بينما يسعى الرسامون الطليعيون إلى تحدي العادات الاجتماعية وتوسيع الحدود لما هو مقبول للعرض العام، فان المشاهدين يصدمون مرارا وتكرارا واحيانا يشعرون بالاشمئزاز، مما يشاهدون، كما اظهرت العديد من الحالات الشهيرة في متاحف نيويورك في السنوات الأخيرة. وقد يكون لفن الرسامة لي ليمين، التي اقامت المعرض الأول لأعمالها في عام 1996، التأثير نفسه على بعض المشاهدين. فبدقة متناهية، تصور رسوماتها الأوعية الدموية والاعصاب والعظام والأعضاء واجزاء الجسم الأخرى في جروح مفتوحة. ولكن نية لي هي التثقيف وليس اثارة الصدمة. فهي عضوة في طاقم العاملين بمستشفى تشانغ غونغ ميموريال بمدينة تايبية، والرسومات التي انتجتها خلال الأعوام العشرة الماضية مصممة لمساعدة الجراحين على فهم ما سيواجهونه في سياق العملية الجراحية. وتقول لي بهذا الخصوص: «يتعجب اصدقائي لماذا ارسم مثل هذه الصورة التي قد تبدو مروعة ومثيرة لاعصابهم. ولكنني اقوم بوضع رسومات تصميمية لجسم الانسان تماما مثلما يقوم المهندس المعماري باعداد مخطط هندسي قبل بناء البيت. ونظرا لتخصصها في التصميم التجاري في الجامعة، فقد كان من المتوقع ان تدخل مجال الأعمال. وقبل ان تعرف في عام 1992 بأن مستشفى تشانغ غونغ يسعى لتعيين رسام طبي، لم تكن تتخيل أبداً ان ينتهي بها الامر الى العمل في هذا المجال. ولكن في ذلك الوقت، كانت لي قلقة جداً بشأن والدتها، التي كانت مترددة في استشارة الطبيب على الرغم من تراجع بصرها بسبب معاناتها من اصابة حادة بمرض اعتام عدسة العين. واعتقدت لي ان العمل في أحد المستشفيات سيساعدها في العثور على طبيب جيد والتعرف على كيفية تخفيف مخاوف والدتها. وهكذا تقدمت للوظيفة وحصلت عليها في قسم الجراحة التجميلية والبلاستيكية في المستشفى، وبدأت عملاً جعل اسمها معروفاً في الدوائر الطبية ليس فقط على مستوى الوطن وانما على المستوى الدولي ايضاً. وبشكل تدريجي، استطاعت لي ان تصقل مهاراتها عن طريق دراسة علم التشريح ومن خلال مراقبة الجسم البشري اثناء العمليات الجراحية. ولكن بقدر ما كانت تلك التجربة التعليمية مفيدة، فقد كانت محبطة احيانا. وهي تتذكر كيف شعرت بعدم ارتياح بعد أول مرة قامت فيها برسم جمجمة بشرية حقيقية، ولكنها الآن اصبحت معتادة على اجواء عملها. وعادة ما تبقى لي في غرفة العمليات لمراقبة العمليات الجراحية كاملة قبل ان تعود الى مرسمها لتسجيل ما شاهدته من ذاكرتها بفرشاتها. وتقول حول هذا الأمر: «خذ نفساً عميقا وستهدأ اعصابك في مواجهة تلك المناظر المرعبة». وفي الواقع انه لم يعد يزعجها ان تمسك بجمجمة حقيقية عندما تحتاج الى استخدامها كنموذج. وتقول عن جمجمة لرجل موجودة في مرسمها منذ سنوات: «انني اتعامل معها باحترام. فهي تساعدني على تحسين مهاراتي، الأمر الذي سيساعد بالمقابل الاطباء كثيراً. وأنا اشعر بامتنان لما تفعله بالنسبة للاشخاص الاحياء». ولتعزيز مهاراتها، ارسل المستشفى لي الى اطلانطا في ولاية جورجيا الاميركية لمدة ثلاثة اشهر في عام 1993 ـ 1994 لكي تتعلم من ويليام ويون، وهو شخص ضليع في الرسوم التوضيحية لعلم التشريح المتعلقة بجراحة تجميل جمجمة الوجه. وتعلمت لي، الخبيرة في الرسم بالألوان المائية، مهارة الرسم بقلم الرصاص من معلمها الأميركي. وخلال هذه الفترة، اصبحت لي معتادة على الرسم بالمرذاذ الهوائي المستخدم بشكل شائع في الرسوم الطبية. غير انها لم تستخدم هذا الاسلوب لدى عودتها الى تايوان لأن الرطوبة العالية تزيد من احتمال استنشاق رذاذ الطلاء. وبدلا من ذلك، اعتمدت لي بشكل اساسي على الألوان المائية مع ان الكثير من الاشخاص الذين يشاهدون اعمالها يظنون انها رسومات زيتية. وتشير الى ذلك قائلة: «انني اضع طبقات عدة من الطلاء لتحقيق مفعول الرسم بالزيت. وبقدر علمي، فان هذا الاسلوب اتفرد به لوحدي». وبالاضافة الى المهارات التقنية، فقد علمها مدرسها الأميركي اهمية التواصل عن كثب مع الاخصائيين الطبيين. وتعتبر لي نفسها محظوظة جداً بأن حظيت بفرصة الدراسة مع وين، وذلك لأن فرص الحصول على تدريب بمستوى عال في مجال الرسم الطبي تعتبر نادرة. وتشير الى ان خمس مدارس طبية فقط في العالم، وجميعها في الولايات المتحدة، قامت بانشاء اقسام للرسم الطبي. ويشرح واي فوتشان، نائب مدير مستشفى تشانغ غونغ في تايبيه، اهمية الرسم الطبي بقوله ان الرسومات الجيدة قد تكون نفيسة جداً عندما يرغب طبيب ما بعرض اسلوب جراحي جديد سواء أكان ابتكاراً جديداً او تعديلاً لأسلوب قائم ـ على الاوساط الطبية. وبعد الترتيب لرسام طبي لكي يراقب العملية ويسجل الاجراءات، يقوم الجراح بعد ذلك بوضع الرسومات مع النص الذي كتبه لدى تقديمه لورقة بحث في مؤتمر طبي او لمقالة في احدى المجالات. ضرار عمير