وصل حسني مبارك الرئيس المصري الى مدريد مؤخراً في زيارة رسمية استغرقت يومين واجتمع مع كبار المسئولين الاسبان وفي مقدمتهم الملك خوان كارلوس، وخوسيه ماريا أزنار. رئيس الحكومة، وفي مقابلة مع صحيفة «إيه بي سي» الاسبانية ابدى مبارك موقفاً يراهن من خلاله على استمرارية ياسر عرفات كمحاور فلسطيني شرعي ووحيد. ـ اجتمعت مؤخراً مع جاك شيراك في قصر «الاليزيه» واستقبلت العقيد القذافي في القاهرة وقابلت في جنيف الملك فهد والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. هل من الصعب القيام بعملية توليف بين الخطط الثلاث المطروحة والموجهة لاحلال السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين؟ ـ لا توجد ثلاث خطط للسلام أصلا فجميعنا نعمل في الاتجاه نفسه بإتجاه إيجاد معادلة تسمح للفلسطينيين والاسرائيليين باستئناف المفاوضات. ذلك انه اذا دافع كل واحد منا عن خطة مختلفة، فلن يكون لدينا أي امكانية لبلوغ هدفنا. ـ اعلنت اخيرا ان الرئيس بوش قد حسن مشروعه. على ماذا تقوم هذه التغييرات؟ ـ لم اشأ القول بأنه قد بدل الخطة. فبشكل بسيط أنا اعتبر ان الاجتماعات التي عقدوها اثر الخطاب قد اثبتت توازنا فيه مساواة أكبر بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ومن وجهة نظري، فإن خطابه في 24 يوليو كان متوازنا أصلاً وبشكل ملموس يزكي جورج بوش انشاء دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وذلك الى جانب دولة اسرائيلية. لكنني اعتبرت في اعقاب ذلك الخطاب انه كان ضروريا تقديم توضيحات اضافية، وانه بمجرد تقديم هذه التوضيحات، سنتمكن من الانتقال الى المرحلة الثانية، أي وضع الآليات التي تسمح بتحويل هذه الصيغة الأولية الى خطة حقيقية. أما شكوكنا فلقد كانت تدور حول ياسر عرفات. فمن وجهة نظر المصريين وشركائهم العرب سيكون خطأ فادحاً السعي الى اقصائه. ـ هل تمكنت من أن تجعل الرئيس بوش يغير موقفه المرتبط بعرفات؟ ـ اكرر لكم، أنا لم اشأ القول بأن بوش قد بدل خطته، لكن الرئيس قال بوضوح خلال اجتماعاتنا في «كامب ديفيد» أن «عرفات ليس المشكلة». لكن يبدو ان دوائر سياسية محددة حاولت اقناع بوش باقصاء عرفات. وأنا عارضت بقوة تلك الفكرة. بالاضافة الى ان الرئيس أكد لي ما قاله لي في «كامب ديفيد»: «عرفات ليس المشكلة». ـ هل لايزال يتمتع بالشرعية؟ ـ شئنا أم أبينا، لايزال عرفات الزعيم المنتخب بشكل ديمقراطي من قبل شعبه. واليوم الذي ستستأنف فيه المفاوضات، سيكون الوحيد الذي يتجرأ على تقديم التنازلات الضرورية، وبما أنه يعرف أنه يعتمد على دعم الفلسطينيين، فسيكون الوحيد القادر على جعلهم يقبلون بتلك التنازلات. وسيتعين العمل على جعل عرفات يغير وجهة نظره، لكن بدونه لن تتقدم عملية السلام. ـ لكنه ارتكب اخطاء كبيرة. ألم يكن خطأه الاكبر عندما رفض عرض باراك خلال صيف عام 2000، وهو العرض الذي كان سيترجم حسب الاسرائيليين باعادة 96 بالمئة من الاراضي المحتلة عام 1967. ـ أنتم تصغون السمع إلى دعاية اسرائيلية كبيرة جداً. فمع انهم اقترحوا 96 بالمئة، لكنهم احتفظوا لانفسهم بالقدس وضواحيها وبالمستوطنات وبوادي الأردن والمطارات وثكنات جيشهم.. وفي النهاية لم يتبق من نسبة ال96 بالمئة سوى 45 بالمئة أي 40 بالمئة من المساحة الاساسية. ـ يصر الاسرائيليون على ان القضاء على عرفات سوف يسمح ببروز جيل جديد أقل فساداً. وبما أنك تسعى الى اخراج الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني من هذا الطريق المسدود، أليس من الخطورة بمكان أنه يجب الهرولة؟ ـ أنا لا ادعم فردا وانما قضية السلام والاستقرار. ونحن نحتاج الى عرفات من اجل اعادة اطلاق عملية السلام وبالتالي يجب ان يبقى في منصبه حتى نهاية العملية، وبمجرد انطلاق المفاوضات من جديد سيظهر جيل جديد، لكن اذا ابعدنا عرفات الآن، ستعم الفوضى. ـ هل تقصد بأنه من الممكن ان يحل محله متشددو حماس أو الجهاد الاسلامي؟ ـ لا يمكن معرفة ذلك ابدا. لكن ربما سنفتقد لعرفات بشكل سريع. ـ ماذا تقول حول فكرة تحويل عرفات الى رئيس يتولى الملك، لكنه لا يحكم مثل ملكة «انجلترا»؟ ـ ولماذا ليس مثل ملكة «ميكرونيزيا»!! «مجموعة جزر صغيرة واقعة شرق الفلبين» لا فرئيس بدون سلطة يتعارض مع الثقافة السياسية في الشرق الاوسط حيث يوجد ارتباط شخصي بين الشعب والقائد، سواء كان منتخبا أم لا. وأنا اذكر ان جمال عبدالناصر اراد اثر حرب 1967 الخاسرة ان يستقيل، لكن ملايين المصريين خرجوا الى الشارع لمنعه. فبالنسبة لنا، لا يمكن لزعيم أن يكون مجرد رمز، وعندما يصل الى اعلى مستوى، فذلك من اجل ان يمارس السلطة، واذا كان الأمر غير ذلك فليتنحى. ـ في مواجهة عرفات يوجد شارون. ما هو هدفه الحقيقي برأيك؟ ـ يقول لي بوش ان شارون رجل سلام. لكن يروق لي ان ارى البرهان على ذلك على الارض. وحتى هذه اللحظة، لا ارى سوى الدبابات ولا اسمع سوى القنابل. ـ طرحت «واشنطن» شرطا مسبقا لاقامة الدولة الفلسطينية، مفاده انه يجب اصلاح السلطة الفلسطينية. ـ الاصلاحات حتمية، وأنا قلت ذلك لعرفات وأكرره حيث لا يمكن لرجل واحد ان يقرر كل شيء. ولقد ارسلت اليه مبعوثا وسأرسل آخرين ليقولو له: «افعل هذا، وافعل ذاك». ـ بأية أولويات؟ ـ الأولويات ثلاث. الأمن حيث يتعين على عرفات القضاء على تعددية اجهزة الشرطة والقوات العسكرية. والأموال حيث يجب ادراج النفقات العامة ضمن ميزانية يجب ان تكون منظمة بدورها حسب القواعد المثبتة من قبل القانون. والعدالة حيث يتعين تحرير دستور يثبت العلاقات بين مختلف السلطات. ـ هل يفهم جورج بوش ان الانسحاب أمر حتمي؟ ـ يفهم المشكلة. لكن بينما تطالب الحكومات العربية بالعودة الى حدود 1967 وفقاً لقرارات الأمم المتحدة، يقتصر طلب بوش على الانسحاب من المناطق التي احتلت مجددا من قبل الجيش الاسرائيلي في 28 سبتمبر الماضي. وحسب بوش، فإن الباقي يظل رهن مفاوضات السلام. ـ لكن من الذي بدأ. اذا كانت «اسرائيل» قد اغلقت حدودها من اجل منع عبور الانتحاريين؟ ـ ظل ايهود باراك رئيسا للوزراء طوال ثلاث سنوات ولم يواجه سوى ثلاث هجمات «انتحارية». وفي 18 شهراً مضت على ارييل شارون في السلطة حدثت 65 هجمة «انتحارية» وتفسير ذلك واضح، فالناس يشعرون باليأس. ـ يفكر جورج بوش بفتح جبهة ثانية في الشرق الاوسط بالهجوم على العراق. هل تبدو لك شرعية ارادته في الاطاحة بصدام حسين؟ ـ لن يخلف طرد صدام حسين من السلطة سوى مشكلة اخرى. ففي النهاية لن يفضي إلا لقتل مزيد من الابرياء، وبالتالي يوجد تعاطفا مع البلد الذي يعاني من الهجمات. لذلك فإن مهاجمة العراق خطأ كبير. وعندما يضم الى الصراع الاسرائيلي الفلسطيني فالشيء الوحيد الذي سيتسبب به فتح جبهة ثانية هو تفاقم عدم الاستقرار في منطقتنا. ترجمة باسل ابوحمدة عن: «إيه بي سي» اسبانيا