حقق العديد من الدول المتقدمة خلال العقود الثلاثة الماضية انخفاضاً واضحاً في نسبة انتشار تسوس الاسنان بين افراد مجتمعاتها. وخاصة الاطفال بسبب الاعتماد على استخدام الفلوريدات بالطرق المختلفة كمياه الشرب وملح الطعام ومكملات الفلورايد الغذائية التي تؤخذ عن طريق الفم وبالتطبيق الموضعي. وقد شجع ازدياد الوعي الصحي في غالبية الدول على استخدام معاجين الاسنان المفلورة التي اثبتت الدراسات فاعليتها في الوقاية من تسوس الانسان، إلا ان حالات التسمم بالفلورايد قد بدأت تظهر على اسنان الاطفال في عدد من الدول بسبب ابتلاع كمية من المعجون اثناء الاستعمال اليومي له بالاضافة الى دخول الفلورايد عن طريق الاغذية، ما دعا العاملين في مجال الصحة العامة الى القيام باجراء الدراسات وتقييم نتائجها لتجنب التعرض للآثار السلبية للفلورايد مع المحافظة على فوائدها الوقائية. عن هذا الامر يقول د. نبيل البيروتي مدير مركز بحوث طب الفم بدمشق. ان المحافظة على التوازن المطلوب في استخدام الفلورايد خلال العقد المقبل هو اجراء استراتيجي هام لغالبية الدول مع ضرورة التركيز على ان الفلورايد عنصر علاجي ووقائي يمكن استخدامه بدقة وفي المناطق التي تحتاج اليه. والفلورايد كما هو معروف يوجد في التربة والماء والهواء بأشكال وتراكيز مختلفة حسب التركيب البيولوجي للمنطقة ووجود مناطق صناعية وانهار وبحيرات وهو يدخل الى جسم الانسان عن طريق الغذاء والماء والمكملات الغذائية الاخرى. تسوس الاسنان تشير الابحاث الى ان الفلورايد يكون اكثر فعالية في الوقاية من تسوس الاسنان اذا تمت المحافظة على مستوى منخفض منه في جوف الفم بشكل مستمر، وان اللويحة السنية الجرثومية هي مستودع هام للفلورايد اضافة الى ان قليلا منه يوجد في اللعاب وعلى سطح النسج اللينة داخل الفم وبشكل غير محكم الارتباط وعلى سطوح الميناء. وان تعرض الافراد الى مستوى منخفض من الفلورايد بشكل نظامي هي الطريقة المثلى للوقاية من تسوس الاسنان اما الافراد الاكثر عرضة للاصابة بالتسوس فيمكن تطبيق مركبات الفلورايد عالية التركيز لهم خلال فترة متقاربة اذ يسرع وجود الفلورايد في اللويحة الجرثومية وفي اللعاب في اعادة تمعدن افات الميناء البدنية قبل تطورها وهو يتداخل مع تحلل السكر ويمنع تشكل الحموضة بالاضافة الى انه بتراكيزه العالية يبيد الجراثيم المحدثة للتسوس. الجرعة المناسبة تشير المعلومات المتوافرة الى ان مجموع ما يتناوله الافراد من الفلورايد يختلف من بلد الى آخر ومن منطقة الى اخرى في نفس البلد، وقد اتفق على ان الجرعة الاجمالية المقبولة هي التي تتراوح بين 0.05 ـ 0.07 ملغ/كغ من وزن الجسم. وقد اظهرت الدراسات بأن كمية الفلورايد اليومية التي يتناولها الطفل الرضيع تبلغ حوالي 0.2 ملغ تزداد لدى البالغين لتصل الى 5 ملغ يوميا وهذه الكميات تضاف الى كميات اخرى ترد للجسم عن طريق الغذاء. اذ ان الفلورايد يتوافر في العديد من الاطعمة كالسمك والدجاج واللحوم والجوز والعدس والبطاطا والارز والمعكرونة والخبز والفلفل والبهارات والشاي والكرز والتوت والزبيب والملفوف والحمضيات وغيرها. التسمم بالفلور ينجم التسمم الفلوري السيء عن تناول الفلوريدات بكميات كبيرة لفترة طويلة خلال فترة نمو الاسنان ويتظاهر سريرياً ببقع بيضاء كامدة في الميناء التي تصبح على شكل خطوط ضيقة وقد يتدرج لونها الى الاصفر والبني الداكن، وفي حالات اشد يمكن ان تظهر في الميناء حفر منفصلة ومساحات كبيرة تدل على نقص النمو الى حد يزول منه الشكل الطبيعي للسن. وتجدر الاشار الى ان الانسمام الفلوري قد يكون بعدة اشكال، ففي حالة الانسمام الحاد الذي يحدث من جراء تناول جرعة كبيرة من الفلورايد دفعة واحدة يصاب المريض بالغثيان والاقياء والآلام وزيادة افراز اللعاب والمادة المخاطية من الانف والفم اضافة الى الشعور بالضعف العام وشلل في عضلات البلع وتشنجات في الاطراف واختلاجات مع نبض خيطي وهبوط في ضغط الدم. وقد يؤدي ذلك الى قصور كلوي واضطراب في نظم القلب فأسباب الوفاة التي تحدث خلال ساعات من تناول هذه الكمية من الفلورايد، وطبعا تختلف هذه المظاهر وحدة الاصابة من شخص لآخر وتبعا للكمية التي تم تناولها. ويتراوح المقدار المتوسط من الفلورايد القاتل للانسان الذي يزن 70 كيلوغراما من 5 ـ 10 غرامات من فلورايد الصوديوم. اما للطفل الذي يبلغ من العمر سنة واحدة ووزنه حوالي 9 كيلوغرامات فتتراوح الكمية بين 0.7 ـ 1.5 غرام من فلورايد الصوديوم. ويعتبر تناول 5 ملغ/كغ من وزن الجسم مقداراً ساما، لهذا ينبغي توخي الحذر من حدوث مثل هذه المضاعفات وتجدر الاشارة الى ان تقديم اقراص الفلورايد للاطفال هو اجراء صحي عام محدد الفاعلية بسبب ضعف الالتزام بالنظام اليومي للتطبيق وينصح بوصف 0.5 ملغ/ يوم للاطفال المعرضين لخطر الاصابة بتسوس الاسنان في المناطق التي يكون فيها مستوى تسوس الاسنان متوسطاً الى منخفض وذلك بدءاً من العام الثالث من العمر اما في المناطق التي يكون فيها التسوس منتشراً بشدة فإن الفلورايد يطبق وفقاً لبرنامج تتبناه المؤسسات الصحية التي تحدد الجرعة المناسبة من هذا العنصر الضروري للجسم وصحة الاسنان. معجون الاسنان اظهرت الدراسات العديدة خلال العشرين سنة الماضية ان استخدام معاجين الاسنان التي تحتوي على الفلورايد هو اجراء مهم وفعال في الوقاية من التسوس. والانخفاض الواضح في نسبة انتشار التسوس في البلدان المتقدمة يمكن ان يعزى الى انتشار معاجين الاسنان التي تحتوي على الفلورايد. إلا ان التكلفة تبقى عائقاً لا ستعمالها بشكل واسع في البلدان النامية. وتجدر الاشارة الى ان ازدياد استعمال معاجين الاسنان في البلدان المتقدمة قد رافقه حالات من الانسمام بالفلورايد لدى الاطفال بسبب ابتلاع كميات من المعجون اثناء الاستعمال اضافة الى الكميات الاخرى التي ترد عن طريق الغذاء وغيره. ومن اهم الارشادات التي ينبغي الالتزام بها لدى استعمال هذا النوع من معجون الاسنان: ـ استعمال فرشاة ذات رأس صغير وحجم المعجون المستخدم يعادل حجم حبة البازلاء. ـ يفضل استخدام عبوة المعجون على شكل مضخة. ـ تجنب بلع المعجون. ـ ينبغي التأكد من تركيز الفلورايد في المعجون المستخدم. ـ يجب وضع هذا النوع من المعاجين بعيداً عن ايدي الاطفال. ـ من المهم جدا ان يراقب الاهل اطفالهم لدى استعمال المعجون. واخيراً فإن من واجب الشركات والجهات المعنية عدم اضافة منكهات او غيرها من المواد التي تجعل الطفل يقبل على استعمال المعجون مرات عديدة كيلا يحدث اي مكروه، فصحة اطفالنا بين ايدينا نحن اولاً وأخيراً. ولتفادي اية اصابات او مضاعفات ينصح بشكل عام باستشارة طبية الاسنان الذي يمكنه ان يحدد الجرعة المناسبة من الفلورايد وكيفية المحافظة على صحة وسلامة الاسنان ووقايتها من التسوس.