ميشال اونفري فيلسوف غريب، ولد عام 1959 في قلب الريف الفرنسي وكافأته جوائز ادبية عديدة. لكنه يرفض الالقاب التكريمية والصفارات الاعلامية. وهو اليوم يدرس مادة الفلسفة في ثانوية تعليم تقني في مدينة قان، منطقة النورماندي «شمال غرب فرنسا» ويمضي بقية وقته في الكتابة. ينشر هذه الايام جمالية القطب الشمالي، كأفكار برزت من رحلة نحو منبع العلاقة المملوءة بالاسرار بين الاب والابن. سبق لهذا الكاتب ان نشر حوالي خمسة عشر كتابا. يلخص كتابه «صحيفة هندوسية» بأجزائه الثلاثة وانطلاقا من عنوانه، يرتبط الفكر الفلسفي عنده بحياة فلسفية، كشهادة على منحى صادق واصيل. وهكذا تطرح الاسئلة وتتم الاجابات مع تطابق مع الغير. يدعو لنمط من العيش يسأل الحكمة، بدل دراسة تقشفية لاشياء تعتبر فلسفية محضة. وهنا يبرز مجمل فنه في كتابة متدرجة، واضحة وفي متناول الجميع. لان في كنه بعض العبارات تحاك اسئلة لا متناهية. لا يفرضها لانه يقدر ويحترم قراءه. تحرك الدهاليز القراء فيتوقفون، مع علمهم بالقدرة على المتابعة انطلاقا من اي صفحة وفي اي لحظة. لا حد لثقافة، يؤدي به شغفه الفضولي الى مختلف الاكتشافات. يهوى لوكراس فينكب على دراسة الفن والتاريخ القديم. ورحلاته لقاءات بمن أحب من الكتاب، من بلين وحتى كيركغارد. عناوين مؤلفاته اعياد باخوسيه على طريقة رابليه مثل: بطن الفلاسفة، فن التمتع، العقل الشره، نظرية الجسد العاشق... ميشال اونفري هو شاعر ايضاً. وقع عاشق الموسيقى الحاذق ايضاً كراسة اوبرا بتوزيع اريك تانغي. حاز عام 1993 على جائزة مديسيس الشهيرة من فئة محاولات ادبية عن مؤلفه: نحت الذات. عرفت مؤلفاته منذ عدة سنوات طريقها الى الترجمة، ومنها الى حوالي عشر لغات «اوروبية وايضاً برازيلية ويابانية وصينية ورومانية» فليس اذن غريباً ان يتولى ادارة قيم ترجمة مجموعة الفلسفة الاوروبية المعاصرة. هل يهتم الكاتب بجوائزه؟ يبدو كل كتاب ثمرة تجربة تستحق الفهم، كما لو ان الكلمات تبلغ وزن حساسيتها المرهفة عندما يلقى بها على الصفحة البيضاء. يدعو للاستخفاف وللمجون لكن صحة نظرته على العالم تضع كل صناعة في حالة ارتباك. وصل والده الى الثمانين من العمر، وللاحتفاء بعيد ميلاده دعاه الى زيارة القطب الشمالي. والده مزارع نورماندي لم يغادر ابداً ارضه، لكنه سبق واسر لإبنه منذ عشرين عاما بهذا الحلم بينما كانا في حقل يزرعان البطاطا. وظهر كتاب عن هذه الرحلة تحت عنوان: «جمالية القطب الشمالي» تشهد الرواية الخجولة على الزمن بمختلف اشكاله، بعيدا عن تدفق عواطف بين فلاح تخشبت يداه وابن عالم. فاللامتناهي سبق الانسان، لكنه لا يوجد الا إذا وجد الانسان للبرهنة عليه. على هذه الارض القطبية حيث الحجر هو الشكل الاول لاي شيء، تجاوزت جغرافيا الكرة والعناصر المناخية قبل وصول الشاهدين. ويدعو هنا المسافر الى تأمل الحق، المخبأ وراء شبائك السياح والمناظر المخادعة في مظهرها. يتجرأ اونفري في مزجه بين تجانس الاصوات والتكرار، على اسلوب غير اكاديمي تحمل القاريء الى جوار احاسيسه القطبية. من جملة ما كتب: «انه احساس بغد خلق العالم، وشعور للناظر بكونه معاصر لقدوم الكوكب، لخلق فوري للقارات وللاحجام وللقطع... «ويصف: هناك السكون، يخيم السكون دائما على هذه العلامات وهذه الهالة القدسية والتي لا تأثير عليها من انسان او ريح او كلمة او طاقة. تمر هذه اللحظات العنيفة في وقت مفعم بعطر القديم المعاصر للتاريخ الغربي او للاسطورة الاغريقية. تضيء صفحات الكتاب صور الان شوزينسكي، وتسرد اسم الازمنة التي تعبر بين الرحلة والفكرة منذ العصر الحجري حتى عصر الحياة وحتى زوالها. يصف ميشال اونفري العلاقة بين ابيه وبولوزي، دليل من القطب، عراف وفنان وشاهد عصرين، لا يعرف اين موقعه في هذا العالم فهو يرى ارضه حيث ولد تتغير وتجف، وتضعف كتلة الجليد ويسخن الطقس. يتصدع الجليد ويتساقط دون ارتعاش لحضور الانسان ويغطي المساكن القطبية محدثا دويا هائلاً. يقدم ميشال اونفري هنا مفتاح الطبيعة البشرية: تمتحن هنا الحلولية كما اختبرها الانسان الاول: مخاوف، قلق، ضيق، مشاعر ممتزجة، اضطراب امام الاتساع الذي يغمرنا، يفيض ويتجاوز. يكشف كتابه، كصورة عن التمرد الجيولوجي طبيعة الكاتب، فنان ممتليء الحواس، انسان الاحاسيس. «ساره لولي»