رغم قلة المال لم يكن بيننا محتاج ولا مديون هكذا بدأ الوالد سالم الطنيجي حديثه وذكرياته بينما كانت نظراته تسبح في بحر الماضي وهو يتذكر عالم الغوص واللؤلؤ وحياة الفريج في الزمن السابق ومضى يستعرض شريط ذكرياته واقفاً امام محطات انسانية يستخلص منها الدروس والعبر. ويقول: الديرة ايام زمان لم نعرف شيئاً اسمه الديون او القروض فقد كان ابناء الفريج يداً واحدة بالأزمات ورغم قلة الارزاق لم يكن هناك محتاج فالجميع يساعدون بعضهم بعضاً ويتعاونون لاجتياز المواقف الصعبة. وسألناه هل هناك امثلة لتعاون ابناء الفريج أيام زمان؟ فيجيب مسرعاً بالطبع هناك امثلة كثيرة لهذا التعاون من أهمها وقوف القلاليف بجوار بعضهم فمثلاً اذا طلب احد النواخذة او اصحاب السفن من القلاف بناء سفينة او محمل في مدة زمنية بسيطة ولا يستطيع القلاف ان يقوم بهذا العمل بمفرده فيستعين بأبناء الديرة وزملاء المهنة لانهاء بناء السفينة او المحمل في الوقت المحدد قبل بداية موسم الغوص. صناعة السفن ـ ونسأله هل كان القلاليف يصنعون كافة السفن والمحامل؟ ويقول نعم فقد كانت صناعة السفن والمحامل معروفة ومشهورة ويعمل بها أبناء الديرة وكنا نطلق على صانع السفينة «قلافاً» والقلافة مهنة شاقة تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً وهناك موسم كان يزدحم فيه القلاليف وهو موسم «القيظ» اي ما بعد الغوص حيث يتم العمل على اصلاح السفن وترميمها وكانت ورش القلاليف تصنع سفناً تحمل الغيصة والنواخذة الى المغاصات وسواحل الخليج العربي والهند وكنا نصنع بالديرة أنواعاً شتى من السفن مثل «البوم» و«الجالبوت» و«السنبوك» و«الشوعى» واتمنى ان يتعلم ابناؤنا بعضاً من مبادئ واخلاقيات وفنون هذه المهنة. ويضيف لقد كنا نصنع سفناً تحمل اوزاناً كبيرة من البضائع والغواصين والافراد دون ان نحتاج الى آلات كبيرة. ويتابع الطنيجي حديثه عن الرجال الاشداء من جيل التضحيات فيقول كان ابناء الديرة ايام زمان يعملون بمهن كثيرة كالصيد والغوص والزراعة والقلافة وهذه المهن صنعت الرجال الاشداء الذين قدموا التضحيات الغالية واهمس في اذان ابنائي واقول لهم هذه المهن هي مهن آبائكم واجدادكم فعليكم ان تحافظوا على تراثها وتقوموا بتطويرها واياكم ان تديروا ظهوركم لها وتعلموا من جيل التضحيات كيف كان يتعب ويجتهد من اجل الحصول على الرزق ولقمة العيش. مهنة الصيد ويضيف لقد عملنا في مهنة الصيد وهي مهنة تربي في الانسان الصبر والتعاون حتى يأتي الرزق الوفير من عند الله عز وجل كما تعلمنا من مدرسة مهنة الغوص عدم اليأس ومواجهة المخاطر. ويعود الوالد سالم الطنيجي بشريط ذكرياته عشرات السنين ونسأله عن طبيعة مهنة الغوص وما يحفها من مخاطر واهوال، فيقول: مهنة الغوص وصيد اللؤلؤ من اعرق المهن التي كانت مصدراً للرزق للكثير من سكان ابوظبي وامارات الدولة وكانت تذهب للمغاصات سفناً كثيرة وفي أبوظبي ودبي كانت اغلب المغاصات، فعندما كانت سفن الغوص تخرج من رأس الخيمة وام القيوين والفجيرة في طريقها الى مغاصات اللؤلؤ، كانت ترسو السفن في ميناء دبي ويشرع البحارة في تجهيز سفنهم بما تحتاجه من الزاد والمؤن وكذلك تزويدها بما يحتاجه البحارة من معدات ولوازم كالحبال وكل هذه التجهيزات كانت تحتاج الى عزائم قوية لرجال اشداء لهم القدرة على الصبر والتحمل وعدم اليأس والبقاء بالمغاصات شهوراً بحثاً عن اللؤلؤ والارزاق. ويضيف: لقد كانت المخاطر والمشاق تحيط بمن يعمل في مهنة الغوص فقد كانت مرحلة التحضير لرحلة المشاق والمخاطر رحلة الغوص تتطلب جهداً كبيراً وكان موسم عمل الغواصين يبدأ في العادة بالوقت التي تصبح فيه مياه الخليج دافئة ويستمر عملهم لمدة تزيد على اربعة شهور تقريباً حتى دخول فصل الشتاء وكان تاريخ بدء موسم الغوص يختلف من سنة لاخرى وخاصة اذا دخل شهر رمضان في بداية موسم الغوص او الفصل الحار ففي هذه الحالة يتأخر ذهاب السفن الى عرض البحر حتى انتهاء هذا الشهر الكريم. ويضيف: كانت الرحلات تمتد من نهاية شهر مايو حتى سبتمبر واثناء هذه الفترة الطويلة التي تقضيها السفن في المغاصات قد تعود بعض سفن الاسطول الى الميناء الذي خرجت منه مرة او مرتين لفترة قصيرة للتزود ببعض الحاجيات التي قد يحتاج اليها الغواصين اثناء رحلتهم كما ان كثيراً من سفن الغوص كانت تتردد على سواحل «دلما» لأخذ مياه الشرب منها. رحلة طويلة وكان التحضير لرحلات الغوص ذاتها يتطلب ترتيبات على الشاطئ حيث يجري اعداد «المحمل» وهو المركب لرحلة الغوص ويتم دهانها بالصل «زيت الحوت» وغيره من الشحوم والدهانات والزيوت وكذلك يتم اعداد ادوات الغوص وتزويد المركب بأنواع مختلفة من الحبال والأوعية اللازمة والمجاديف كما كان يجري تزويد السفينة بالماء والزاد الكافي لغذاء البحارة على المركب اثناء الرحلة وكان ينتهي كل ذلك عندما تصبح المركب جاهزة لرحلة الغوص الطويلة سعياً وراء جلب الارزاق. اختيار النواخذة ونستوقف الوالد سالم لنسأله هل كان اختيار النوخذة للغواصين وهي مهنة شاقة يتم عشوائياً؟ ويبادر بالاجابة قائلاً: لا بل عن طريق عقد فعندما يتم الاعلان عن قيام رحلة غوص يتقدم الرجال الاشداء الذين يرغبون في المشاركة برحلة الغوص ويوقع معهم النوخذة «بدوه» اي عقد ويعطيهم شيئاً من المال لشراء احتياجاتهم واحتياجات اسرهم وذلك بشكل يكفيهم حتى يعود الغواصين من رحلة الغوص وكان اهل الغواصين يجهزون لهم ما سوف يحتاجونه في رحلتهم الطويلة وعندما تحين ساعة الرحيل يرتفع علم اسود كنا نطلق عليه «النوف» وتخرج الديرة كلها الصغار والكبار لوداع هؤلاء الذاهبين الى المغاصات ويدعون لهم بالسلامة والعودة بالرزق الوفير وعادة ما يتكون طاقم المحمل من عشرين غواصاً وعشرين آخرين يكونون جالسين وعدد مماثل لهم من الرجال يطلق عليهم «سيب» اي مساعد الغواص بالاضافة الى النوخذة ومساعده «المقدمي» ومع آذان الفجر يستيقظ جميع من على ظهر «المحمل» للصلاة ويتناولون التمر والقهوة ثم تبدأ عملية الغوص بعد شروق الشمس. ـ وسألناه كيف كان يواجه الغواص متاعب النزول للأعماق؟ فقال: ينزل الغواص من «المحمل» ويظل على سطح الماء ويضع على انفه خطاماً وهو يشبه الملقاط حتى لا يدخل الماء لأنفه ويؤذيه ولدى خروجه من الماء يرفع «الخطام» حتى يستطيع التنفس وعند نزول الغواص الى القاع يربط رجليه بحجر ليسرع به الى القاع فاذا وصل القاع نزع الحجر من رجله ويقوم «السيب» بسحب الحجر بواسطة حبل يسمى «الزيبن» ويصحب الغواص معه «الديين» وهو عبارة عن السلة المصنوعة من حبال الكمبار او القطن وبها علقة يضعها الغواص في عنقه ليجمع بها المحار ويكون في هذه الاثناء مربوطاً من وسطه بحبل يسمى «الجداء» والسيب يمسك به من الماء وعندما تصله الاشارة يقوم بسحب الغواص. ويضيف لقد تعلمنا من الغوص التعاون والصبر وعدم اليأس في مواجهة المخاطر فكثيراً ما انقطع نفس الغواص وهو بقاع البحر او في المنتصف فيخرج من البحر غائباً عن الوعي. ويتنهد قائلاً: نعم كانت «الهيرات» التي نجلب منها اللؤلؤ عميقة ومهمتنا في البحث عن المحار كانت شاقة خاصة ان الغواص كان يتعرض لمخاطر كثيرة مثل الاختناق في الاعماق والتعرض للأسماك والحيوانات البحرية المؤذية والمفترسة وكثيراً ما كان يرى الغيصة الجرجور في قاع البحر وعندها يلجأ الى حيل كثيرة للهروب من سمك القرش المفترس ورغم هذه المخاطر فقد كان اجر الغواص لا يتعدى روبيات اي دراهم قليلة وكيس رز وسكر وادوات للغوص. ويصل الوالد الطنيجي للمحطة الاخيرة من شريط الذكريات ويتحدث عن احوال الفريج والديرة بعد ان تولى الوالد القائد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مقاليد الحكم. ويقول: جاء زايد الخير والبناء ومنح ابناءه المواطنين المال والمعاشات والمساكن وكثرت الاموال والارزاق وبنى زايد العظيم الانسان والوطن ووفر لكل اهل الديرة ما يحتاجون اليه من المزارع والمساكن والمدارس والعلاج، بل ومنح ابناءنا منحة الزواج ليساعدهم على بناء اسرة مستقرة. فنسأل الله عز وجل ان يمد في عمر الوالد القائد العظيم الى ما شاء الله تعالى. حوار: سمير الزعفراني