فجأة وبدون مقدمات فنية وانتاجية قرر صناع الدراما السورية الاتجاه نحو تقديم شخصيات تاريخية في اعمال درامية مسلسلة وذلك في اطار بدأت تتحدد ملامحه بشكل واضح، مع بداية القرن الجديد ومع اتخاذ الدراما السورية لمكانها الرائد في الوطن العربي بعد الاحاديث والسجالات الطويلة التي تناولت موضوع المنافسة بين الدراما السورية والدراما المصرية. فحتى وقت قريب لم يكن في العمل الدرامي السورية اتجاه واضح نحو اعتماد شخصية تاريخية محددة كموضوع لمسلسل من ثلاثين ساعة درامية مع ان هذه الدراما سبق وقدمت منذ عدة سنوات مسلسلا تحت عنوان الاوائل قدم فيه عشرات الشخصيات التاريخية من مختلف المجالات كما قدم المخرج السوري هيثم حقي في الثمانينيات مسلسله الناجح «عز الدين القسام» المجاهد المعروف في الثورة الفلسطينية كذلك استطاع مسلسل اخوة التراب بجزئه الثاني تحديدا والذي اخرجه المخرج التونسي شوقي الماجري الوقوف بشكل مطول عند شخصية ونضال الشيخ صالح العلي لكن دون ان يكون هذا الامر محورا كاملا لاحداث المسلسل المذكور. كذلك الامر بالنسبة لمسلسل «حمام القيشاني» للكاتب دياب عيد والمخرج هاني الروماني والذي قدمت فيه عشرات الشخصيات السياسية والاجتماعية منذ فترة ما بعد الاستقلال وحتى بداية الستينيات. ومن الملاحظ في مسيرة الدراما السورية في العقد الاخير من القرن الماضي حرصها على تقديم تيارات فنية متعددة دون التعارض بين هذه التيارات حيث استطاعت هذه الدراما وبنجاح ملفت تقديم ما اصطلح على تسميته بالفانتازيا التاريخية والتي بدأت مع هيثم حقي ومحمد عزيزية في مسلسلي «غضب الصحراء والبركان» وأكملها بشكل ملفت نجدت انزور من خلال اعماله المتميزة كخيط الدم والجوارح والكواسر والبواسل والموت القادم الى الشرق وتل الرماد وغيرها من الاعمال الاخرى. كذلك برزت في الدراما السورية وقبل موجه الاعمال الفانتازية الاعمال البدوية والتي استطاع مخرجوا وممثلوا هذه الدراما تقديمها بنفس متجدد والجمهور مازال يتذكر مسلسلات الداخيلة، كهف المغارير، ومن قبلها رأس غليس، والجواهر وغيرها من الاعمال البدوية التي ساهمت في انتشار الدراما السورية في مرحلة الثمانينيات. بعدها جاءت موجة الاعمال الاجتماعية ـ السياسية والتي اعتمدت بشكل واضح على فترة الاحتلال العثماني للبلاد العربية وفترة الانتداب الفرنسي والبريطاني حيث قدمت مسلسلات ناجحة من الناحية الجماهيرية والفنية كمسلسل خان الحرير الذي اتكأ بشكل واضح على الاحداث السياسية في فترة الوحدة السورية ـ المصرية مقدما بانوراما للمجتمع الحلبي التجاري في تلك الفترة.. كذلك مسلسل اخوة التراب الذي قدمه نجدت انزور في جزئه الأول وشوقي الماجري في جزئه الثاني وتناول مرحلة النضال ضد الاحتلال العثماني في البداية ومقارعة الاستعمار الفرنسي بعد ذلك ونفس الامر بالنسبة لمسلسل الثريا للمخرج هيثم حقي والذي قدم حكاية فلاح ثار على القيم والتقاليد البالية واستطاع بشجاعته واصراره الحصول على ما يريد. ايضا قدم المخرج حاتم علي مسلسل «سفر» للكاتب احمد حامد والذي تناول فترة الاحتلال العثماني لدمشق والثورة التي جرت فيها في اواخر القرن التاسع عشر مع دخول ابراهيم باشا بلاد الشام وبالتوازي مع الاعمال الاجتماعية والفانتازيا التاريخية استطاع تيار الاعمال الكوميدية ان يجد له مكانا واسعا على خارطة الدراما السورية حيث قدم المخرج هشام شربتجي ومنذ مسلسله الشهير «عيلة خمس نجوم» نموذجا جديدا ومختلفا للكوميديا التي تعتمد على الحركة والحدث والموقف الضاحك وذلك من خلال سلسلة كوميدية استمرت لثلاثة اجزاء كذلك قدم مع الفنان ايمن زيدان مجموعة من الاعمال الكوميدية التي اعتمدت اسلوب البطل الكوميدي كمسلسل «يوميات مدير عام» و«يوميات جميل وهناء» و«بطل من هذا الزمان» و«أنت عمري» وغيرها من الاعمال فيما استمر الفنان ياسر العظمة في تقديم سلسلة المرايا التي تناوب على اخراجها كل من مأمون البني وحاتم علي. وفي عودة الى الاعمال التاريخية نجد ان اول عمل تاريخي متكامل جرى تقديمه في اواخر التسعينيات كل مسلسل ياقوت الحموي للمخرج فردوس اتاسي والذي استطاع من خلاله تقديم عمل ناجح فكريا عن حياة وفكر الرحالة المعروف ياقوت الحموي لتكر سبحة الاعمال التاريخية التي تعتمد على البطل او الشخصية الواحدة حيث قدم كل من حاتم علي ونجدت انزور، كل بحسب طريقته واسلوبه شخصية الناصر صلاح الدين الايوبي محرر القدس فيما تبدو الاستعدادات جارية حاليا لتقديم مجموعة من الاعمال التاريخية ضمن هذا الاتجاه كمسلسل صقر قريش الذي يتناول سيرة الخليفة الاموي عبدالرحمن الداخل ويخرجه حاتم علي فيما سيقدم باسل الخطيب مسلسله الجديد «هولاكو» عن نص للكاتب د. رياض عصمت، والمخرج شوقي الماجري الذي يصور حاليا مسلسل عمر الخيام من بطولة جهاد سعد وسيناريو وحوار غسان جباعي فيما سافر عارف الطويل الى المغرب لاستكمال تصوير مسلسله الجديد «زمان الوصل» في الوقت الذي يستعد فيه سلوم حداد لتقديم عمله الجديد المتنبي بعد تجربته الناجحة في مسلسل امرؤ القيس من بطولة رشيد عساف ونورمان اسعد ولارا الصفدي وغيرها من الاعمال والمسلسلات التاريخية الجديدة. آراء فنية يرى الكاتب قمر الزمان علوش الذي يعكف حاليا على كتابة فيلم خاص عن حياة صلاح الدين الايوبي وتنتجه احدى شركات الانتاج الايرانية في مجال السينما وبثلاث لغات عالمية وهي العربية والانجليزية والفارسية ويقول: لا احد ينكر رغبة المخرجين والممثلين سواء في الدراما السورية او العربية على تقديم اعمال انتاجية ضخمة على صعيد الافكار والمقولات واعتقد ان الاعمال التاريخية تحقق هذه المعادلة خاصة مع وجود التمويل المادي اللازم لهذه الاعمال والتي قد تصل ميزانيتها النهائية لاكثر من 2 مليون دولار لعمل مؤلف من ثلاثين حلقة. ويقدم المخرج حاتم علي وجهة نظره في هذا الموضوع مشيراً الى ان الجمهور العربي اصبح يميل نحو الاعمال الواقعية والتي تقدم مادتها الاساسية من الواقع بعيداً عن خيالات الكاتب الدرامي وابداعاته ولهذا السبب تشجع الكتاب واقصد هنا كتاب الدراما لتقديم اعمال تاريخية بالرجوع الى الكتب والمراجع التاريخية وذلك في سبيل توثيق هذه الاحداث والشخصيات وتقديمها للجمهور. وعن استمرارية هذه الموجة يقول حاتم علي: كل شيء مرهون بالظروف الانتاجية وبمدى تقبل الجمهور لهذه النوعية من الاعمال كذلك بموافقة الجهات الانتاجية على تبني مثل هذه المشاريع الانتاجية الضخمة