إذا زعمنا ان ابن سلام الجمحي كان من أوائل النقاد الذين حوّلوا النقد من خواطر شوارد تفسر الشعر، إلى دراسة ذات منهج شبه موضوعي كان علينا ان نمتحن منهجه لنرى أكان نظرية مستندة إلى أصول ومنطلقة من فلسفة معينة في الحياة ومن موقف محدد من الأدب، أم كان خطوطاً أساسية، رسمها في مقدمته، ليحتكم إليها في تفسير الفحولة، وتقسيم الشعراء إلى طبقات للوقوف على أسرار الجمال الفني، ثم لإذاقة القارئ حلاوة هذه الأسرار وامتاعه بها؟ الحق ان ابن سلام وضع نظرات لا نظرية، وصب هذه النظرات في مصطلحات راحت دلالاتها ترسخ رسوخاً متدرجاً بعد ان تلقفها النقاد من بعده، ومن هذه المصطلحات: الفحولة، والطبقة، ورقة الحواشي، وشدة الأسر، وهلهلة الشعر، وديباجته، والطبع، والصنعة، وعمود الشعر. ومن يقرأ كتابه (طبقات فحول الشعراء) قراءة المتدبر المدقق لا قراءة المستطلع العجلان يدرك ان طائفة من هذه المصطلحات كانت تلبس لبوس الاصطلاح، ولا تنطوي على دقته الدلالية وتتزيا بزي العلم، لكنها لا تخلع رداء الذوق وتحاول ان ترصد الإبداع غير انها لا تتخلى عن الرغبة في التعبير عن التمتع والامتاع، هذا شأن ابن سلام. أما ما كتبه الجاحظ عن اللفظ والمعنى فإنه، على جماله، لم يجاوز أفق النظرات إلى أفق النظرية، فشأنه في النقد لم يجاوز المرحلة التي بلغها ابن سلام، كلاهما فسّر بالذوق، وحاول ان يُنظر بالذوق، وشفع تفسيره وتنظيره بنموذجات تطبيقية. ثم جاء الآمدي فكان في موازنته بين الطائييْن: ابي تمام والبحتري على التفسير أحرص منه على التنظير، فبقي نقده إلى الذوق أقرب منه إلى العلم، وعلى التحليل أقدر منه على التأصيل، وبقي النقد كذلك حتى ظهرت نظرية النظم عند عبدالقاهر الجرجاني، فكانت أشمل وأكمل مما سبقها، حتى ان الدكتور عبدالعزيز حمودة في كتابه (المرايا المقعرة) استطاع ان يجد فيها ستة أركان راسخة، يمكن ان نبني عليها النظرية الأدبية العربية في النقد الحديث، وأبرز هذه الأركان قضية الصدق والكذب المرتبطة بالدين والخلق وبالعقيدة الاسلامية وما يتصل بهذه العقيدة من سمو التعامل مع الحياة، وقضية السرقات الأدبية وما يسميه النقاد الغربيون البنيويون بالتناصّ، وقضية الموهبة والتقليد أو ما يسميه النقد الغربي الحس التاريخي لدى الشاعر الحديث المبدع، وقضية الشكل والمضمون أو ما يسميه البنيويون تحليل البنية اللفظية لتحديد العلاقة بين الانساق الصغرى والانساق الكبرى في النص. ثم مرت القرون، ونظرية الجرجاني مع ما تفرّع منها، وما أُلحق بها، وما بُني عليها ظلت تهيمن على النقد العربي. وبرغم اعجاب المتقدمين والمتأخرين بها فإنها لم تدع يوماً، ولم يدع اتباعها وشراحها انها عمل ابداعي، يعدل في ابداعه الأدب نفسه، وان فيها من القيم الفكرية والفنية ما يعدل قيم الأدب، وان ما انطوت عليه من تحليل وتعليل لإعجاز القرآن يرقى الى مستوى الابتكار. لقد بقيت نظرية النظم في حدود التفسير والتنظير، والتذييل والتكميل، ولم تجاوز ما اصطلح على تسميته الأدب الوصفي الى ما أصطلح على تسميته الأدب الانشائي، أي: بقيت تُعد في الأدب الذي يدرس الأدب وينجم عنه، لا الأدب الذي يصور الحياة، وبقيت من الأدب الذي يفسر الجمال لا من الأدب الذي يتغنى بالجمال ويصفه. وهذا يعني بالضرورة ان النقد ظل تابعاً للأدب لا مساوياً له، ولا مستقلاً عنه. وفي النصف الأول من القرن العشرين نظر النقاد الى أنفسهم، وإلى مكانتهم التي وضعهم فيها التاريخ الثقافي، فشقّ عليهم ان يجلسوا خلف الشعراء والكتّاب، فراحوا يزاحمون المبدعين، ويزعمون ان النقد نفسه ابداع لا اتباع، وابتكار لا اجترار. قال ميخائيل نعيمة: «ان فضل الناقد لا ينحصر في التمحيص والتثمين والترتيب، فهو مبدع ومرشد، مثلما هو ممحّص ومثمن ومرتب». وقال محمود أمين العالم في حديثه عن النقد: «انه ليس مجرد نقض ودحض وادانة، هو كشف وتحديد وتفسير وتقييم، يهدف الى اضاءة وتعميق الوعي والتذوق، والى تجاوز القصور تجاوزاً ابداعياً». وإذا كان نقادنا في لبنان ومصر الذين بزغوا في النصف الأول من القرن العشرين قد زعموا ان الابداع بعض النقد فإن فريقاً من النقاد الجزائريين في آخر القرن نفسه جعلوا الابداع أهم ما في النقد، وكادوا يرجحونه على الأدب نفسه، وسخروا من الناقد غير المبدع، وألحقوا نقده تفسيراً وتنظيراً وتحليلاً وتعليلاً باللغو الفارغ. وذهبوا الى ان النقد الجدير بالتقدير هو النقد المبدع الذي يصنع من النص المنقود نصاً آخر، ويفجر من الابداع الأول ابداعاً لم يطف منه طائف بخيال صاحبه الأول. قال د. عبدالملك مرتاض: «النقد في مدلوله العالي ابداع فني ثان، وأي نقد لا يرقى الى هذه المكانة فهو مجرّد لغو ومحض باطل وفضول». وأهم ما في هذا القول الذاهب مذهب التعريف ثلاث كلمات، وهي: «ابداع فني ثان» وأهم ما في ثلاث الكلمات الأخيرة، أي «ثان». فما المقصود بالابداع الأول، وما المقصود بالابداع الثاني؟ ولماذا تعد كلمة «ثان» أخطر الكلمات في هذا التعريف الرامي الى التحريف؟ المقصود بالابداع الاول النص الادبي كما صنعه صاحبه الاول كسيفيات ابي الطيب المتنبي، وروميات ابي فراس الحمداني، ومسرحيات توفيق الحكيم، وروايات نجيب كيلاني بنصوصها السابقة للتفسير والنقد، المعزولة عن التأويل والشرح، المعبرة عن آراء الشعراء والكتاب كما نظموها وكما كتبوها، والمقصود بالابداع الثاني صور هذه النصوص بعد ان تناولها النقاد بالتحليل والتعليل، والاطراء والازراء، والتفسير والتقدير، وبعد ان انتحلوها ليطبقوا عليها مذاهبهم النقدية، وبعد ان سبوها ليخضعوها للنخاسة الادبية، وليعملوا فيها مباضع الهدم والتشكيك باسم البنيوية والتفكيك. واما مكمن الخطر في كلمة «ثان» فهو الشكل الفني والفكري الذي يراد خلعه على النص القديم. ولن ينكشف لك هذا الخطر إلا اذا عرفت ان مذهبي البنيوية والتفكيك اللذين تأثر بهما د. مرتاض وغيره من النقاد العرب اعلنا موت المؤلف ومولد الناقد. ومعنى موت المؤلف تجريد النص من حصانته التاريخية التراثية وإلقاؤه بين مباضع النقاد يقطعونه ويرقعونه، ويحللونه ويؤولونه على النحو الذي يحلو لهم، ومعنى مولد الناقد اطلاق ايدي النقاد في النصوص واعفاؤهم من المحاسبة على ما يفعلونه، وانتزاع النصوص من مالكيها الحقيقيين، ونقل ملكيتها الى النقاد، والسماح لهم بأن يفسروها بالاهواء لا بالنقد المنهجي المعروف. لقد زعم أهل التفكيك ان النص لا ينبغي ان يحافظ عليه في الصورة التي صوره بها المؤلف، وانه يحق للناقد بعد ان امتلك النص ان يدخله في مخبره، وان يجري عليه ما شاء من عمليات التجميل أو التقبيح، والتكميل أو التشويه، ولهذا فمن غير المستغرب ان تجد للنص الواحد عدداً من الصور يساوي عدد الذين يدرسونه وينقدونه، وأحسن النصوص عند المفككين النصوص المصنوعة من جلود الحرابي، التي تتخذ كل يوم صورة ولونا، لان اللغة عند هؤلاء ليس لها دلالات ثابتة، بل لها دلالات متغيرة، وتغيرها يساوي في العدد عدد القراء الذين يقرؤونها. والى مثل هذا الرأي ذهب د. مرتاض حينما قال: «القراءة التي نريد اليها هي تلك التي تجعل المكتوب المقروء كتابة جديدة تنهض على انقاض هذا المقروء». وعلى اساس هذا الرأي بنى رأياً آخر، وهو تقديم الناقد على المؤلف، ورفع القارئ ـ والقاري ههنا هو الناقد ـ الى مكانة أعلى من مكانة المنشئ، قال: «القراءة تحليل وتطبيق وتشرب وتذوق، ولعل القراءة ابداع نشأ عن ابداع آخر، ولعل القراءة ان تكون اجمل من الابداع نفسه، بل يجب ان تكونه، وإلا فلا كانت». وهَهنا يحسن بك ان تتلبث وتتريث غير مخدوع بقول الناقد الذي يدغدغ عواطف الناس بإطراء القراءة والقارئ. فالقارئ عنده هو الناقد، اي ان الناقد يطري نفسه ولا يطريك، لأنه منذ احترف النقد اصبح مبدعاً، وجاز له ما لا يجوز لغيره من الاغارة على النصوص. ان الابداع الذي ذكره بقوله «القراءة ابداع نشأ عن ابداع آخر» ليس في حقيقة الامر الا ما استطاع عقله ان يفهمه من النص، فإن فهم ما فهم على ضوء البيئة والعصر وحياة المؤلف ودلالات اللغة فهو فهم صحيح، لكنه ليس ابداعاً مهما يتأنق في التعبير عنه. وان فهم ما فهم بعيداً عن البيئة والعصر وحياة المؤلف ودلالات الالفاظ فليس فهمه بإبداع، وانما هو اختلاق وابتداع، وتزوير لحقيقة النصّ، واستعباد لأفكاره وعواطفه، وتشويه لتكوينه، وانحراف به عن مراميه، وتقطيع له عند التحليل، وترقيع عند التأويل. فلنكفّ عن تفسير الاحلام بالأوهام، وبناء الابراج على الامواج بعيداً عن هواجس التخمين والتشكيك، وانقاض البنيوية والتفكيك. فالأدب أدب، والنقد نقد، وموت المؤلف اغتيال، وتحكيم الناقد في النص بلا ضابط احتيال وانتحال بقلم: د. غازي مختار طليمات