آخر شيء تريده أوروبا هو اتهامها بالجبن بخصوص غزو العراق، ولكن الأميركيين يتحدثون عن الإطاحة بصدام حسين بالقوة العسكرية ويثيرون مخاوف في أوساط الحكومات الأوروبية، تقول ان اي خطأ في الحسابات الأميركية يمكن ان ينسف الائتلاف الدولي الذي يحارب ضد الارهاب ويقوض الدبلوماسية ذات القاعدة العريضة الضرورية لحل الأزمة بين اسرائيل والفلسطينيين. كما تخشى الحكومات الاوروبية من ان الحرب ضد العراق سوف تدق اسفينا بين بريطانيا وبقية الدول الأوروبية. وقال مسئول فرنسي في مقابلة اجريت معه في باريس ان مساعدي الرئيس جورج بوش المحافظين اصبحوا مهووسين بغزو العراق في حين ان الاوروبيين اصبحوا مهووسين بتحقيق السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين. والشيء المهم هو تشكيل ائتلاف من اجل السلام في الشرق الأوسط وليس بناء ائتلاف من اجل الحرب في العراق. واضاف المسئول الفرنسي ان حديث واشنطن المتزايد عن تغيير النظام العراقي يعطل الخطط الدبلوماسية للضغط على صدام حسين لفتح بلاده مجدداً امام مفتشي الأمم المتحدة عن اسلحة الدمار الشامل. وفي بريطانيا نقلت الصحف عن رئيس الوزراء توني بلير انه يستعد لتوجيه نداء لاستدعاء قوات الاحتياط العسكرية في الخريف المقبل وبأنه سحب الفرق المدرعة من مناوراتها العسكرية لكي تصبح جاهزة للقتال هذا العام. وفي مجلس العموم البريطاني قال بلير ان بريطانيا جمعت ادلة مكثفة لتثبت ان صدام حسين مازال يحاول تطوير اسلحة دمار شامل وان بريطانيا سوف تنشر تلك الادلة في الوقت المناسب. وفي الخريف الماضي نشرت الحكومة البريطانية أول تقرير مفصل حول العلاقة المباشرة لاسامة بن لادن بهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة وبذلك قدمت حجة مهمة لتبرير الحرب في افغانستان. ومع ان هناك اتفاقاً في العواصم الاوروبية على أن حكومة صدام خطيرة وربما تحتاج لمواجهتها يوماً ما لكن كل اتفاق ينهار حول الاولويات الاستراتيجية في الشرق الاوسط والذي يعتبره الاوروبيون ارضا مجاورة لتجارتهم وأمنهم. وفي ظل كون الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة يبدي الأوروبيون عصبية غير مسبوقة تجاه اي تلميح بان الولايات المتحدة تتجاهل وجهات نظرهم أو أنها تفترض كما قال أحد المسئولين الالمان ذات مرة بأننا «أوروبيون جبناء» عندما يتعلق الامر باستعمال القوة. وحذر خافيير سولانا المسئول الاول عن الامن الاوروبي من مغبة «شن حرب ضد العراق. فإذا جعلنا صدام حسين يعتقد ان هذا الخيار ثابت لارجعة عنه ما الذي سيجعله يستسلم للمفتشين وسيكون من الصعب جدا الحفاظ على دعم الحلفاء لهجوم ضد العراق الا اذا تم تحقيق تقدم اولا تجاه ايجاد دولة فلسطينية». وقال احد القادة الاوروبيين ان العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني احتج له لان تقارير قالت ان الاميركيين يفكرون بشن هجوم على العراق من قواعد جوية اردنية في وقت وصل فيه اليأس العربي ذروته بسبب غياب تحقيق تقدم على جبهة السلام. والى جانب الشرق الأوسط يشير الأوروبيون الى ان الوضع حرج في افغانستان بخصوص تحقيق الاستقرار حيث ادى تدخل الدول الغربية الى تحطيم نظام طالبان ولكنها لم تضمن النجاح لحكومة حامد قرضاي كبديل مستقر. وقال مستشار للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر «رغم التفهم لنفاد صبر أميركا تجاه العراق الا ان هناك مخاوف ضخمة من أي شيء يعمل على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. فالامور سيئة بما فيه الكفاية حالياً ولا نريد زيادتها سوءاً. فالقادة الاوروبيون ومعظم الدول العربية رحبت بالاجتماعات التي عقدت مؤخراً من قبل وزراء خارجية عرب وحكومات غربية حول كيفية تحسين الامن لاسرائيل ضد «الانتحاريين» في الوقت الذي يتم التحرك فيه نحو المفاوضات التي ستحقق التصور للدولة الفلسطينية في غضون ثلاث سنوات. ولكن هذه المبادرة المدعومة أميركيا مجرد خطوة أولى وستتطلب شهوراً من الدبلوماسية المكثفة لتحقيق تقدم حقيقي. ويقول سولانا ان الوقت ضيق جداً لتحقيق شيء قادر على تغيير وجهات نظر القادة العرب والرأي العام في المنطقة خصوصا اذا كانت الولايات المتحدة تريد التفكير في شن حملة عسكرية ضد العراق في فصل الشتاء المقبل. وتساءل سولانا: هل سيتم الحشد لشن حرب على العراق في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي؟ سيكون من الصعب جداً عقد انتخابات في ظل تلك الظروف. وحتى الحكومة البريطانية ميزت موقفها عن الموقف الأميركي تجاه العراق. وقال مسئول بريطاني: نعتقد أن تغيير النظام امر مرغوب به ولكن هدفنا هو وضع حد لخطر اسلحة الدمار الشامل بإعادة المفتشين الدوليين الى العراق. ولكن المسئول البريطاني قال بخصوص الحملة العسكرية المحتملة: من الواضح ان التخطيط لها مستمر والانتقادات الاوروبية للدعم البريطاني للتدخل العسكري الأميركي لن تؤثر على السياسة البريطانية. وقال: صحيح لا احد يريد الدخول في حرب ولكن أحياناً لا يمكنك تجنبها ولذلك سوف نهتم بمصالحنا، فإذا كان الآخرون غير حازمين مثلنا ليكن الأمر كذلك ولكننا لن نغير موقفنا بسببهم. ومازال تصميم بريطانيا على البقاء مسايرة لأميركا يثير تساؤلات كبيرة حول آفاق أي حملة عسكرية في العراق. فالاسئلة الجوهرية المطروحة في لندن وباريس وبرلين على واشنطن هي نفس الأسئلة: من الذي سيضمن وحدة أراضي العراق بعد الحرب؟ وما هي الحكومة التي ستخلف نظام صدام حسين؟ هل الولايات المتحدة مستعدة لغزو العراق واحتلاله لعشر سنوات أو اكثر لحماية الحكومة البديلة من أية هجمات تستهدف تقويضها من قبل إيران وسوريا؟ ومن الذي سيدفع فاتورة الحرب؟ ويقول وزير خارجية ألمانيا يوشكا فيشر: «سنتضرر بشكل مباشر إذا أخطأ الأميركيون في حساباتهم» «وشكك بأن صدام يمثل خطراً استراتيجياً على الأمن الغربي. ولكن في النهاية قال انه قرار الولايات المتحدة وستكون نتائجه علينا جميعاً والامر قبل كل شيء جدل دائر داخل الولايات المتحدة، وليس هنا والقرار ايضا ليس هنا في أوروبا». ومن الواضح ان برلين تشعر بخيبة الأمل من جراء عدم اشراك اميركا لحلفائها في الجدل الدائر حول العراق. ومثلما قال المستشار شرويدر بعد 11 سبتمبر تولد لدينا إحساس بأن أميركا ستتخذ سياسة متعددة الاطراف تجاه الشئون الدولية ولكن إدارة بوش اصبحت اكثر اصراراً على التحرك بشكل منفرد في مجالات كثيرة جداً لدرجة ان الناس في أوروبا بدأوا يتساءلون عما إذا كانت لدى الإدارة أية سياسة جديدة. عن «نيويورك تايمز»