قبل ثلاثة اعوام من الان، انسحبت شركة «بريتش بتروليوم» من روسيا. ففي الأيام الهائجة المشوشة خلال فورة ما بعد الشيوعية، استثمرت الشركة 480 مليون دولار في شركة نفط سيبيرية تدعى «سيدانكو» وحصلت على حقوق انتاج ملياري برميل من احتياطي النفط. وفي الحال خسرت «بتروليوم» نصف اموالها عبر خدع الاحتيال والتلاعب التي طالما جعلت الشركات متعددة الجنسيات حذرة من الاستثمار في البلد. لكن الان عادت «بتروليوم». وفي الشهر الماضي استثمرت 375 مليون دولار مقابل حصة اكبر في ذات الشركة التي غشتها من قبل. وقال مسئول في «بريتش بتروليوم»: «ان سيدانكو شركة نعرفها تمام المعرفة. انها شركة مربحة الان، وهي الاداة المثلى للانخراط اكثر في روسيا». ما الذي تغيّر؟ من منظور «بريتش بتروليوم»، كل شيء تغير، وليس فقط ازدهار اسواق النفط الدولية. ويقول المسئول ذاته: «هناك الان شعور عام بالثقة سائد في روسيا، يشجع المرء على التفاؤل». وفي حين اقعدت فترة الركود العالمي الولايات المتحدة وأوروبا، فإن روسيا شهدت ثلاثة أعوام من النمو الذي بلغ ذروته في عام 2000 حيث وصلت نسبته الى 8 بالمئة. وفي هذه الأثناء، فإن الروبل الذي كان متزعزعاً، يتمتع الآن باستقرار جديد يحسد عليه. الميزانية متوازنة واسواق اسهم موسكو ارتفعت بصورة مثيرة، والرئيس الروسي المفعم بالنشاط دأب على الضغط بشدة باتجاه الاصلاحات في عالم المال والاعمال بوتيرة لا يمكن تصورها في أيام بوريس يلتسين التي اتسمت بالفوضى والفساد كطابع رئيسي غالب. مستقبل كئيب قد يظن المرء ان الرجل الذي يدير دفّة هذا القطار لابد ان يكون مسروراً الآن. لكن الامر ليس كذلك على ما يبدو. ففي اللحظة التي كانت فيها «بريتش بتروليوم» تحتفل بعودتها للمنطقة، كان بوتين يرش ماء بارداً على الحزب. ففي خطاب حالة الامة الشهر الماضي تنبأ بوتين بمستقبل كئيب حين قال متذمراً: «ان النمو الاقتصادي خلال الأعوام القليلة الماضية كان كافياً فقط لمنع سقوطنا وتخلفنا اكثر من البلدان الاخرى. وبالمعدلات الحالية ستحتاج روسيا العملاقة الى عامين حتى تصل الى مستوى بلد صغير جدا مثل البرتغال. فالبيروقراطية والفساد وانعدام الكفاءة لاتزال تعيق التقدم. وأضاف بوتين: ان تجديد روسيا النظر في أوضاعها ولا يمكنها طلب المساعدة من الخارج لحل مشاكلها الخطيرة.. اذ لا احد سيبذل جهداً خاصاً لمساعدتنا. ونحن يجب علينا ان نناضل من اجل مكاننا في الشمس الاقتصادية وكان التصفيق ضعيفاً ومتفرقاً اذ ان الامة لم تسمع مثل هذا الخطاب الكئيب منذ سنوات، كما علق زعيم الحزب الشيوعي جينادي زيوجانوف. اذن ما الذي يحصل هنا؟ ما الذي يعرفه بوتين العابس ولا تعرفه «بريتش بتروليوم» المتفائلة المبتهجة. منذ بداية العام الجاري بدأت تتردد مقولة جديدة بأن روسيا اصبحت اخيراً مكاناً «طبيعياً» للقيام بمشاريع المال والأعمال، او على الأقل طبيعياً قدر المستطاع بالنسبة لبلد يناضل للتخلص من اثار 80 عاماً من الشيوعية السوفييتية. حقاً لقد قامت روسيا بخطوات عظيمة. لكن وسط نبرات التفاؤل، رفع الرئيس راية تحذير، يلاحظها بشكل خاص المستثمرون الاجانب في روسيا. من المؤكد ان روسيا استفادت مؤخراً من ارتفاع اسعار النفط الذي كان من حسن طالعها. كما انها تدين كثيرا للازمة المالية لعام 1998، التي تبين لاحقاً انها من افضل الامور التي حدثت للبلد. ربما يكون المستثمرون قد خسروا اموالاً طائلة عندما انهار الروبل، لكن هذا الانخفاض الحاد في قيمة العملة جعل الصناعات الروسية اكثر منافسة في الاسواق الدولية بين ليلة وضحاها. وكان اكبر الكاسبين صناعات السيارات والآليات الخفيفة والانوار والورق وصناعة الاغذية المحلية بالاخص الجبنة ومنتجات الألبان. وأهم من ذلك كله كان برنامج بوتين للاصلاح. فقد وضع ميزانية وطنية واستطاع الحفاظ على ثباتها الى حد ما. وساعد ذلك على ابقاء التضخم المالي تحت المراقبة والسيطرة وحافظ على ثبات قيمة الروبل. وبعد التبذير والاسراف في السنوات السابقة، تدير روسيا الآن ميزانية فائضة بنسبة 3 بالمئة عن اجمالي الناتج القومي. لكن الى جانب هذا كله، هناك انباء غير سارة، فبرغم كل التقدم الذي احرزته، لاتزال روسيا معرضة للصدمات والانتكاسات. فقطاع الصحة العامة يعاني من فوضى مرعبة، والفقر واسع الانتشار والاحساس بالتشرد لايزالان يحكمان قبضتهما على مناطق برمتها. والاقتصاد، برغم تحسنه، لايزال بعيدا جداً عن الاستقرار. وهذا يجعل البلد اقل من مكان «طبيعي» للقيام بمشاريع المال والأعمال. وتجدر الاشارة بداية الى ان النمو الاقتصادي تباطأ بشكل مثير خلال الشهور القليلة الماضية، وتوقف تماماً ما بين اكتوبر ويناير قبل ان يرتفع قليلاً مرة اخرى هذا الربيع، لاشك ان الركود العالمي اثر على النمو الروسي، لكن التأثير الاكبر هو ان المكاسب السهلة من انخفاض قيمة الروبل وارتفاع اسعار النفط تحققت وانتهى الامر. حالة الاصلاح اضف الى ذلك حقيقة أخرى، وهي ان اصلاحات بوتين رغم طموحها العالي، ستستنزف سنوات، كما في حالة قانون ملكية الاراضي الجديدة حتى تعطي نتائج حقيقية، فروسيا في عهد بوتين، لاتزال مكاناً يحلم فيه قلة من المواطنين بالذهاب الى مصرف للحصول على قرض بضمان عقاري للقيام بمشروع تجاري صغير، او باللجوء الى المحاكم لتسوية النزاعات بدل دفع الحماية الاجرامية. وبرغم كل الحديث عن مكافحة الفساد لايزال المجتمع الروسي يعج بالجريمة. وقبل ايام فقط قتل صحفي في مدينة توجلياتي اشتهر بكتاباته عن الفساد والجماعات الاجرامية هناك. كما ان العديد من اصلاحات بوتين المقبلة ستثير غضب الناس بلا ريب وتتضمن تلك التغييرات سلسلة من التخفيضات في اعانات الاسكان الحكومية. وقد استجاب نحو 20 الف شخص في مدينة فورونيز الجنوبية لهذه الخطط بالقيام بمسيرات احتجاجية صاخبة مؤخراً. وكذلك فإن حسن طالع روسيا في أسواق النفط يمثل نقطة ضعف كبيرة. اذ يقول اندريه كوزنتسوف، من كلية الاقتصاد العليا في موسكو: «ان اعتمادنا على النفط والمواد الاولية يحدّ من امكانيات نمونا وتركيز الاستثمارات الاجنبية والداخلية في صناعة النفط قلل الاستثمارات في ميادين هامة اخرى مثل الاتصالات وصناعات التقنيات العالية. وبعيداً عن قطاع النفط، لايزال المستثمرون الاجانب يضعون معظم اموالهم في النهاية الدنيا للاقتصاد مثل الاخشاب والمعادن والاغذية. وكما يشير خبير الاقتصاد في البنك الدولي فإن «الاقتصاد الروسي بحاجة ماسة للتنويع» ولاشك ان روسيا تحتاج الى استثمارات اكثر تنوعاً، وفي المقام الاول استثمارات اكبر، اذ ليس من المشجع ان روسيا تجتذب استثمارات اجنبية اقل مما تجتذبه جمهورية التشيك. ولا عجب ان يكون بوتين متعكر المزاج، فهو افضل من يعرف كيف يجب ان تمضي روسيا، وكم هي معرضة للتأثير العميق بالدورات الاقتصادية العالمية التي لا يمكن التنبؤ بها. وبرغم جهوده كلها، فإن الجزء الاكبر من الاصول الصناعية في البلد هو في ايدي قلة قليلة من الاثرياء. وربما تحول هؤلاء الى رجال اعمال هذه الايام بعد ان كانوا لصوصاً، لكن ذلك لا يحل مشكلة التركيز الاقتصادي المفرط. وتقول لوليا لاتينيا، وهي صحفية روسية بارزة في مجال المال والاعمال: «هذه ليست رأسمالية. انها اشبه بالاقطاعية التي كانت سائدة في القرون الوسطى». ولكي تصبح روسيا بلداً «طبيعياً» للمال والأعمال، عليها ان تمتلك مقاولين وان تشهد انفجاراً في اعداد المشاريع التجارية الصغيرة والمتوسطة الحجم. وعليها ان تخلق طبقة وسطى جديدة، هي ذات الطبقة البرجوازية التي سعى لينين وخلفاؤه لاستئصالها. وقبل كل ذلك، على روسيا ان تمنح مواطنيها احساساً بأن قوانينهم عقلانية ومنطقية وانها تطبق على الجميع على قدم المساواة وانها تعاقب المخطيء وتحمي البريء على حد سواء، ورغم التقدم في ذلك الاتجاه الا ان بوتين لم يحرز المتطلب الاساسي الاهم لهذا النوع من النمو المتسرع الذي يحتاجه بلده. علي محمد