لكل منا عادة معينة ينفرد بها عن الآخرين، وبالتالي فلكل شخص طقوس يمارسها قد يتوافق معها البعض بينما نراها تلقى استغراباً من أطراف آخرين. وكذلك الحال بالنسبة للحياة الوظيفية التي يفترض ان يعايشها الموظف بكل سلاسة وتفاؤل وراحة بال، وقد استطعنا من خلال التحقيقات التي نجريها بين الفينة والأخرى أن نلاحظ ان هناك «طقوساً صباحية» يقوم بها الموظف بمجرد دخوله المكتب، والتي إذا ما تركها ولو ليوم واحد فإن انتاجيته تقل رويداً رويداً في ذلك اليوم ويكون حاله كمن يبحث عمّن ينتشله من عدم التركيز لدرجة ان بعضهم يتشاءم طول النهار والليل لا لسبب معين سوى انه لم يقم بما تعود عليه، وقد يكون في الأمر مبالغة إلا ان هذه الحقيقة نراها تفرض نفسها ولاحظنا مصداقيتها عند الكثيرين ممن أجرينا معهم هذه اللقاءات المتعددة التي اختلفت معها الطقوس باختلاف الوظائف وربما الأعمار.. انها جولة بين أروقة المكاتب امتزجت بها البساطة والجدية والضحك والاستغراب. فهد عبدالواحد محمد طاهر (مهندس طائرات بطيران الامارات) يشير مباشرة الى انه وفي لحظة وصوله العمل فإنه يقوم باعداد كوب من الحليب لنفسه فهو يرى ان هذا الكوب يجدد من نشاطه ويجعله يعايش مهام العمل بنفسية مرتاحة، وفي حالات نادرة لا يكون هناك وقت لاعداد الكوب مما يشعرني بصعوبة العمل، ورغم محاولاتي الجادة للعمل بشكل أفضل إلا ان هذا يكون صعباً عليّ، فكوب الحليب الذي تعودت على شربه كل نهار أشعر معه ببداية الفترة الصباحية، أو بمعنى آخر فهو «علامة الصباح» عندي، وبدونه لا أشعر ببدء فترة العمل، وعن باقي زملائي فإنني لاحظت ان هناك من يبدأ العمل بالحديث مع الاصدقاء والزملاء لفترات مختلفة، وأتوقع ان اختلاف الطقوس يعود الى طبيعة الشخص ونفسيته ولا ننسى اختلاف الوظائف، فالعمل الميداني الذي أمارسه أنا يحتم عليّ شرب كوب الحليب، أما بقية الزملاء ممن يمارسون أعمالاً مكتبية فإن طقوسهم تتنوع أيضاً. ومن المفارقات الغريبة التي لاحظتها عند المرأة العاملة هي ان الدقائق الأولى من العمل تبدأ عندها بالنظر للمرآة والتأكد من مدى ملاءمة الماكياج مع وجهها، وكما يقول المثل السائر ««كلٌ يغني على ليلاه»، وعليه فإن اختلاف الجنس ايضاً يلعب دوراً مهماً في اختلاف طقوس بداية العمل. عمل فوري عارف موسى رمضان (موظف) يقول: ان أول ما أقوم به بمجرد دخولي المكتب هو الاطلاع على الأوراق التي كنت قد وضعتها على المكتب منذ نهاية دوام اليوم السابق، لأنها تكون في العادة أموراً مستعجلة ومهمة يجب الانتهاء منها بأسرع وقت ممكن، فالموظف الذي يراعي الله في أعماله عليه القيام بهذا التصرف، لأن ورقة واحدة لو تأخرت قليلاً لربما تسببت بمشاكل لأناس أبرياء، أما عن شرب الشاي أو القهوة فإن هذه أمور يستطيع الموظف القيام بها وهو يؤدي وظيفته دون الحاجة الى اضاعة الوقت، وهكذا فقد أصبح معروفاً عني بدء العمل مباشرة، ثم انه من ناحية اخرى يجب ان نضع في اعتبارنا اننا حين نعمل فإننا نود أولاً وأخيراً الارتقاء بدولتنا، لذا فلو ان كل موظف أضاع وقته ولو دقيقة واحدة فإنه يكون بالتالي قد أضر بمصلحة دولتنا، وانني أنصح جيل شباب اليوم أن يستقيموا في أعمالهم وألا يبخسوا الناس حقوقهم، فأنا أستغرب وجود فئة ممن لا يبدأون بأداء مهام عملهم إلا بعد مرور أكثر من ساعة أو ساعتين، وبعد ان يكون المراجعون قد تزاحموا على المكاتب ثم يأتي ذلك الموظف المهمل ليقول ان العمل كثير وان الضغط كبير، وأتصور انه من السهولة بمكان التخلص من الضغط لو ان انهاء المعاملات قد بدأ منذ اللحظة الأولى لبدء الدوام الرسمي. تخطيط العمل أما ابراهيم الزعبي مدير قسم البيئة والدراسات بجمعية الامارات للغوص يؤكد انه نظرا لطبيعة عمله التي تحتم عليه التواصل بالبريد الالكتروني فإن أول ما يفعله كل صباح هو الاطلاع على البريد وقراءته، ثم بعد ذلك فإن أول ربع ساعة يقضيها في اجتماع عاجل مع الموظفين لمناقشة خطط العمل اليومي، حيث يتناول العاملون الشاي في مكتبي ويكون كل منهم مدركاً لماهية العمل المطلوب منه في ذلك اليوم، وأتصور ان اختلاف الطقوس التي يمارسها العاملون مع بدء الدوام الرسمي تختلف باختلاف القطاع الذي يعملون فيه، سواء أكان قطاعاً خاصاً أم حكومياً، والحقيقة انني أولي ربع الساعة تلك أهمية كبيرة، لأنه لولاها لما تمكنت من توجيه التعليمات للموظفين، كما انها تخلق جواً خاصاً يهييء الموظف للعمل ضمن سياسة واضحة غير مبهمة، فأنا لا أتخيل ان يبدأ أى موظف عمله وهو مشتت الذهن بين المهم والأهم وبين ما يجب القيام به فوراً وما يسمح بتأجيله. ومن جهة أخرى فإن الوظيفة التي يعمل بها الموظف تلعب دوراً في نوعية العادة التي يمارسها، فالموظف العادي نراه وقد بدأ نهاره بالحديث مع الاصدقاء أو قراءة الجرائد، بينما غيره من ذوي المناصب فإن أداء المهام لديه يبدأ منذ اللحظات الأولى. ويضيف مجدي عز الدين ان نهاره لابد وان يبدأ بسيجارة وفنجان قهوة وإلا فإنه لا يشعر بأي رغبة في ممارسة أي عمل مناط اليه، ويقول: منذ سنين طوال ومع تنقلي في العمل من مكان لآخر فإن أول ما أفعله لحظة وصولي المكتب هو ان أشعل سيجارة وان أطلب فنجان قهوة، فهذا يجعلني أشعر براحة نفسية وبانتعاش كبير ورغبة جامحة للعمل بكل ما أوتيت من قوة، علما بأنه مهما كان هناك من أعمال متراكمة عليّ فإن هذا الطبع يلازمني وأؤجل كل شيء حتى أفرغ مما تعودت عليه، وأعتقد ان المسألة نفسية بحتة فطالما انني أصر على ان هذا ما يجعلني نشيطاً فإنني لن أستطيع الابتعاد عنه مهما كانت الأسباب، وفي الوقت الراهن فإن التدخين في المكتب ممنوع، لذا فإنني أضع أوراقي على المكتب وأتوجه مباشرة الى الكافتيريا لأتلذذ بسيجارة الصباح التي ألاحظ ان لها نكهة ومذاقاً خاصاً لا يمكنني مقاومتهما، فالسيجارة التي تعقبها تكون عادية بالنسبة لي، لدرجة انني انغمست في العمل فإنني لا أشعر برغبة في التدخين بعد سيجارة الصباح، وكذلك الحال فيما يتعلق بفنجان القهوة الصباحية التي أتناولها مع السيجارة فإن طعمها يشعرني بشيء لا أستطيع حتى وصفه، وكم نصحني زملائي بالابتعاد عن هذه العادة، ولكنني لم أقو على ترك شيء تعودت عليه منذ فترة طويلة جداً. سماع القرآن وفي السياق ذاته يقول احمد الزرعوني ـ موظف ـ لا اشعر بأدنى رغبة في العمل الا بعد ان اشرب كوباً من الشاي حتى «افتح رأسي» بالاضافة الى الاستماع للقرآن الكريم، ويستغرق الأمر حوالي ساعة، وبعدها يدب النشاط في بدني واعمل بكل ما أوتيت من قوة لدرجة لا اشعر معها بالوقت الذي يمر سريعاً، وقد يعتبر البعض ان في الامر مبالغة، وانني اضيّع وقتي ووقت المراجعين، ولكن العكس صحيح، فسماعي للقرآن صباحاً وخاصة في المكتب تليه رغبة قوية للعمل بحيث انني استطيع القيام بعدة اعمال في آن واحد، وهكذا اجد نفسي وقد انهيت اعمالي دون اي تأخير او تعب، وانني استغرب ممن يبدأ نهار عمله دون سماع القرآن الذي يبعث في النفس راحة وطمأنينة، ويجعلني استشعر مراقبة الله تعالي لي، و هذا بحد ذاته حافز قوي على العمل، وفي الحديث عن الطقوس اعرف احد زملائي ممن لديه طبع غريب، فبمجرد دخوله للمكتب لابد وان ينادي على «العامل» اما لكي يحضر له شاياً أو قهوة أو ماء، وفي بعض الأحيان يناديه فقط ليسلم عليه، وحين نسأله عن السبب لا يستطيع الرد سوى انه تعود على مناداته وانه لو لم يفعل ذلك فإنه يواجه صعوبة في اداء عمله، وهكذا نرى ان الحياة الوظيفية على الرغم من الروتين الذي يطغى عليها، الا ان هناك مفارقات غريبة تحفّز الموظف على الاستمرارية والعطاء والبذل. مكالمة لوالدتي أم محمد البلوشي تؤكد ان لحظة جلوسها على المكتب تكون هي لحظة اتصالها بوالدتها التي تقطن في امارة اخرى، مضيفة ان الأمر برمته نفسي، فسماعي لصوت والدتي يحفز رغبتي في العمل طوال النهار ويجعلني اتفاءل بأنني سأنجح في العمل الذي كلفني به مسئولي، لدرجة انني لاحظت كسلاً يدب في اعماقي ورغبة جامحة لأخذ اجازة وقد نبهني المسئول بأن انتاجيتي في العمل لهذا الشهر قد قلت وهذا ما جعلني اتساءل بيني وبين نفسي عن السبب، هل هو عين حاسدة، أم مرض عضوي، ولكني بعد تفكير عميق اكتشفت ان والدتي هي السبب ولكن بشكل غير مباشر، فقد كانت في العمرة خلال تلك الفترة ومكثت هناك اسبوعين كنت اواجه فيها صعوبة للاتصال بها صباحاً، وقد شرحت ذلك لمسئولي الذي تفهم الوضع بعد ان وعدته بعدم تكرار ذلك، وقد لاحظ الزملاء والزميلات انني اواجه صعوبة او مشكلة معينة ولكن حين اخبرتهم عن السبب لاحظت استغراباً منهم لدرجة ان احداهن قالت لي انك ام لطفلين ومع ذلك لا تزالين متعلقة بوالدتك الى هذا الحد؟ والآن وقد عادت والدتي من العمرة استعدت نشاطي الذي استقيه منها ومن كلماتها الحانية لي كل صباح، وزادت انتاجيتي، وعادت روح الدعابة إليّ، وهذا ما لاحظه ايضاً زوجي باستغراب شديد، ولكن ما باليد حيلة فقد تعودت على الاتصال بوالدتي ولا مفر من الابتعاد عن هذا الطبع الملازم منذ أمد بعيد. مكياج وبخور بينما ترى هناء عيسى ان شكل الموظف يعد من الأولويات التي يجب ان يحرص عليها، لذا فإنني اعطي هذا الجانب اهمية قصوى لذا ففي لحظة دخولي المكتب الذي اذهب اليه باكرة وقبل وصول الموظفين احرص على التأكد من مكياجي ومدى تناسق الألوان فيه، وهل هو مناسب حقاً للملابس التي ارتديها ام لا؟ ثم بعد ذلك اقوم بتبخير المكتب ليكون ذا رائحة طيبة تساعد على العمل وبعده أرش عطراً في كل الأرجاء، وفي هذا الجو المليء بالجمال والرائحة الطيبة أبدأ عملي دون أي احساس بالكسل أو التذمر فأنا أؤمن بأن الراحة الجميلة تبعث في النفس هدوءاً وفي الروح جمالاً، ومهما كانت الأعمال كثيرة والمسئوليات متراكمة فإنني أؤديها على أكمل وجه وبين الفينة والأخرى أرتب الأوراق على مكتبي وأعيد تنسيق مكياجي و«رش» العطر مجدداً، حتى لا يتسرب إليّ الملل الوظيفي، وأذكر انه في احدى المرات كانت هناك متدربة تعمل معي في المكتب نفسه، وقد حازت على جائزة افضل متدربة نظراً لعملها الدؤوب والنشيط، وقد تفاجأت بها تأتي لزيارتي بعد انتهاء فترة تدريبها واعتقدت انها قد أتت لحاجة معينة او لإنهاء معاملة، ولكني اكتشفت انها لم تأت سوى لشكري لأنني ـ مثلما قالت ـ كنت السبب في ارتفاع معدلها وإحرازها درجات كبيرة، وعندما سألتها عن كيفية حصول ذلك قالت لي ان جو المكتب ساعدها على العطاء وأشعرها برغبة جامحة في العمل الجاد والمتواصل، وهكذا تأكدت ان اما أقوم به صحيح رغم بعض التعليقات التي اسمعها بين الفينة والأخرى. الأهم فالمهم وتتحدث منيرة صفر عن طقوسها الصباحية قائلة انها تعودت على فتح جهاز الكمبيوتر الذي تخزن فيه الاعمال التي يجب ان تقوم بها لتبدأ بالاولويات والاهم ثم المهم، وهذا يشعرني بتركيز شديد اثناء العمل ما يمكنني من اداء المهام الملقاة على عاتقي بكل سهولةويسر وبالاضافة لجهاز الحاسوب الالي، فإنني اعتمد على كتابةالاعمال على ورقة خارجية، لذا فبعد قراءتي للمهام اتوجه مباشرة للدفتر الذي احتفظ بداخله برؤوس الاقلام، واعتقد ان هذا هو الاسلوب الامثل لكل موظف يرغب في عدم التقصير بواجباته، ولكن بطبيعة الحال فالطقوس تختلف طبقا للمنصب الذي يشغله الموظف، ولا ننسى ايضا ان الجنس يلعب دورا مهماً كذلك، فحقيقة الامر ان المرأة اكثر انضباطا من الرجل من حين ترتيب الافكار والبدء بالاولويات والضروريات نظرا لان المرأة بتكوينها الجسدي والنفسي قادرة على تدوين مهامها بينما نجدالرجل مشوشا بعض الشيء وهذا طبعا لا ينطبق على الجميع سواء الاناث او الذكور، ثم ان مسألة التعود يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار، لان من تعود على القيام بعدد من المهام في آن واحد يصعب عليه البدء بما هو مهم، كذلك الحال عند الشخص الذي تعود ترتيب امور عمله ليبدأ بالأولويات نراه وقد تعود على ذلك الفعل واصبح من الصعب عليه بدء وظيفته بشكل عشوائي، ومن جهة ثانية فإن نفسية الشخص ومزاجه قد يلعب دورا في ماهية الطقوس التي يمارسها، واتوقع ان الحديث عن الطقوس الصباحية شيء مهم في اعادة بلورتها او الاستمرار بها. رسائل نفسية وقبل الخوض في تحليلات نفسية لظاهرة الطقوس الصباحية تقول الاخصائية النفسية زليخة عبيد ان اول ما اقوم به كل صباح وبشكل تلقائي هو فتح الستارة، وذلك في محاولة لازاحة الظلمة التي تطغى على المكتب ولكي استشعر ان هذه اللحظة هي بداية يوم جديد فنور الشمس يعطي انطباعا بالعمل والكفاح، وعقب ذلك اتوجه مباشرة الى النباتات التي اضعها في المكتب كي اسقيها لانها تعني لي حياة جديدة انا مسئولة عنها، مما يوحي بالاستمرارية، وعلاوة على الانطباع الذي يبثه في نفسي فإن استقبال اي زائر في مثل هذه الاجواء يكسر الحواجز ويجعل هناك متسعا من الوقت للحوار الهادى، اما فيما يتعلق بالاسباب التي تدفع المرء لممارسة بعض الطقوس المختلفة بل والغريبة فإن المسألة بادى ذي بدء تكون تلقائية حتى دون ان يشعر الموظف بأنه يمارس هذه العادة، ثم بعد ذلك قد تكون هنالك اسباب خفية تبعث في نفس الموظف الشعور بالطمأنينة والراحة حين يقوم بتلك الافعال، بل ويمكن تفسير الامور وكأنه رسائل نفسية يبعث بهامن نفسه لنفسه، وهذه الرسائل تختلف حتى لو قام عدد من الموظفين بنفس التصرف الا ان مغزى الرسائل عند كل فرد يختلف عن الاخر طبقا لتكوينه وشخصيته. وحسبما تقول الاخصائية فإن التعود بحد ذاته يجعل من الصعب التخلص من الطقوس التي يمارسها الفرد، فعل سبيل المثال لو أراد احد ان يبدأ بالقيام بعمل مخالف لما تعود فإنه لابد وان يشعر بنوع من التغيير الذي قد لايرغب فيه، ومن هنا يمكنني ان اقول ان الامر برمته يتعلق بروابط خفية لا يكاد يدركها العقل الظاهر لان، المسيطر في هذه الحالة هو العقل الباطن للانسان الذي يعمل وفق آليات معينة تتحدد في اطر مختلفة، واخيرا فإنه يتضح لنا ان ممارسة طقوس في اوقات معينة هو امر طبيعي لدرجة اننا نادرا ما نجد من يبدأ نهاره او يومه دون القيام بأمر محدد، وليس بالغريب كذلك ان نجد ان من يغفل عن ممارسة طقوسه لاسباب ارادية او خارجة عن ارادته يتأثر عمله او انتاجيته بشكل سلبي. تحقيق: رابعة الزرعوني