وصف تشارلز هورنر وهو قائد سرب في سلاح الجو الاميركي، التحقيقات البريطانية في حادثة قصف بنيران صديقة وقعت خلال حرب الخليج وصفها بقوله انه «حك على الجرب» وكانت طائرة اميركية من طراز ايه ـ 10 قد قصفت في السادس والعشرين من فبراير 1991 مدرعتين بريطانيتين بصواريخ من نوع «مافريك» مما ادى الى مقتل تسعة جنود بريطانيين. ولقد اكد موقف هورنر الفكرة القائلة ان الحقيقة هي الضحية الاولى للحرب. فقد آمن بوضوح بأن من الافضل عدم قول الحقيقة وتساءل أي ثقة ستكون لدى الشعب في الة عسكرية تكبد الأمة مليارات الدولارات، ولكنها لا تستطيع ان تميز الصديق من العدو؟ لقد شهد الدور الذي اختارته الولايات المتحدة لنفسها كشرطي للعالم تورط قواتها في عشرات الاوضاع العسكرية «القذرة» والمعقدة، والتي جلبت لها براعة ولا اخلاقية التكنوقراط بدلا من حساسية الدبلوماسي ولتقليل الخسائر البشرية المحرجة سياسيا، بحثت الولايات المتحدة عن حلول تقنية عالية لاوضاع تقليدية، متحدثة عن اسلوبها في الحروب بلغة توجد الانطباع بأن الحرب نظيفة ودقيقة وبلا دماء عمليا. ولكن اخطاء الجيش الاميركي تعتبر ميزة حاضرة على الدوام في التقارير الاخبارية التي ترد من افغانستان او يوغسلافيا السابقة. والابرز من بين تلك الاخطاء هو حوادث النيران الصديقة. أسلحة عجيبة في أفلام هوليوود السينمائية، شاهد الجمهور الأميركي اسلحة جديدة عجيبة يستخدمها ميل جبسون او توم كروز او ستيفن سيجال، وعلى الشاشة الفضية تعمل تلك الاسلحة بفاعلية. فصواريخ توماهوك تنتقي الشخص الشرير في الشارع تاركة جماهير الاطفال الحفاة يلتهمون بسعادة شطائر البيرغر على بعد بضع خطوات عن مكان الحادث. ولكن في العالم الحقيقي، ليس هناك وجود لاسلحة صديقة، فبعض الاسلحة الموصوفة بأنها «ذكية» والتي استخدمت في كوسوفو اخطأت البلاد كلها وسقطت في بلغاريا. والآلة العسكرية الدقيقة والفعالة بشكل خارق وفائقة التقنية التي يعتقد الاميركيون بأنهم يملكونها ما هي الا تصورا اوجدته هوليوود. والمصالح المتشابكة تحافظ على هذه الصورة لان الكثير من الوظائف والسمعة والمصائر تعتبر على المحك. في ابريل من هذا العام، قامت طائرة جريئة اميركية من طراز اف ـ 16 باسقاط قنبلة موجهة بالليزر تزن 225 كيلوجراما على جنود كنديين يشاركون في تمرين بالذخيرة الحية في منطقة تدريب محددة بوضوح جنوبي افغانستان، مما ادى الى مقتل اربعة جنود وجرح ثمانية آخرين. وعلى ما يبدو فان الطيار قد أبلغ عن تعرضه للتهديد من نيران ارضية وطلب مرتين الاذن بقصف المنطقة بمدفع طائرته من عيار 20 ملليمترا ولكن طلبه رفض. كانت القوات الكندية تطلق النار على اهداف ارضية فقط خلال تمرين ليلي، ومن الصعب فهم السبب الذي جعل الطيار يشعر بأنه في خطر. ولكنه في النهاية اسقط قنبلته مستشهدا بقواعد الدفاع عن النفس. وفي الخليج العربي في عام 1988 كانت السفينة الأميركية «فنسينز» تعتبر احدث سفينة عائمة على سطح البحر، وكانت السفينة المسماه «روبوكروزر» تعج بالتقنيات الحديثة، وفي الثالث من يوليو من العام نفسه، كانت طائرة ايرانية من طراز ايرباص رحلة رقم 655، تغادر المطار في بندر عباس لتقوم برحلة قصيرة عبر الخليج حاملة على متنها 290 راكبا. وما ان اقلعت الطائرة المدنية حتى التقطتها شاشات الرادار على متن السفينة «فنسينز»، واصفة اياها على نحو غير مبرر بأنها مقاتلة ايرانية. وفي اعماق مركز المعلومات المعتم التابع للسفينة، كان المراقبون يتوصلون الى قرار كارثي. فاستنتجوا ان بندر عباس تضم مطارا وقاعدة جوية عسكرية، وبالتالي، فان اي شيء يخرج منها يجب ان يفترض بأن يكون معاديا. من يستطيع تحمل الانتظار للقيام بعملية تحديد الهوية عن كثب؟ في غضون ثوان فقط، كان صاروخان يتجهان الى الاعلى لقتل الركاب المدنيين الـ 290. وحالما اتضح ان خطأ فظيعا قد وقع، بدأت التغطية السياسية. فقد منحت وزارة الدفاع الاميركية ميدالية شكر الى منسق العمليات الحربية الجوية لـ «قدرته على اتمام عملية اطلاق النار بسرعة وبدقة». وخلال سنوات التسعينيات، وقعت حوادث كثيرة أخطأ فيها الطيارون الأميركيون في التعرف على اهدافهم لدرجة انهم اصبحوا مادة للتندر على شاشات التلفزيون الأميركية. ففي عام 1994، وقع حادث فوق الاراضي العراقية. وفي ذلك الوقت، وبعد سلسلة من حوادث اطلاق النار على القوات الصديقة اثناء حرب الخليج كان قد تم تطوير نظام أمان من الاخطاء مؤلف من خمس خطوات لمنع وقوع اشتباك عرضي بين طائرات صديقة تحلق في اجواء المنطقة. ولكن هذا النظام لم ينجح، ففي صباح 14 ابريل، غادرت مروحيتان اميركيتان من طراز بلاك هوك. تحملان مسئولين من الأمم المتحدة ومراقبين من الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا وفرنسا. بالاضافة الى مترجمين أكراد غادرت بلدة زاخو الحدودية العراقية متجهة الى محافظة صلاح الدين. كانت تلك رحلة اعتيادية تم القيام بها عدة مرات في الاشهر السابقة. ولم يكن هناك شيء فيها يلفت انتباه طائرتين مقاتلتين اميركيتين قامتا بتحديد المروحية على أنها طائرة عراقية فاطلقتا النار عليها بدون سابق انذار مما ادى الى سقوطها ومقتل جميع الاشخاص الـ 26 الذين كانوا على متنها. وعلى الرغم من نظام الأمان من الخطأ المؤلف من خمس خطوات، الا ان الخطأ البشري أثبت مجددا ان من المستحيل التنبؤ به وتجاوزه. ترجمة: ضرار عمير عن «اسكوير»