يظل لفعل الكتابة أسراره، وبخاصة الكتابة الأدبية التي يعبر من خلالها الأديب عن أفكاره بلغة توحى أكثر مما تفضح، وتلمح أكثر مما تصرح. وفي الرواية تتعدد الأفكار وتعبر عن نفسها في أصوات أو شخصيات وتتصاعد في أحداث وصراعات وفعل درامي مسكون بالغواية. وفي هذا الحديث مع الروائي إبراهيم عبد المجيد سوف تتوقف كثيرا عند فعل الكتابة وآلياته وما يمكن خلفه من نزوات ثم نتجاوز ذلك إلى طبيعة الشخصيات وبخاصة الهامشية في أعماله والتي تصعد إلى ذروة الفعل الروائي، وإبراهيم عبد المجيد بدأ إنتاجه الأدبي في أواخر الستينيات بالقصة القصيرة ثم انتقل إلى الرواية فأنتج حوالي عشر روايات تبدأ بروايته في الصيف السابع والستين وتنتهي بطيور العنبر وبينهما المسافات وبيت الياسمين والصياد واليمام والبلدة الأخرى وغيرها. تحتفي أعمال إبراهيم عبد المجيد بمدينة الاسكندرية مكانا وتاريخا وثقافة وبشرا، وتعبر هذه الأعمال في معظمها عن الحروب بداية بالحرب العالمية الثانية حتى حرب الخليج وانعكاسات هذه الحروب على البشر : قلت له. ـ كيف تكتب رواياتك؟ أو كيف يبدأ عملك الأدبي منذ التفكير فيه حتى ولادته؟ ـ العمل الأدبي يبدأ قبل كتابته بسنوات، ويكون في البداية فكرة غائمة بالنسبة لي، رغبة بطيئة تتصاعد في روحي عن موضوع أو حالة أو خبرة بشرية، بعد ذلك تتخمر الفكرة، وأفكر فيها سنوات قد تطول إلى عشر سنوات، وفي بعض الأحيان تصل إلى عشرين سنة وخلال هذه السنوات أكتب روايات أيضا تكون أفكارها قد تخمرت، فأنا بإستمرار حامل روايات تتخمر داخلي ويأتي وقت أجد أنه من الضروري أن أجلس وأكتب الرواية التي حان أوانها وأصبحت أثقل من حملها وتريد الخروج، وأكون دون أن أدرك قد كتبتها بالقوة باصطلاح أرسطو. ـ إذا كان هذا هو منهجك في الكتابة فهل تضرب أمثلة من رواياتك على هذه الطريقة المتداخلة في كتابتها؟ ـ مثلا عندما كتبت رواية في الصيف السابع والستين لم تعجبني الطريقة التي كتبتها بها لأن الصوت السياسي كان عاليا فيها . وفكرت في عام 1974 وهو عام كتابة هذه الرواية بالبدء في كتابة رواية المسافات وهي رواية أسطورية لا يظهر فيها أي صوت سياسي، وظلت هذه الحالة تراودني حتى عام 1977 حين بدأت في كتابتها وإنتهيت منها عام 1980، وخلال هذه السنوات الثلاث سافرت إلى السعودية فإنشغلت في التفكير في كتابة رواية البلدة الأخرى ورواية بيت الياسمين وعدت لأكمل المسافات، ولم أكتب بيت الياسمين أو البلدة الأخرى إلا بعد ذلك بـ 6 سنوات، وخلال كتابتي رواية المسافات كتبت قصة قصيرة بعنوان الصياد واليمام ووجدت بعد كتابتها أنها تريد أن تتطور إلى رواية فكتبتها سنة 1981، ومن بطن المسافات ومن اللغة الحسية لهذه الرواية أيضا فكرت في كتابة رواية ليلة العشق والدم بل وبدأت فيها أثناء كتابة المسافات بدأت فيها عدة صفحات وتركتها. وفي سنة 1986 أحسست برغبة في كتابة البلدة الأخرى التي فكرت فيها سنة 1978 وأنا في السعودية وجلست لأكتب فإذا بي أبدأ في كتابة بيت الياسمين. ـ كم مرة تعيد كتابة الرواية إلى أن تأخذ شكلها الأخير؟ ـ أثناء الكتابة أحب أن أكتب في كراسات بيضاء كبيرة الحجم وبقلم أسود دائما، في البداية أكتب على الصفحة اليسرى، وكلما كتبت عدة صفحات أقرأ ما كتبته وأصححه على الصفحة اليمنى ثم حين تنتهي الرواية أعود لكتابتها مرة أخرى في الصفحة اليسرى ثم أصحح في اليمنى، ثم أفعل ذلك مرة ثالثة فكل رواياتي تقريبا كتبت ثلاث مرات بإستثناء بيت الياسمين التي كتبتها 9 مرات، وأثناء الكتابة لا تكون عندي معرفة بكل التفاصيل وإنما يكون عندي إحساس عام بما أريده ثم تبدأ الشخصيات تحدد شكل الرواية ومعمارها، أي، أن الرواية تكتب نفسها أثناء الكتابة. ـ ما هي مساحة سيرتك الذاتية في رواياتك؟ ـ في كل رواياتي هناك جانب من السيرة الذاتية تجدها في روايات مثل في الصيف السابع والستين والمسافات قناديل البحر والبلدة الأخرى وطيور العنبر. أما السيرة المتخيلة فتجدها في الصياد واليمام حيث احتل الصياد مكان جيلي كله، وأصبح كالذي خرج يتحدث عن أحلام ضاعت، وحين يصل إليها لا يجدها موجودة. ـ إذا كانت مساحة سيرتك الذاتية كبيرة في رواياتك فإلى أي مدى كتبت شرورك وإلى أي مدى استخدمت الرواية لتصفية حساباتك مع الآخرين؟ ـ هذا سؤال مهم جدا، ولكني أقول لك أنا لم يكن في حياتي شئ أحب أن أهرب منه وحتى الشرور كتبتها ولم أخجل منها، لكن معظم هذه الشرور كانت تتعلق بشخصيات غيري وليس معنى ذلك أنني بيوريتاني تطهري لقد كانت لي نزواتي خصوصا أيام الشباب، ولكن هذه النزوات قد تجدها أكثر في قصصي القصيرة وأنا لم أستخدم الرواية أبدا لتخليص حقي أو تصفية حساباتي مع العالم أو من الناس، لأني أعتقد أن الكاتب يقف على حافة الحكمة، وأنا دائما أشعر أنني أقف على حافة الحكمة من الكتابة حتى وأنا في سن صغيرة والحكيم لا يحمل ضغائن لأحد، وعندما أكتب أكون في حالة صفاء دائما للبشر، حتى الأشرار التمس لهم الأعذار دون أن أقصد ذلك. ـ هل هذا معناه أنك تكتب كل ما عندك ولا تشعر أن هناك كلاما مؤجلا؟ ـ أنا لا أعيش هذه المحنة أبدا بما فيها من كسر للتابوهات وضرب للشرور، لأني أعتقد أن الروايات يجب أن تكتب بلا خجل وبلا خوف، وقد جربت مرة أن أنتقم من بعض الشخصيات التي عاصرتها في شكل مذكرات، ولكنني لم أكمل هذا الانتقام، وفكرت مرة أن أكتب عن أحد الأشرار فوجدت أن وجوده سوف يفسد الرواية كما يفسد الحياة فأقلعت عن الكتابة عنه، أنا فقط أكتب عن الأشرار الذين يهينون البشر ويسيئون إليهم، وليس الذين يسيئون إلى شخصيا هؤلاء أعتبرهم دائما أشياء تمر، والأدب يترفع دائما عن الصغائر، فما الذي يجعلك تتذكر شخصا وقحا مرة ثانية إذا كنت قد رأيته في الواقع؟ ـالشخصيات المهمشة التي تعيش في قاع المجتمع تصعد في رواياتك إلى قمة المشهد الدرامي، هل هو إنحياز سياسي؟ ـ ليس إنحيازا سياسيا ولكن لأن هذه الشخصيات غنية بالحكى وخارجة عن المألوف ومليئة بالنزق وموحية، ولأنني قريب من هذه الشخصيات، فقد رأيت وأنا في سن عشر سنوات رجلا يراهن رجلا آخرى نظير عشرة قروش على أن يجري عاريا من كوبري كرموز إلى كوبري راغب في الاسكندرية، هذا مشهد لايمكن أن ينسى وقد حدث بالفعل. مشهدا آخر لحلاق شعبي يحلق للرجال شعر العانة وهم يستحمون في ترعة المحمودية وبشكل علني.. مشهد ثالث لرجل عمله حراسة القطارات المحملة بالبضائع والغلال وهي سائرة فيقضي حياته معلقا بين السماء والأرض هذه الشخصيات الثرية شغلت رواياتي لأنها تقوم بأعمال مثيرة جدا للخيال وكانت تعيش بالفعل على هامش الاسكندرية. ـ لماذا تقدمت الرواية على الشعر في العالم العربي في السنوات الأخيرة؟ ـ لأن الرواية قطعت شوطاً كبيرا جداً من التقنية الفنية ووصلت إلى طريق مسدود مع الرواية الجديدة في أوروبا التي كادت تصبح أعمالا مستغلقة بعد ذلك عادت الرواية في العالم كله وبخاصة في العالم العربي إلى سيرتها الأولى، إلى الحكاية والحرية والخيال فأقبل عليها الناس لأنها أصبحت أقرب إلى القلب.. أما الشعر فهو لايزال يذهب إلى هذا الحائط المسدود بالتجريد الشديد الحادث الآن في قصيدة النثر والتفعيلة الذي جعل الشعر يقرأ في البيوت أكثر مما يسمع، وجعل الشعر يحتاج إلى معاناة في فهمه فتقلص جمهور الشعر الذي كان قد تعود على السمع في المحافل والأسواق والمهرجانات ومن ناحية ثانية أصبح الشعر التقليدي العمودي في حالة يرثى لها، فليست لشعراء العمود أو أغلبهم على الأقل قدرة على إنجاز صورة شعرية جديدة إلا في حالات إستثنائية مثل الشاعر اليمني عبد الله البردوني.. ومن ثم فهم رغم أنهم يتسيدون الاعلام والمحافل لا يسمعهم الكثيرون. بالإضافة إلى ذلك هناك سبب أعم ليس فنيا وهو أن العالم صار من التعقيد بحيث تستطيع الرواية أن تتحمله أكثر من الشعر. القاهرة ـ فتحي عامر: