شيعت أمس جنازة المخرج السينمائي المصري عاطف سالم الذي وافته المنية بعد صراع طويل مع المرض استمر طيلة 4 سنوات كاملة. وقد تقدم جنازة المخرج الراحل مندوبا عن الرئيس المصري حسني مبارك وممدوح الليثي نقيب السينمائيين، ورؤساء النقابات الفنية ومجموعة محدودة من زملائه وتلاميذه وأفراد أسرته. وكان المخرج الكبير قد أصيب بجلطة في المخ ترتب عليها اصابته بشلل نصفي عام 99 وتم نقله على اثر ذلك للعلاج في مستشفى الصفا بالقاهرة، ونظرا لاستمرار تدهور حالته الصحية عجز عن سداد مصاريف علاجه الى أن أصدر رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت د. كمال الجنزوري قرارا بعلاجه على نفقة الدولة. وبعد ذلك نقل سالم من مستشفى الصفا الخاص الى مستشفى الهرم حيث تولت نقابة المهن السينمائية علاجه. وكان المخرج الراحل عاطف سالم قد ارتبط قبل اصابته بالجلطة الدماغية التي أودت بحياته باخراج آخر افلامه «فارس ظهر الخيل» ولم يستطع أن يستكمله إلا وهو على كرسي متحرك وتولى مساعدته في انجاز هذا العمل المخرج شعبان ابراهيم حتى تم الانتهاء منه، وقد شاء قدر المخرج الكبير الذي لقب بمخرج الجوائز على مدى نصف قرن من عمره أن يتزامن رحيله مع حصوله على شهادة تقدير عن آخر أفلامه «فارس ظهر الخيل» من مهرجان الاذاعة والتلفزيون الذي انتهت فعالياته بالقاهرة منذ أيام قليلة. ولد عاطف سالم في مدينة الابيض في السودان عام 1927 ابنا لاحد ضباط الجيش المصري في الوقت الذي كان فيه السودان جزءا من المملكة المصرية في حينه. وحصل على شهادة البكالوريوس في الفنون التطبيقية من جامعة فؤاد الاول (جامعة القاهرة). ودخل عالم السينما عام 1943 كممثل في فيلم «ماجدة» وانتقل بعدها للعمل كمساعد ثالث للمخرجين حتى وصل الى موقع مساعد اول لاهم المخرجين المصريين في نهاية الاربعينيات مثل احمد بدرخان واحمد جلال وحلمى رفلة. وبدأت رحلة سالم مع الاخراج عام 1953 في فيلمه الاول «الحرمان» من بطولة الطفلة فيروز التي اعتبرت معجزة بين بنات جيلها في التمثيل. والمخرج عاطف سالم أمضى سنواته الأخيرة وحيدا بعد أن فشل في ثلاث تجارب زوجية من قبل كانت الأولى في بداية حياته الفنية وكانت من خارج الوسط الفني وأثمرت عن ابنتيه ليلى وسلوى ثم تزوج بعد ذلك من اكتشافه الوجه الجديد وقتها نبيلة عبيد التي سرعان ما انفصل عنها بعد سنوات قليلة من الزواج ثم كانت آخر زوجاته من خارج الوسط الفني أيضا ولم يستمر الزواج طويلا. وقد تعرضت حياة المخرج عاطف سالم لهزة عنيفة بفقدانه لابنته ليلى منذ عدة سنوات وظل منذ ذلك الوقت يعاني من آلام نفسية حادة كان يتغلب عليها بالسفر المستمر لحضور المهرجانات السينمائية العالمية وأعطى كل وقته لرعايته ابنته الوحيدة سلوى وأحفاده منها. وبعد أن تدهورت حالته الصحية على إثر اصابته بجلطة في المخ ابتعد عنه تلاميذه وأصدقاؤه لانشغال كل منهم بأعماله الخاصة فتسبب هذا في زيادة معاناته النفسية نتيجة لشعوره بفقدان الود والمحبة والوفاء ورفض محاولات كثيرة لاعادته لمنزله بوسط القاهرة حتى لا تزداد آلام وحدته وفضل أن يظل في المستشفى الذي لم يكن يتردد عليه فيه سوى ابنته سلوى وحفيدته والممثلة وفاء سالم التي كان قد قدمها في فيلم «النمر الأسود» مع الممثل أحمد زكي ومنحها اسمه الفني. وتاريخ المخرج الكبير عاطف سالم مليء بالعلامات الفنية المضيئة حيث كان من المخرجين الذين يهتمون في أفلامهم بالمشاكل والقضايا الاجتماعية وهو المخرج الذي نجح في الغاء السابقة الأولى في حياة كل من ارتكب جريمة وذلك بعد أن طرح هذه القضية في فيلم «جعلوني مجرما» حيث قررت الدولة بعد عرض الفيلم إلغاء السابقة الأولى. ومن أشهر أفلامه أيضا التي تناولت موضوعات اجتماعية متعددة «إحنا التلامذة، أم العروسة، الحفيد، السبع بنات» وكان أيضا قد قدم العديد من الأفلام الأخرى المهمة مثل «فجر الاسلام، وحد السيف، والمماليك، وصراع في النيل، أين عقلي، السيرك، وتوت توت». ورغم تعدد الجوائز التي حصل عليها المخرج الراحل عاطف سالم إلا أنه كان يعتز دائما بحصوله على جائزتين كان يرى أنهما كافيتان بالنسبة له حتى لو لم يحصل على جوائز أخرى وهما جائزته عن فيلم «ثورة اليمن» والجائزة الأخرى عن فيلم «السد العالي». وقد التقى المخرج الكبير عاطف سالم مع الكاتب الكبير نجيب محفوظ في أفلام كثيرة بعد تجربتهما الناجحة في «جعلوني مجرما» حيث قدم «إحنا التلامذة، خان الخليلي، النمرود» ووصفه نجيب محفوظ بأنه مخرج المشاعر والأحاسيس الدقيقة، وأيضا قدم عاطف سالم أنجح الأفلام الغنائية لفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ مثل فيلمي «زمان يا حب، ويوم من عمري». واذا كان عاطف سالم قد أمضى أكثر من خمسين عاما من حياته ممثلا ثم مساعدا للإخراج ثم مخرجا فإنه لم يحقق مثل غيره ثروات طائلة فعاش آخر سنوات عمره على معاش شهري تمنحه نقابة السينمائيين، ثم جاء قرار النقابة بتخصيص معاش آخر يمنح لأمثاله من الرواد السينمائيين ليفي متطلباته الضرورية حيث لم يكن يملك موارد أخرى تساعده على مواجهة أعباء الحياة الصعبة الى أن فارق الحياة أول أمس بعد أن أمضى عدة أيام في غيبوبة تامة نتيجة ارتفاع مفاجئ في معدل السكر بالدم وجلطة بالمخ. القاهرة - مكتب «البيان»: