما يروق له وهو الأديب المفوه: شواردها مفتونة بأليفها وما ألفت إلا الأديب المفوها ويوغل الشاعر في مدح قصائده بما يزينها ويرفع مقامها: بها يرتوي غصن القريض نضارة ويرقي بها قلب هوى فتدلّها سلام على قلب المحبة ونسمة تعطّر من أنفاسه ما تأوّها والشاعر يعلم أن هناك بعض المتربصين به الذين قد يتناولون شعره بالنقد والتجريح فيقرر مسبقاً تنزيه شعره عن هجائهم والرد عليهم. ومن فرط إعجابه بشعره رفعه إلى درجة أن أسكنه النيرين وأحاطه بهالة من شعاع العلم الذي يحير العقول فيه: سمت في رحاب النيرين وكوّنت لها من شعاع العلم ما حيّر النهى ومن شدة تباهيه بشعره يقرر بأن به من فيض نور العلم ما غطى على ضوء السماكين والسها فكانت معه ولا يرى غير نوره فقط: غذاها نمير العلم من فيض نوره فغاب بها ضوء السماكين والسها ويثني الشاعر على العلم وأثره في رفع مقام أناس كانوا قبله في الدرك الأدنى: فلله در العلم كيف ارتقت به عقول أناس كنّ بالأمس بلّها ولا يهمنا إعجاب الشاعر بشعره إلى هذا الحد المفرط وإضفاء أوصاف التميز والعلو عليه حتى أوصله إلى النيرين وجعل له من النور ما غطى به على ضوء النجوم الساطعة فذلك شأن الشاعر في الفخر والتباهي بنفسه وشعره ولنا من كل ذلك جمال الشعر ورقته وحسن بيانه وربما لا نوافقه على درجة مبالغته فيه. والشاعر من الذين يتفاعلون مع عذب الشعر وصادق البيان فيروي منه غليله الظامئ وعنده أن الشعر الجميل يبقى على مر الليالي تتناقله الأجيال وتسرى به الريح من مكان إلى مكان. وتروي الليالي لليالي حديثها حديثاً به ريح الصبا تترنّم ومن فرط انتشائه بالشعر بلغ حدّ الثمالة فيه كناية عن سيطرة الشعر عليه كالسكران الذي تستولي الخمر على حواسه ولكن عقل الشاعر يبقى مفعماً بالوعي والشفافية: وتسكرني راح القوافي فانتشي بها ثملاً والعقل بالوعي مفعم ويعيش الشاعر حالتي سخاء الشعر وجدبه فعندما يجود يسيل ماؤه ويعذب زلاله ويسابق جمال معناه رقة ألفاظه وتعبيراته وعندما يشح يصمت لسان الشاعر فلا يكاد يقول شيئاً: إذا جاد فالعذب الزلال نواله وإن شحّ فاللفظ الحلال محرّم ومر زمن على الشاعر كعادة المتعاملين مع الكلمة جفت عنده ينابيع شعره وأمحلت رياضه لفرط هجير الفكر والبيان لديه إلى أن جاءته فترة درت عليه فيها سحائب الشعر فأخصبت أرضه ونمت أشجارها فتفيّأ الشاعر ظلالها وصدح لسانه بأعذب النشيد: تفيأت ظل الشعر بعد هجيره ومن بعد ما كاد الأسى يتحكّم وللشاعر أبيات كثيرة يتغنى فيها بشعره ويفخر ببيانه حتى أنك لا تكاد تفقد شيئاً من ذلك في معظم قصائده إن لم يكن كلها مقتف في ذلك أسلوب الشاعر المتنبي في الفخر بشعره خاصة أمام ممدوحيه .. فيذكر الشاعر بو شهاب بأنه مدح وأرخ وساجل غيره من الشعراء المتمكنين في العلم فكان في كل ذلك المتميز والمتقن لعمله: مدحت أرخت ساجلت الذين لهم علم وما كنت إلا المتقن العملا وإن صنف الجهل راحلة الشاعر خلف الركب فإنه لا يهتم به لأن العلم يحكم له بالسبق والتقدم والعبرة بحكم العلم لا بتصنيف الجهلاء. إن صنف الجهل خلف الركب راحلتي فالحكم للعلم لا ما صنف الجهلا ويعتذر للممدوح عن تأخر تهنئته عليه بعض الوقت لأنه كان مشغولاً بتحسينها واتقانها وتقديمها في ثوب من الجمال والتميز: تأخرت عنك بعض الوقت تهنئتي وعذرها السبك إتقاناً وتحسينا وهو يتحدى بقوة لأن يشوب شعره شيء من عيب في الوزن أو تكلف في المعنى أو تقعر في اللفظ وإنما هو في غاية الحسن والجمال والذوق كالجدول الرقراق: تبت يداها إن أخل بحسنها وزن يضيق به الأديب النيّر أو شان معناها الجميل تكلف في النطق أو شاب البيان تقعّر .................... تنساب مثل الجدول الرقراق في نسق فيستهويك منها المنظر ويشبه ألفاظه بالورود المتفتحة في أكمامها يفوح منها العطر ويروق منها حسن منظرها: تتفتح الألفاظ في أكمامها كالورد رائحة يروق ومنظر وينبع شعره كما ذكر من أعماق قلبه فيصوغه من واقع ومعرفة بالذوق الأدبي وتأتي قوافيه مفعمة بنبض الحب صادقة ما بها زيف ولا كذب: شعراً تخيّره قلب وباركه فهم وشارك في تنظيمه الأدب من كل قافية بالحب مفعمة عصماء ما شابها زيف ولا كذب ويصف شعره بالجوهر الذي يمليه قلمه ويرصع أبياته بالذهب ويخط الشاعر أروع ما يمكن أن يشدو به مترنم وأجمل ما يمكن أن يجني من هذه الدوحة اليانعة: أوحى الفؤاد إلى اليراع الجوهرا فمضى يرصّع بالنضار الأسطرا ويخط أروع ما شدا مترنم غرد وأجمل ما جنى وتخيّرا ويخاطب ممدوحه بأن سر البلاغة مخبوء تحت طيّ لسانه الذي يصوغ بدائعه ويأتي ذلك من تقدير الممدوح لهذا الشعر النيّر النضر ولذا فهو يهديه أغلى ما تنطوي عليه جوانحه وهو عبارة عن عقد فريد تفوق فرائده الجواهر الثمينة. سر البلاغة في بدائع منطقي تقديرك الشعر النضير النيّرا .................... فإليك أغلى ما تضم خزانتي عقداً فرائده تفوق الجوهرا والشاعر لديه علم ومعرفة بتاريخ الأدب العربي ورموزه من الشعراء والأدباء والمثقفين مما يتسنّى له أن يوظف شيئاً من ذلك في أشعاره للتدليل على وجهات نظره ومقاصده ويشير إلى عمق ما لديه من هذه المعرفة في قوله: أدارس الدهر فيه ألف حادثة عن القرون وأروي عنه ما كتبا ويؤكد على علمه بتفاصيل حوادث التاريخ وأخباره التي لا تغيب عنه وإنما يعيش لحظاتها: أعيشها بالثواني إثر ثانية وقد أراني الرواة الجد واللعبا ولم تأته هذه المعرفة بيسر وإنما سهر من أجل الحصول عليها ليالي استغرقها في قراءة التاريخ ولم يكن قصده المعرفة فقط ولكنه يهدف من ورائها تتبع الحق والوصول إليه من خلال فحص الروايات واستخلاص الصادق منها. ليت الليالي التي أبليت جدتها بحثاً عن الحق أقفوه وإن حجبا تذاكر الناس عن جهد ومعرفة وتسترد من التاريخ ما سلبا ففي الروايات أهواء وأمزجة وظالم الصدق لا يستشعر الكذبا لابد لابد من تحميص ما نقلوا وما رووا منه شعراً كان أم أدبا ولقد تعرض الشاعر في شعره لوقائع تاريخ وطنه من خلال تفنيد مزاعم الأعداء الذين شوهوا الأحداث التي عاشتها المنطقة والرد على افتراءاتهم في معرض القصيدة التي قالها بمناسبة حصول صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة على شهادة الدكتوراه عام 1985 ويصفها بأنها من فيض أعماقه ينساب جدولها صافياً رقراقاً كما يهنئه بالعلم الذي حصل عليه ويدعوه لأن يمرح فيه ويرتاد رياضه ويستميحه عذراً في تأخر تهنئته له بعض الوقت لأنه كان بصدد تحسينها واتقانها لتليق بمقام المهداة إليه ولتلفت نظر قارئها من جمالها ليحيى الشاعر على جودتها. أبا محمد هذا فيض جانحةٍ ينساب جدولها الصافي أفانينا هنئت بالعلم فامرح في مرابعه وارتد رياضاً حواشيها رياحينا تأخرت عنك بعض الوقت تهنئتي وعذرها السبك إتقاناً وتحسينا حَتّى إذا ما أطلت قال ناظرها في لفظها الفذ حي الله شادينا وأكثر ما يغيظ الشاعر كذب الأجانب في كتابة التاريخ وتغيير حقائقه لذا فهو يمتدح نهج صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي في البحث عن حقيقة تاريخ المنطقة وكشف أسرار ماضيها المجيد ليس من باب التعصب للذات وإنما بالأدلة الكافية. دع الحقيقة تجلي سر ماضينا يا ابن الأباة فإن الأمر يعنينا دعها على رسلها تمضي ففي يدها من الأدلة ما يكفي ويغنينا على سجيتها دعها تجد عجباً من أمرها الفذ إيضاحاً وتبيينا فأنت أدرى بها ممن يشوهها بزيفه فليقل ما شاء شانينا ويصف الشيخ سلطان بابن أولئك الأماجد الذين جاهدوا وبنوا مجداً مؤثلاً ويثني على ما قام به من جهد مضن في البحث في تاريخ الأمة: يا ابن الأباة الذين استبسلوا وبنوا مجداً عظيماً فكانوا خير بانينا فنّدت بالبحث ما صاغوه من حيل بالافتراءات من تاريخنا حينا إذ رحت تبحث في تاريخ أمتنا عن مجدها باجتهاد لن يؤاتينا ويشير الشاعر إلى ما كان يقوم به نفسه من استقصاء للوقائع من أفواه الرواة الثقاة وما يبذله من جهد للوصول إلى غرضه الذي يقرب منه حيناً ويبتعد عنه أحايين أخرى فإذا به يبشّر بحصول الشيخ سلطان على هذا السبق الذي قرت به عينه. وكنت قبلك استقصي وقائعها من الثقاة واستجلي المضامينا وبينما أنا ماض خلف بارقة تلوح حيناً وتستخفي أحايينا إذْ بي أبشر عما حزت من قصب في السبق قرت به عين المحبّينا والشاعر لكونه باحثاً فهو يقدر للشيخ سلطان الجهد الكبير الذي يبذله في هذا الشأن وتضحيته من أجل هدفه شأن غيره من المضحين: يا باذل الجهد في حل ومرتحل ومدرك الشأو تحصيلاً وتمكينا نبذت راحتك الكبرى إلى هدف من أجله طالما ضحى المضحونا وفرحة الشاعر تتمثل نتيجة ما أجلاه الشيخ من أكاذيب الأعداء الذين يرجون بأن غزوهم لسواحلنا كان اضطراراً لحفظ الأمن .. ويتهكم عليهم للفرية التي أطلقوها على القواسم بالقرصنة فكأن أهل هذه المنطقة هم مغتصبو نهر السين التابع للإنجليز وأنهم هم أهل الخليج وأهله غرباء عنه: به جلوت دجى التاريخ من دجل مروجوه بلا شك أعادينا مثال تبريرهم في غزو ساحلنا غزو اضطرار كما كانوا يشيعونا كأنما نحن من جاءوا ليغتصبوا من الفرنجة قسراً نهرها السينا أما همو فهمو أهل الخليج لهم حق السيادة فيه مطمئنينا وينعي عليهم قلب الحقائق في تصويرهم الظلم رحمة وهم الذين اعتدوا علينا في أراضينا .. ويحمل عليهم بقوة بأنهم كاذبون مدعون فلين ملامسهم لم تخدعنا فهم في نظر الشاعر شياطين .. وينفي الشاعر تهمة القراصنة عن القواسم وأنها جاءت نتيجة وقوفهم في وجه الغزاة الإنجليز وصدهم عن سواحلنا التي لا حق لهم فيها فنحن أهلها: إلى الذين يرون الظلم مرحمة المعتدين علينا في صياصينا لين الملامس منكم لم تخادعنا وما وجدناكمو إلا شياطينا أتعتدون علينا في مواطننا ولا نصدّكمو عنها بأيدينا فإن أبينا وذدنا عن سواحلنا ظلم العداة وحكّمنا مواضينا نعدّ في نظر الغازي قراصنة لم نرع فيهم عهوداً أو قوانينا قل للذين أتوا من أرضهم طمعاً فينا وفي أرضنا كي يستذلونا هذي البحار التي عثتم بحرمتها من أهلها نحن أم أنتم أجيبونا فنحن أبناؤها لا الطامعون كما يظن من ليس يدري عن مغانينا ويرى الشاعر أن تهمة القرصنة انطلت على من يجهل التاريخ فأضحوا يرددونها دون علم بحقيقتها أما الحقيقة فإن أهل المنطقة مسالمون ما اعتدوا على أحد إلا على من جاء لايذائهم: ولو درى جاهل التاريخ موقعنا أو كان يعلم شيئاً عن شواطينا لما انطلت حيل الباغي عليه ولا مضى يروج قولاً كاذباً فينا فما أدّعينا بلا حق على أحد وما ردعنا سوى من كان يؤذينا ويترحم على الماضين الذين قضوا دفاعاً عن أرضهم ضد الأعداء ويدعو لهم بالجنة فلم يكونوا يوماً موالين للباغين .. ومن اعتزازه بهم يشبههم بالبدر يستهدى بنورهم وبالبساتين اليانعة يستظل بهم في هجير الضحى ويهديهم ألف تهنئة كأنها النوار والنسرين من جمالها ونفح عطرها: في جنة الخلد من ضحوا لدينهمو ولم يكونوا الباغٍ بالموالينا كانوا كما البدر يستهدى بنورهم وفي هجير الضحى كانوا بساتينا إلى أولئك أزجى ألف تهنئة يزفّها الشوق نوّاراً ونسرينا وتبين أبيات القصيدة عن إلمام بأحداث تاريخ المنطقة ولاشك فإن الشاعر على صلة بهذا التاريخ من خلال اطلاعه ودراسته. ولقد تفاعل الشاعر مع دعوات القومية والمد الوحدوي التي كانت سائدة لدى جيل الستينات في رفض الاحتلال الاسرائيلي ومناهضة الاستعمار الأجنبي فلم يكن مفصولاً عن قضايا أمته ووطنه ولكنه شارك بشعره وشعوره بصدق وفاعلية في هذا التوجه القومي الذي كان من أحد دعاته في فترة من حياته .. وكان له في هذا الشأن قصائد وأبيات على قدر من الأهمية والجمال. والشاعر عروبي حتى النخاع يتغلغل حب العروبة في أعماقه فلا يرضى لها الهوان ويسعى بكل ما أوتيه من قوة للانتصار لها والدفاع عنها ويدعو العرب لأن يقوموا بدورهم في رفض الظلم ونبذ العار الذي ألبسوه والثورة العارمة حتى يتحقق لهم النصر المبين: أشدو لأهل الحب لحناً خالداً وأثور ضد الظلم كالاعصار أنا للعروبة أينما وجدت أخ يسعى لعزتها بكل فخار شعب الإباء آتاك دورك فاضطلع بالعبء وأخلع عنك ثوب العار أقدم ففي الأقدام عزة موطن فالنصر للثوار للأحرار وينشد الشاعر حياة العز والشرف التي تدافع عنها الأمة بدماء أبنائها وتضحي من أجلها بالمال وإلا فالموت خير من حياة الذل والتبعية. فإما حياة نبذل المال والدما لعزتها أو موتة وهمود ولا يقبل الشاعر في دنياه إلا أن يعيش عزيزاً وتأبى نفسه أن تقبل الضيم تحت أي ظرف: بل خير دار لنا دار نعز بها إن الكريم يرى في الضيم إضراراً فكيف أغضي على ضيم ولي شرف به أقارع أهوالاً وأخطارا وينعي الشاعر على الأمة عدم امتلاكها زمام القوة التي تدافع بها عن نفسها وترد بها حقوقها السليبة .. وعنده أن الحق لابد من أن تحميه أسلحة فتاكة وجنود كثر لمناصرته أما إذا تجرد الحق من مناصرة القوة له فلا مجال لعودة حقوق العرب ولا عزة ستعود للدين. ولكن حق الحب في الشرع ضائع وما كل حق ضائع سيعود إذا لم تناصره الفوارس والقنا وتملأ آفاق البلاد جنود وإلا فلا حق يرد لأهله ولا عزة للدين سوف تعود ويتعجب الشاعر من حال العرب الذي وصلوا إليه وكيف يمكنهم أن يسودوا ويعيدوا بناء أمجادهم الماضية من غير أن تكون لهم همة وعزيمة على تغيير هذا الواقع التعس.. ويستنهضهم بأن تكون لهم تلك الهمة المطلوبة التي تمكّن لهم السيادة على أرضهم وتزلزل لهم الجبال الراسيات: وكيف يسود المرء من غير هِمةٍ لها الراسيات الشامخات تميد وقد كان الشاعر ناصرياً كأبناء جيله الذين كانوا يرون في جمال عبد الناصر رمزاً للعزة العربية والنصر على المستعمرين فدبج فيه قصيدته .. يفخر فيها الشاعر بناصر ما لم يفخر بغيره من الزعماء على مدى تاريخ العرب كله حيث يعتبره فريداً لم تحظ العروبة بمثله منذ سقوط الخلافة: منذ الخلافة لم تنجب عروبتنا كناصر مثلاً أعلى الأحرار ويضفي عليه مجموعة من الصفات التي تميزه مثل قائد العرب والزعيم والضيغم الضاري ورجل الأمجاد وغير ذلك من النعوت: يا قائد العرب في أقسى معاركها أنت الزعيم وأنت الضغيم الضاري فلو تجسدت الأمجاد في رجل لكنت أنت بلا شك وإنكار أنت الهمام الذي لولاك ما نهضت عروبتي ومضت في عنف إعصار ويستغرق في تسجيل بعض إنجازاته الثورية ومساهماته الفاعلة في دفع عجلة النضال ضد المستعمرين ومؤازرة الشعوب في كفاحها من أجل الحرية والاستقلال.
