في منتصف الطريق المؤدي الى شارع «لومب لين» في مدينة برادفورد، هناك صيدلية تحمل لافتة كتب عليها «طب يوناني» يملكها شخص من أصل آسيوي. عدد قليل من الأشخاص يتمعنون بهاتين الكلمتين، ولكنهما تعتبران أساساً لتعانق رائع ولكنه مجهول بصورة مخزية بين اولئك الجارين القلقين والمشاكسين وهما الإسلام والغرب. إن عبارة طب يوناني، مستمدة بشكل مباشر من قرون قام فيها العالم الاسلامي بانقاذ اساس الثقافة الاوروبية الغربية وهو المعرفة الإغريقية. وبدون اعمال الحكماء المسلمين المتعاقبين على مدار 500 عام، لكنا قد فقدنا جوهر أعمال ارسطو، والجانب الأكبر من اعمال افلاطون والعشرات من العلماء القدامى الآخرين. الامر حدث ببساطة كبيرة. فبينما كان الهمجيون يدمرون ويحرقون في اوروبا الغربية، كان العرب والفرس يستخدمون مكتبات الاسكندرية وآسيا الصغرى، وقاموا بترجمة المخطوطات القديمة ونقلوها إلى بغداد وإلى مدن أبعد منها. وفي بخارى النائية والواقعة على درب الحرير الشهير الى الصين، كان شاب يدعى أبو علي ابن سينا منهمكاً في مطالعة الميتافيزيقا الخاصة بأرسطو وهو في سن السابعة عشرة. كان العام هو عام 997 للميلاد والنص، الذي كان يعتبر مركزياً بالنسبة للتطور اللاحق للفلسفة، كان قد ضاع منذ فترة طويلة وأصبح مجهولاً في أوروبا الغربية. ان القصة المتعلقة بعودة هذا التراث الذي لا يقدّر بثمن محمولاً على الجمال في القوافل الطويلة التي كانت تشق طريقها الى القاهرة وفاس ومدن الأندلس معروفة تماماً لدى الباحثين. وتتوفر المئات من كتب المعرفة وإذا ما ادخلت اسم «ابن سينا» أو اسمه الغربي «أفيسينا» إلى محرك بحث على الانترنت، فانك ستخرج بحوالي 28 ألفاً وثمانمائة مرجع. ولكن القصة المتصلة بالعالم اليوم لم يتم الاعتراف بها ابداً في الثقافة البريطانية العادية. أسباب بسيطة هناك اسباب بسيطة لهذا الامر ايضا مثل التعصب المسيحي الاعمى في العصور الوسطى، والاعتقاد في حقبة ما بعد عصر النهضة بمجد اوروبا، ولكن انعدام الاثارة في القصة ليس واحداً منها. واثبت أومبيرتو ايكو ذلك في كتاب يعتبر من أكثر الكتب مبيعاً في العالم تحت عنوان «اسم الوردة». لقد رأى مصلحو المناهج التعليمية الوطنية، وهو امر يحسب لهم، الفجوة القائمة وحاولوا ان يردموها، ولكن نواياهم الطيبة تاهت بسهولة. فكم عدد التلاميذ في بريطانيا الذين يأخذون الخيار الأساسي للمرحلة الثالثة حول الحضارة الإسلامية خلال الفترة من عام 600 ـ 1600 أو المشروع الاقصر «خطة العمل» ومدته 15 ساعة حول الإنجازات الثقافية للحضارة الإسلامية؟ وزارة التربية لا تعلم الجواب ولا السلطات التعليمية في مكان مثل برادفورد حيث يعتبر المسلمون والآخرون بأمس الحاجة لأرضية مشتركة. وفي تقريره حول الجاليات المنقسمة في مدينة يوركشاير العام الماضي، ندّد لورد أوسلي بنواقص المنهاج الوطني وطالب بـ «اجواء تعليم فاعلة ينظر فيها الى الفروقات العرقية نظرة ايجابية من قبل الطلاب تعززها المعرفة والتفاهم». كانت لدى اللورد افكار جيدة من بينها اضافة قسم محلي للمواطنة في برادفورد الى وحدة المواطنة في المنهاج الوطني والتي ستصبح الزامية بدءاً من سبتمبر المقبل. ولكن الخيار الأبسط بإبراز تلك الخيارات الخاصة بالمرحلة الاساسية الثالثة، التي تقدم «المعرفة والتفاهم» فقط لا يأخذ بعين الاعتبار. هل يعلم أوسلي وباحثوه ان تلك الخيارات كانت موجودة؟ إن الحاجة اليها وللكتب المدرسية البسيطة والمقروءة حول المساقين ليست مجرد مسألة تتعلق بمجتمع البيض، فالقصة جرى تهميشها ايضاً في الثقافة الاسلامية. واظهر استطلاع للرأي اجري على الطلاب البريطانيين من اصل آسيوي انهم يعرفون ابن سينا ولكن احداً منهم لم يعرف ابن ميمون وابن رشد. وشأن بعض الباحثين الغربيين، فإن المسلمين التقليديين، وجدوا منذ زمن بعيد ان حكيم قرطبة (ابن رشد) مزعج ويصعب تفسيره للطلاب في المدرسة. فماذا عساهم ان يفعلوا برجل اشتكى من ان القيود المفروضة على النساء تهدر امكانيات نصف المجتمع في العالم الاسلامي ـ وهذه كانت طريقته في القرن الثاني عشر؟ وما عساهم ان يفعلوا برجل كانت كتبه «لفترة من الوقت»، ممنوعة من قبل السلطات المسيحية والاسلامية على حد سواء؟ ضرار عمير