يعتقد معظم الخبراء في السلوك ان المباديء الأخلاقية هي ميزة ينفرد فيها البشر وبدونها ما كانت حياتنا الاجتماعية المعقدة لتبرز الى حيز الوجود. ولكن عالم في السلوك الحيواني مارك بيكوف يختلف مع هذا الرأي، فهو مقتنع بأن العديد من الحيوانات يمكنها التمييز بين الخير والشر. ولقد أقنعته العقود التي قضاها في مراقبة الحيوانات في البرية والأسر ان الحيوانات التي تعيش في مجموعات لديها في الغالب احساس بالعدل قائم على قواعد سلوكية اخلاقية تساعد في تعزيز علاقاتها الاجتماعية. واستنتج ايضاً بأن الطبيعة لا تكون دائماً عديمة الرحمة وأنانية في روحها التنافسية. يواجه علماء الأحياء مشكلات في محاولة تفسير السبب الذي يجعل البشر لطفاء مع بعضهم البعض بصورة تبدو غير مبررة. وهذا لا معنى له من حيث النظرية التطورية إلا إذا كانت هناك دوافع خفية خلف تصرفاتنا التي تبدو غيرية بشكل ظاهري. ربما كنا نتوقع رد الجميل على أعمالنا أو ربما تكون أعمالنا الخيرة موجهة لأقاربنا فقط، وهم الذين نشترك معهم في جينات وراثية وبالتالي في ميراث بيولوجي. ولم يفكر أحد في احتمال ان تعاملنا اللطيف مع جيراننا يمكن ان يكون في بعض الأحيان أفضل وسيلة للبقاء. ولقد بدأ مارك يجد أدلة على العيش حياة أطول وأكثر نجاحاً. انه لتصريح مكبوح القول ان البحث عن جذور المباديء الاخلاقية في الحيوانات يعتبر مهمة صعبة جداً، ولكن على الأقل يمكن البدء بتحليل المشكلة. والسؤال الأول الذي يخطر على البال هو: هل الحيوانات قادرة على التقمص العاطفي وحمل المشاعر التي تشكل الأساس للفضيلة؟ من المعروف ان الأساس العصبي لهذه المشاعر في البشر يكمن في اللوزات والهايبوتلاموس في الدماغ ويتم نقلها بواسطة الناقلات العصبية مثل «دوبامين» و«سيروتونين» و«أوكسيتوسين». ومن المعروف أيضاً ان العديد من الحيوانات وبالأخص الثدييات تملك التراكيب العصبية والكيماويات الدماغية نفسها التي يملكها البشر. وهذا لا يعني بالطبع انها تشاركنا المشاعر نفسها، ولكن المراقبة الدقيقة للحيوانات في تصرفاتها تشير الى ان بعضها على الأقل يتمتع بتلك الميزة. وقد أظهرت مراجعات حديثة للبحث الذي قامت به ستيفاني بريستون وفرانز ديوال من مركز بيركس للحيوانات الرئيسية في اتلانتا ومجموعة ستانلي كوكزاج في جامعة جنوبي المسيسبي في هاتسبيرغ، أظهرت ان التقمص العاطفي منتشر بين الحيوانات على نطاق أوسع مما كان العلم مستعداً للاعتراف به حتى الآن. وهم يشيرون الى بحث يوحي بأن الحيوانات الرئيسية غير الانسانية والدلافين والحيتان والفيلة وأفراس النهر، وحتى بعض القوارض، تتصرف بطرق تدعم الادعاء القائل ان التقمص العاطفي له جذور تطورية عميقة. وفي دراسة قديمة نشرت في عام 1994 أثبت ستانلي ويشلين وفريقه من جامعة نورثويسترن ميديكال سكول في الينوي ان قرد الريص لن يقدم على تناول الطعام إذا كان ذلك يعني تعرض قرض آخر لصدمة كهربائية. وفي أوضاع مشابهة تميل الفئران الى التراجع عندما تعلم ان تحركاتها ستسبب الألم لأفراد آخرين. وهناك دراسة نشرت قبل عقدين من قبل هال ماركويتز من جامعة ولاية سان فرانسيسكو. وقال ماركويتز في دراسته انه لاحظ بعد تدريب قرود ديانا على ادخال قطعة نقدية في فتحة خاصة للحصول على الطعام، لاحظ ذكراً يساعد أنثى طاعنة في السن لم تستطع ان تتعلم العملية. وفي ثلاث مناسبات، قام الذكر بالتقاط القطع النقدية التي اسقطتها ووضعها في الآلة وأتاح لها الحصول على الطعام. وقد لا نعرف أبداً ما إذا كانت هذه الفئران والقرود تشعر بالتعاطف كما نفعل نحن البشر. ولكن ما نستطيع عمله هو ان نبدأ بمقارنة ما يجري في أدمغة الحيوانات بما يجري في أدمغتنا. وقد بدأت أساليب التصوير العصبي مثل المسح بتقنية «بي.إي.تي» وتقنية «ام.آر.آي» الوظيفية بالقاء الضوء على العواطف البشرية، ويأمل العلماء بأن يتم قريباً اجراء دراسات مماثلة على الحيوانات الرئيسية والحيوانات الاخرى. وفي غضون ذلك، فإن مراقبة الحيوانات على أرض الواقع قد أقنعت العديد من الباحثين بأنها تملك العواطف التي يبنى عليها الحس الاخلاقي. ضرار عمير