قبل 7000 عام، استطاعت المجتمعات المستوطنة الاولى بعبقريتها المكتشفة حديثاً في مجال زراعة المحاصيل وتدجين الحيوانات ان تقيم جنة على الارض يمكن القول انها «بلاد اللبن والعسل» ولكن صناعة الالبان كانت محصورة بشكل اساسي في الاقلية القوقازية، واليوم لا تزال معظم الانسانية تعتقد ان استهلاك الحليب لاهداف غير الرضاعة يعتبر ممارسة غريبة والاغرب منها حتى هو شرب حليب اجناس اخرى. والمقياس المتبع هنا هو الحساسية لسكر اللاكتوز. فبالنسبة لكل 7 اشخاص من اصل عشرة على نطاق العالم، يؤدي شرب حليب البقر الى اصابتهم بالانتفاخ والتسبب بالطفح الجلدي. ولكن القلة التي تحب الحليب تتمسك به، ويعمل الضغط الانتقائي بشكل تدريجي على تعطيل عمل المورثات المسئولة عن اشد الحساسيات التي نعاني منها بسبب الحليب. ولكن هذا لا يعني ان الجميع يشيد بالمادة البيضاء. فأبوقراط، ابو الطب، كان يثق ثقة تامة بأن الحمية الغذائية الخالية من الحليب تصلح لعلاج جميع انواع الامراض مثل الضعف لدى الاطفال والاسهال والعلل الجلدية والصفير عن التنفس وآلام المفاصل. والآن، هناك ازمة راهنة تواجه صناعة الالبان الغربية تتمحور حول ما اذا كانت المادة البيضاء «الحليب» هي المادة الملائمة لجعل الصحة البشرية اقرب ما تكون الى مرحلة الكمال. فحتى ان الحليب، الذي يعتبر المصدر المثالي المفترض للكالسيوم الضروري لصحة العظام، تعرض للانتقاد والتشكيك. ولأول مرة وجدت صناعة الالبان نفسها تخوض معركة ضارية للحفاظ على إيمان المستهلك بـ «الفائدة الاساسية» لمنتجاتها. خذ، على سبيل المثال، الصراع الدائر حول بعض القضايا الصحية. فيما يتعلق بسرطان الثدي، تقول دكتورة انيتا ويلز، من مجلس الالبان البريطاني، في دراسة نرويجية حديثة ان «اكتشاف حقيقة ان الاشخاص الذين شربوا الحليب طوال حياتهم لديهم احتمال اقل للاصابة بسرطان الثدي هو خطوة مثيرة الى الامام». وفي مقابل ذلك، تقول دكتورة انيت هارتيكر من فريق بحث نرويجي، في تعليقها على سلسلة كاملة من الدراسات في موضوع سرطان الثدي واستهلاك الحليب. وحول امراض القلب، يقول مجلس الالبان البريطاني: «لا يوجد دليل علمي يدعم الرأي القائل ان شرب الحليب وتناول منتجات الالبان، والتي توفر بحد ذاتها، بعض الدهون المشبعة، يزيد من مخاطر الاصابة بامراض القلب» غير ان الدكتور والتر ويليت وفي دراسة صحية لكلية التمريض في جامعة هارفارد شملت 78 الف امرأة، يقول ان «النساء اللواتي يتناولن المزيد من الدهون غير المشبعة بدلاً من الدهون المشبعة يواجهن مشكلات صحية اقل». وفي حرب الدعاية الضخمة بين صناعة الالبان وجيش من المحرضين «ضد الحليب» من النباتيين وانصار حقوق الحيوان، فان كلا الطرفين يمتازان بالقسوة وعدم الرحمة في لجوئهما الانتقائي للادلة. والاستثناء المشرق لهذين النموذجين هو حفنة من العلماء الذين يعملون بالنيابة عن «المادة الخضراء» واحد هؤلاء هو دكتور كولن كامبيل، وهو استاذ متقاعد من جامعة كورنيل بولاية نيويورك؛، ورائد في مجال علم الاوبئة الغذائي. ويقول كامبيل: «ارى من المسلم به ان التغذية والمسألة المتعلقة بالبروتين الحيواني بما في ذلك الحليب والالبان هي في مركز الطبق للوقاية من الامراض. ومن العلماء الآخرين الذين يسيرون على نفس المنوال الدكتور ستيفن والش، وهو محاضر في كلية امبريال في لندن. وهو الشخص الذي قام، مؤخراً، باثبات بطلان ادعاء مجلسي الالبان في الولايات المتحدة وبريطانيا حول الدور الوقائي للحليب فيما يتعلق بسرطان الثدي. ويقول والش: «اذا كان هناك تأثير مفيد للحليب فيما يتعلق بسرطان الثدي، فان ذلك يعود على الارجح الى وجود محتوى من الكالسيوم وفيتامين «د». واذا كان هناك تأثير سلبي، فانه سيكون على الارجح من تأثير الحليب على عامل نماء الانسولين الذي يرمز له بـ «اي جي اف ـ 1». ويضيف والش قائلاً: ان الافضل لك هو ان تستقي حاجتك من الكالسيوم وفيتامين «د» من مادة اخرى غير الحليب وتنجو من الاخطار المحتملة بـ «آي جي اف ـ 1». ولكن هذا الرأي لا يشاركه فيه العديد من العلماء الآخرين الذين ينظرون الى الجانب الايجابي من الحليب ويقللون من مخاطر الجانب السلبي فيه. وفي غضون ذلك، يستمر الملايين حول العالم بشرب هذه المادة البيضاء دون ان يصيروا اي اهتمام بالجدل الدائر حول فوائد ومضار الحليب. ضرار عمير