الطرفان يندفعان في سيارة لا سائق لها.. ولا يوجد من يوقفها لا بد ان من يقرر القاء قنبلة بوزن طن كي يقتل قاتلا واحدا في قلب منطقة سكنية مكتظة، يحمل معه أحاسيس شديدة، الحدة من الغضب على العمليات ضد المواطنين الاسرائيليين، والاحباط من طريقة ادارة الحرب. وبالفعل، فان الجيش الاسرائيلي غاضب مثلما لم يغضب من قبل في أي حرب سابقة. هكذا يحصل عندما يتم العثور على رئيس الذراع العسكرية لحماس، فانهم يقررون انه لا يجب السماح له بالتملص مهما كانت النتائج. وفي المواجهة الراهنة استخدم سلاح الجو لمرة واحدة قنبلة بوزن طن. وعندها ايضا كان تراكم غضب شديد، وكان الهدف محمود أبو هنود، وقال محققو العمليات في سلاح الجو انه يجب استخدام مثل هذه القنبلة، وذلك لانه اذا ما نشأت بالفعل فرصة لا تتكرر، فلا ينبغي استخدام المروحيات بل طائرات اف 16، القادرة على ان تحمل قنابل أكبر وزنا. وفي نهاية المطاف، فان الرجل الذي أرادوا قتله نجا وأحد عشر شرطيا فلسطينيا أبرياء قتلوا عندما انهار المبنى. ومن حسم هذه المرة هم محققو العمليات في سلاح الجو ـ وكأن الحديث لا يدور الا عن قرار فني فقط. ونسيت التعليمات القديمة التي قالت انه ينبغي الحذر من كل خطأ على نمط قانا. والأمر يثير اسئلة عسيرة عن سياق اتخاذ القرارات في اثناء ادارة الحرب. فقد اتخذ هنا قرار مهم لم يشارك فيه بشكل نشط ومباشر سوى رئيس الوزراء. ومثلما في الحالات المشابهة في الماضي فانهم يشرحون بأنه نشأت فجأة فرصة نادرة للعملية. وزير الدفاع، بنيامين بن اليعازر، كان في بريطانيا. وهو لم يشارك في المداولات مباشرة ولكنه تلقى تقريرا من سكرتيره العسكري، مايك هرتسوغ. وكان قبل ان يسافر قد فرض قيودا تضمن ان تكون الساحة نظيفة من المواطنين. أما موافقته النهائية على العملية فقد أعطاها وهو في طريقه الى الطائرة حين أبلغته الاستخبارات انه قرب شحادة، لا يسكن سوى شخصين. وقد أخطأت الاستخبارات والقيادات ضللت، وينبغي فحص السبب وراء هذا الخطأ. أما الخطأ الثاني فكان في التقدير الفني الذي قال ان الضرر للمحيط المجاور سيكون بالحد الأدنى رغم حجم القنبلة. ولكن تجربة الماضي لا تبرر هذا الاستنتاج. ويقولون انه كانت في قسم العمليات شكوك منذ البداية حول القرار. وآخرون يقولون انه مع الأخذ بالحسبان ان شحادة اعتزم تنفيذ عملية كبرى اخرى، فانه لا داعي للندم على القرار المبدئي بالمساس به. يعاني الموقف من التشوش بسبب المقايسة التي تجريها اسرائيل حين تواجه منتقديها بأعمال الفلسطينيين الذين يقتلون الشيوخ والاطفال. فهؤلاء، على حد زعم اسرائيل، يبحثون قصدا عن المدنيين للمساس بهم، ولا سيما الاطفال، أما نحن فننزلق الى وضع لا يعود فيه يهمنا اذا ما أصيب مواطنون فلسطينيون. بيد انه ينبغي ان يكون واضحا ان السلوك الفلسطيني القاتل لا يبرر تجاهل مقتل الاطفال الفلسطينيين، حتى ولو دون قصد. والدليل هو انه ردت في الماضي ردا قاطعا كل الأفكار التي دعت الى تفجير سيارات مفخخة في المدن الفلسطينية كعمليات انتقامية. ناهيك عن ان هناك تضاربا بين هذا التجاهل لاصابة السكان المدنيين وبين نهج آخر يسود في الجيش، والذي يقول ان الموقف من السكان الفلسطينيين سيؤثر على نتائج المعركة وعلى مستقبل العلاقات بين الشعبين. ان الاستنتاج المثير للكآبة ـ في ان اسرائيل والفلسطينيين يعيشون حالة من الدوخان جراء التدهور الذي يبعدهم عن الحل السياسي ـ ينبع من تراكم الأحداث وليس فقط من القضية المتعلقة بملابسات تصفية صلاح شحادة. وليس لاننا كنا زعمنا وجوده مفاوضات لوقف النار، جاءت العملية لتصدها. كما ان القصة عن ان السلطة الفلسطينية كانت توشك على الاتفاق مع حماس لوقف النار غريبة. فعن مثل هذه الاتفاقات سمعنا في الماضي بلا انقطاع. وما يثير الكآبة هو ان العمليات والرد عليها ستحتدم. فمع ان الفلسطينيين فشلوا حتى الآن في سعيهم الي تنفيذ عملية كبرى، الا انه الآن بعد الحملتين الكبيرتين للجيش الاسرائيلي، فان الطرفين يندفعان في سيارة لا سائق لها، ولا يوجد من يوقفها. عن « معاريف»