يفاجأ الشخص الذاهب الى الغابات البريطانية اليوم بمنظر غير مألوف لرجال ونساء يهتفون بسعادة بينما يقذفون ببطانيات على النباتات النامية على أرضية الغابة ويجرّونها من جديد. ان هذا المشهد الذي يمكن ان تراه بين الفينة والاخرى في الغابة الجديدة جنوبي انجلترا هو في الحقيقة محاولة لالتقاط حشرات القراد، وهي حشرات طفيلية لا يزيد حجمها على حجم رأس الدبّوس تتغذى على دم الانسان والحيوان. وعندما يخرج صيادو القراد من الغابة، بعد ان يكونوا قد تفحصوا انفسهم جيداً للتأكد من عدم وجود قراد عالق بهم، يقومون بانتزاع الغدد اللعابية الخاصة بالحشرات الملتقطة ويمزجونها لتكوين حساء من لعاب القراد. ويعتقد العلماء الذين يعملون لدى شركة «ايفليوتيك» للتقنية الحيوية ومقرها اكسفورد ان هذا الحساء الذي لا يبدو واعداً في مظهره سيكون مصدراً لعقاقير جديدة فعالة. لا يستهدف الباحثون لعاب القراد فحسب. فهناك باحثون اخرون ينبّشون عن العلق وديدان الانسيلوستوما والخفافيش الماصة للدماء وذباب الرمل للسبب نفسه. ان هذه المخلوقات تملك شيئاً مشتركاً. فهي جميعها طفيليات مصاصة للدماء، تعيش معتمدة على كائنات حية اخرى. وخلال ملايين السنين، استطاعت هذه الطفيليات ان تطوّر وسائل ماكرة للتلاعب بمضيفيها لتحقيق غاياتها. فهي تصنّع كيماويات تمنع تجلّط الدم وتحث على تدفق الدم او تحمي الحشرات من الدفاعات المناعية الخاصة بمضيفيها. ولكن البشر بدأوا الان باستغلال المركّبات التي تنتجها هذه الطفيليات كمصدر لأدوية جديدة محتملة. وعلى سبيل المثال، من الممكن ان يكون الجزيء الذي يذوّب تجلطات الدم وسيلة انقاذ للحياة بالنسبة لمرضى النوبة القلبية. ويمكن ان يفيد المركّب الذي يعمل على كبح المناعة في الامراض الناجمة عن الافراط في نشاط جهاز المناعة مثل الربو والحساسية. ان فكرة البحث عن عقاقير جديدة من النباتات او الحيوانات ليست بالفكرة الجديدة، ولكن بحسب ريتشارد تيتوس، وهو عالم احياء في جامعة ولاية كولورادو، فان سباق التسلح التطوري بين الطفيليات ومضيفيها قد يكون من أفضل مجالات البحث حتى الان. واول حشرة طفيلية جرى استغلالها من قبل البشر كانت العلقة الماصة للدم. ففي العصور القديمة، مارس الاطباء فن استخراج الدم بواسطة العلق وذلك بوضع الحشرة على جلد المريض لكي تمص ما كان يعتقد بأنه دم «زائد». وأصرّ الاطباء في حينه بأن هذا الاسلوب هو علاج مضمون لأي شيء من مرض السيلان وحتى الهستيريا. وفي الواقع ان هذه المخلوقات لاتزال تستخدم حتى الان في تصريف الدم اثناء انواع معينة من الجراحات الدقيقة. والحكمة في استخدام العلق بدلا من شق جرح بواسطة مشرط تكمن في ان العلق يمكن ان يستمر في سحب الدم بعد وقت طويل من تجلّط الجرح العادي. والسر في ذلك هو جزيء في لعاب العلق يدعى «هيرودين». وهو يملك الشكل المناسب والشحنة الكهربائية الملائمة بالضبط لكي يرتبط ببروتين الدم «ثرومبين»، الذي يعتبر انزيماً اساسياً في عملية تخثر الدم. ويعتبر «هيرودين» الذي احكم بفعل عملية التطور، فعالاً جداً لدرجة ان العلقة يمكنها ان تتخم نفسها من امتصاص الدم بدون ان يجف الجرح. لقد استطاعت شركة افنتيس الدوائية ان تنتج بكتيريا بواسطة الهندسة الوراثية بهدف استخلاص جزيء «هيرودين» وبدأت قبل اربعة اعوام ببيع المادة للمستشفيات كمخفف للدم او «مضاد للتخثر». وهي تستخدم لمنع تجلطات الدم القاتلة التي يمكن ان تتشكل نتيجة للتلف الذي يلحق بالاوعية الدموية اثناء الجراحة. وللاسف، فان «هيرودين» ليس دواء لجميع العلل والامراض. فهو لا يعطى الا في مرات معينة من حياة المريض وقبل ان يتعلم جهاز المناعة كيفية التعرف عليه كجسم غريب ويحاربه بأعداد متزايدة من الأجسام المضادة في كل مرة. ولكن لماذا التوقف عند العلق؟ فهناك ما يقدّر بحوالي 40 الف نوع مختلف من الحشرات الطفيلية التي تشرب دم الانسان او الحيوان. وقد بدأ العلماء يتساءلون حول ما اذا كان هناك المزيد من هذه الطفيليات يستخدم خدعة تخفيف الدم ربما باستخدام مضادات افضل للتجلط. ومن بين هذه الطفيليات ديدان الانسيلوستوما التي تعيش داخل امعاء الانسان وحيوانات اخرى وتتغذى على امداداتها الغنية من الدم. وهي تستخدم مضاداً للتخثر على غرار العلق، وقد قامت شركة تدعى كورفاس ومقرها كاليفورنيا بعزل هذه المادة الكيماوية التي تدعى بروتين نيماتود المضاد للتخثر. وهي تستخدم بعد العمليات الجراحية وبخاصة جراحة استبدال الركبة لمنع تخثر الدم بعد العملية. وتعكف شركات الادوية الكبيرة حاليا على دراسة الطفيليات الاخرى المصاصة للدماء بهدف استخلاص مواد نافعة يمكن ان توظف في الاستخدامات الطبية وتكون بداية لرد الاستغلال الذي تقوم به هذه الطفيليات للانسان والحيوان.