يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. استعدت، إذن، صلتي القديمة بقسم الأخبار أنا الذي سبق لي أن تناوبت رئاسته مع الصحافي الفلسطيني كمال تفاحة أيام رئاسة إميل شويري لتحرير الجريدة، وتحدى أديب حماقة أسعد صقر بطريقة فعالة، فانكب على تصحيح الأغلاط بمثابرة حسنت مردود هذا العمل تحسيناً ملحوظاً، واستحق احترام الجميع له وظفر بتعاطفهم التام معه. وتعجل برهان غليون إنفاذ المشروع الذي كان يعد العدّة لاستكماله، فغادر سوريا كلّها وتوجه إلى باريس حيث أنهى دراساته العليا وواصل الكتابة وانصرف إلى التدريس والتأليف. حمل سلوك رئيس التحرير معظم المعنيين بالأمر على التعاطف معنا. وكان أشدّ ما ساء الرجل أن مكتب أديب الذي بقي هو ومحمد وحدهما في الحجرة المشتركة قد تحول إلى محجة يؤمها المتعاطفون والساخطون على التعسف. وبدل أن يراجع الرجل نفسه، أمعن في الحماقة فأصدر أمراً جديداً أوجب على أديب أن يداوم في المطبعة التي تشغل قبو مبنى مجاور وحظر عليه دخول مقرّ الجريدة. وقد انتقل أديب فعلاً إلى القبو وحظي منه بأتم الترحيب والتكريم من العاملين في المطبعة كلّهم. وكان لهذا وقع الفضيحة. وفي سعينا لتكبير الفضيحة وتغذية الاهتمام بها، وجه أديب رسالة خطية إلى رئيس التحرير مكتوبة بلغة ديوانية منتقاة يطلب فيها أن يصرف له ما يوجب القانون السوري صرفه للعاملين في المطابع. فأصدر رئيس التحرير قراراً مكتوباً بصرف بيضة وكأس حليب لأديب كل يوم. وحرصنا على أن يقرأ المنشغلون بالشأن العام في دمشق نص الرسالة ونص القرار. وتندرنا وتندروا هم بحماقة رئيس التحرير. وجلجلت في البلد فضيحة نقل كاتب متميز مثل أديب إلى العمل في المطبعة ومنعه من الكتابة. وفي غضون ذلك، اشتد أذى أسعد صقر لي: تحريض، وعقوبات إدارية متلاحقة، ومهانات. وفي كل حال، كان أشدّ ما يؤذيني هو اضطراري لحضور اجتماعات التحرير التي يرأسها الرجل ويرغمني على حضورها بحكم سلطته الإدارية. كان هذا رجلاً مولعاً بعقد الاجتماعات وإطالتها، وكان يتمتع بجلد مرؤوسيه بأفكاره. ولعل كل ما ألحقه الرجل بي من أذى كان وقعه عليّ أهون من الاستماع إليه في الاجتماعات التي يكون هو في العادة المتحدث الوحيد فيها. وقد سيطرت على الرجل نظرية لم يمل من عرضها وتكرار العرض في كل اجتماع. وقوام النظرية أن فشل العرب في استعادة أمجادهم السابقة ناجم من سبب واحد وحيد، وهذا السبب هو إفراطهم في شرب الشاي. وعند الرجل أن الشاي هو الذي يقعد أمة العرب عن اللحاق بالأمم الأخرى المتقدمة. يتحدث أسعد صقر عن العرب جملة ويأخذ عليهم أنهم يشربون الشاي مرات عدّة كل يوم فيبددون الوقت دون طائل، كما يأخذ عليهم أنهم يغلون شايهم غلياً فيجيء الشراب أسود ثقيلاً فيبلد الأذهان ويثقل الهمم، فتنسد سبل استعادة الأمجاد الغابرة، فتتقدم الأمم الأخرى ويظل العرب متخلفين. صاحب هذه النظرية كان هو نفسه شارب شاي مواظب، ولم يكن يكفّ حتى خلال شرحه لنظريته عن طلب كأس شاي وراء الآخر وتجرعه بتلذذ ظاهر. بل إن الرجل كان يطلب الشاي للمشاركين في الاجتماع دون استشارتهم ويجيل نظره فيهم كأنما ليتأكد من أنهم يتجرعونه بغير امتعاض. وحين قلت مرة إن العرب يشربون القهوة أيضاً، قذفني الرجل برد حازم: «القهوة شيء مختلف، فهي تجلو الدماغ وتنشط الهمة»، وتصور أنه أفحمني واسترخت تعابير وجهه المشدود وطلب دورة شاي جديدة، هو الذي لم يشرب القهوة، أبداً، أمامي. وبعد أن فشلت في وقف مسلسل المضايقات، طويت كبريائي، أو قل إني تجاوزت حساسيتي الزائدة، وتوجهت إلى د. يوسف زعين وسألته هذا السؤال: «هل يتقصدني رفيقكم بالأذى تنفيذاً لتعليمات من القيادة التي فصلتني من الحزب، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تصارحني القيادة بعدم الرغبة في وجودي في الجريدة فأستقيل وأستريح وأريح ؟». كنت أعرف أن الأمر «ليس كذلك»، وكنت عازماً على الفرار من الجوّ الثقيل وأردت بسؤالي الاستفزازي أن أهيئ الرجل الذي طالما حماني للاستماع إلى رغبتي. كان في المتناول فرصة العمل في المؤسسات الفلسطينية. غير أني كنت ألزم نفسي مبدأ لا لزوم له فأرفض أن أتقاضى أجراً عن نشاطي في ساحة المقاومة الفلسطينية. كنت أتطلع إلى فرصة أخرى يوفرها لي الصديق الذي أستفزّه بسؤالي. لم يؤخذ د. زعين بالاستفزاز، بل أكد ثقته بي وتقدير القيادة لكفاءتي ونسب ما أتعرض له إلى ما هو معروف من طبع أسعد صقر. ورأى زعين أن أبقى في «البعث». وبعد حديثي هذا مع رئيس الحكومة الصديق، توقف مسلسل العقوبات وعاد إليّ حق الكتابة. أما ما لم يتوقف فهو فظاظة رئيس التحرير وبغضه الشديد لي وضيقي به. مع هذه المعاناة، صار السفر نعمة. وقد اشتدت حاجتي إلى الانعتاق بعد أن غادرنا برهان وانشغل أديب في البحث عن عمل جديد، وفقدت طرافات محمد جاذبيتها. وهكذا، بهذا الدافع وغيره، لم يمرّ أسبوع واحد دون أن أتوجه إلى عمان أو بيروت. ووفر لي التنقل أوسع الفرص لمتابعة الشأن الفلسطيني وتقصّي تفصيلاته والتعرف على دخائله وتمتين صلتي بناسه. حتى لقد تصور كثيرون أني متفرغ لهذا الشأن وحده. وانتهى الأمر إلى أن صرت معدوداً في العارفين بدقائق الساحة الفلسطينية وخفاياها فضلاً عن معرفتي بالشأن السوري. وإلى هذا عُرف عني أني لست ممن يستثمرون الأسرار حين يبوح بها من يفتحون قلوبهم لي. وقد أفادني هذا كله فائدة كبيرة، خصوصاً اكتساب الثقة وتشجيع القادة على البوح. شيء آخر أفادني، شيء له صلة بطبعي الذي يضيق بالكذب والتضليل. فقد كنت أتوقف عن الإصغاء لأي متحدث أياً كانت منزلته حين أدرك أنه يهول أو يريد استخدامي لترويج أنباء غير صحيحة. وانتهى الأمر بيني وبين معظم من أتصل بهم إلى اتفاقات قوامها شرط واضح: تُروى لي الوقائع الصحيحة وللراوي أن يحدد ما يجوز نشره وما لا يجوز فألتزم أنا رغبته. وما أكثر القصص التي وقعت لي مع القادة الذين يسعون إلى ترويج الأكاذيب عبر الصحافيين !. وكانت كل قصة تبدأ باحتجاج مني حازم ضد الكذب واحتجاج من الراوي غاضب على اتهامي إياه بأنه يكذب فتنتهي إما بجفوة وإما باتفاق على تجنب الكذب. وبإمكاني أن أزعم أني نجحت في تطوير عدد من القادة فظلوا حريصين على توخي الصدق معي. كما أن بإمكاني الإقرار بأني فشلت في تطويع آخرين ولم تسمح لي الظروف بمجافاتهم فظل علي أن أصغي إليهم حتى وأنا أعلم أنهم يهوّلون. وها أنا ذا أستحضر أمثلة: كم كان الاتفاق على شرطي الأثير سهلاً مع خالد الحسن؛ وكم كابدت إلى أن توصلت إلى الاتفاق مع نايف حواتمة ثم لم يلتزم به؛ وكيف تعذر التوصل إلى أي اتفاق مع ياسر عرفات ! سمعت باسم خالد الحسن أول مرة في أواسط الخمسينيات. كنت أنا ولداً أعيش مع الأسرة في دمشق وأنتمي إلى تنظيم عرب فلسطين السري مع أولاد أقسموا على أن يحرروا فلسطين وأراقب جهود الكبار الذين أتهمهم بشتى التهم وأعدهم مقصرين في العمل لتحريرها. وكان خالد شاباً يعيش هو الآخر مع أسرته التي التجأت إلى دمشق ويسعى إلى تحرير الوطن الذي أُخرج منه. نشأ خالد في أُسرة محافظة. وعندما أَسس الشيخ تقي الدين النبهاني حزب التحرير الإسلامي وأنشأ الحزب منظمة سرية له في دمشق، انتمى خالد إليه وبرز بوصفه ناشطاً لصالح الحزب مسكوناً بالتوق إلى التحاور مع الآخرين ومجادلتهم حول شتى الشئون. لا أعرف كيف نشأت العلاقة بين خالد وخالي نافذ، وأغلب ظني أنهما تعارفا عبر صديقهما المشترك نمر المصري الذي يكبرهما في السن والذي كان آنذاك أبرز دعاة حزب التحرير في العاصمة السورية. وقد ألف خالد أن يزور منزلنا بمفرده أو في صحبة آخرين ويختلي بخالي. وكما يفعل الصغار حين يرون الكبار منهمكين في أمر غامض، كنت، أنا الذي كان لي أمري الغامض أيضاً، أتسقط ما يدور وراء الباب. وانطبع صوت خالد الحسن المتميز في ذاكرتي مثلما انطبعت صورة الوجه المتموج دوماً بالتعابير والقامة الطويلة المهيبة والحركات التي تبثّ شتى الإيحاءات. ثم حدث أن انفصلتُ أنا عن الأسرة كما تعرف وسافر خالد إلى الكويت فلم أعد ألتقيه أو أسمع عنه. ولأمر ما، لم أربط بين خالد وشقيقه الأصغر بلال حين تعرفت على الأخير، كما لم أربط بينه وبين شقيقه الآخر هاني حين عرفت أن هاني انضم إلى هايل عبد الحميد «أبو الهول» في ألمانيا ثم انضم الاثنان إلى «فتح». الربط تمّ بعد أن توثقت صلتي بالدكتور نبيه ارشيدات واتضح لي أن أم خالد التي تغرّب أولادها عن منزل الأسرة لا تثق بطبيب في دمشق إلا بالشيوعي نبيه ولا توكل شأنها الصحي لسواه. ونبيه هو الذي نبهني إلى الصلة بين خالد وإخوته الآخرين وكان يضرب أسرتهم مثلاً على تنوع الآراء داخل الأسر الفلسطينية، خالد المنتمي إلى حزب ديني وبلال الناشط في حركة القوميين العرب، ثم الجبهة الديمقراطية وهاني الواقف بين الحدّين. قطع خالد صلته بحزب التحرير الإسلامي وانضم إلى مؤسسي «فتح» وصار من أنشط الداعين إلى أن يتولى الفلسطينيون زمام المبادرة لتحرير وطنهم. وصرت ألتقي الرجل كما ألتقي غيره من قادة الفصائل الفلسطينية إلى أن شاء سعيد حمامي أن يوثق صلتي بهذا الذي رأى سعيد فيه قائداً متميزاً. وبالرغم من تطرفه اليساري، أُعجب سعيد بالقائد المعدود في اليمينيين والتصق به أكثر مما التصق بأي قائد سواه. وأخذ سعيد على عاتقه مهمة تعريف اليساريين بخالد وكان لديه ما يسوغ حماسه للمهمة: العمل الوطني يجمع اليسار واليمين. وكان في خالد ما يجذب أمثالنا إليه. فقد تميز الرجل باهتمامه بالشأن السياسي في وقت طغى فيه الاهتمام بالبندقية وكان غيره من الفتحاويين يتباهى باستهانته بالسياسة. وفي أول سهرة نظمت لتمتين التعارف بيننا، اجتذبني إلى خالد الحسن مزايا أخرى؛ لم تبهرني آراؤه السياسية، بل بهرني حرصه على أن يجلو مواقفه بوضوح ويدافع عنها باستقامة. وأعجبني في الرجل إدراكه لحجم الدور الذي يلعبه الكفاح المسلح، الحجم الحقيقي وليس المتوهم، وتصوره أن الكفاح المسلح لازم لجذب الانتباه إلى حال الفلسطينيين وتقوية الاهتمام بحقوقهم. أما أسلوب الرجل في الحوار فبدا واضحاً أنه لا يزال متأثراً بأسلوب التحريريين وإن أعجبني تماسكه وتوخيه الانتقال من مقدمة إلى نتيجتها دون فجوات. وأما طول النفس في الحوار والحرص على استخلاص ما هو مشترك والرغبة في معرفة الرأي الآخر فقد كانت أميز ما ميز خالد الحسن عن نظرائه. عرض خالد آراء كثيرة أعدّها أنا خاطئة، غير أن هذا لم يقلل من انجذابي إليه. وها أنا ذا أتذكر أن حوارنا تناول نقطة احتدم جدلنا بشأنها. كان الرجل يرى في استفزاز الفلسطينيين لإسرائيل وسيلة لدفع الدولة العدوة إلى التحرش بالعرب، كما يرى أن هذا التحرش سيحمل الدول العربية على الرد فيورطها في الصراع ويوجب عليها أن تستعد له سواء كانت هذه الدول راغبة فيه أو لم تكن، فتظل القضية الفلسطينية بهذا حيّة إلى أن يجيء الوقت الذي يميل ميزان القوى فيه لصالح العرب. جعل خالد من هذه الفكرة التي لها أنصارها الآخرون نظرية وشغل نفسه بها. وقد اشتهرت هذه باسم نظرية التوريط، وعُني هو بشرحها وتطويرها. أدرك أبو سعيد ما هجس به غيره وهو أن الفلسطينيين غير قادرين لوحدهم على تحرير وطنهم، رأى أن الدول العربية متقاعسة، فالتقط فكرة توريط هذه الدول وفُتن بها. أما أنا فكان من رأيي أن التوريط حين يقصد لذاته بمعزل عن حساب موازين القوى والتنسيق مع العرب الآخرين لن يقود إلا إلى الكوارث. وكنت أهجس بنوعين من الكوارث، كوارث يلحقها العربُ الذين يأبون أن يتورطوا بالفلسطينيين، وأخرى أشدّ تلحقها إسرائيل بالجميع. وكنت أرى أن السياسة الفلسطينية الصحيحة هي تلك التي تتوخى تحقيق أقصى درجات التنسيق مع العرب. ولم يكن خالد الحسن يعترض على رأيي هذا، إلا أنه تصور أن جهد الفلسطينيين لتوريط العرب سوف يدفع الدول العربية دفعاً إلى توخي التنسيق معهم. تكرر اللقاء، ثم تواترت اللقاءات باطراد متزايد. جاء أبو سعيد إلى منزلي مرات مع سعيد حمامي، ثم آثر أن يجيء وحده. كان يطيب للرجل أن يلقاني بعد أن يفرغ من مشاغل نهاره وهمومه فنتسارّ ونتحاور. وكان الحوار يشتد أو يتعقد عند نقطة أو غيرها إلا أنه لا يخلف أي ضغائن. ولأني اكتشفت أن لزائري شهية طيبة، للطعام كما للشراب، فقد ألفت أن أعدّ له بنفسي أطباقاً خاصة وأخصه بأفخر المشروبات فيطيب الحديث ويصير أكثر حميمية. وقد ظل هذا هو شأني مع خالد الحسن حتى بعد أن ساءت علاقته بسعيد حمامي. وحين طلب سعيد أن أجاريه في مجافاة خالد الحسن، أبيت الاستجابة لنزوة صديقي. في ذلك الوقت، كنت قد صرت معروفاً بأني صحافي مؤيد للسوفييت وداعية مثابر إلى توسيع العلاقات معهم. ولئن أَعجب هذا بعض الذين يعرفونني فقد ساء آخرين. وراجت حولي إشاعات كثيرة تضمّن بعضها اتهامي بأني أغلب الولاء للسوفييت على أي ولاء آخر. أما خالد الحسن فكان مبغضاً للشيوعية وكان بغضه هذا ينعكس على موقفه من الاتحاد السوفييتي. غير أن انهماك الرجل في العمل الوطني الواسع أدخل تأثيرات جديدة على موقفه ونبهه إلى حاجة العمل الوطني الفلسطيني إلى الدعم السوفييتي. كان أبو سعيد في هذه الناحية يمينياً حقاً كما كان براغماتياً. لكن تصور القائد الذي صاغه لشرور الشيوعية لم يطمس عنده حقيقة ما يقدّمه الاتحاد السوفييتي للعرب من معونات. وكثيراً ما جادل أبو سعيد محاوريه بشأن دوافع السوفييت إلى الاهتمام بالشرق الأوسط وانتقد هذا أو ذاك من أوجه سياستهم ونجاعتها، غير أنه لم ينكر أهمية المساعدات التي يقدمونها للعرب. إلا أن القائد الذي كان يتولى مهمة تمتين علاقات «فتح» بالمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول المحافظة ويحقق في هذا المجال نجاحات مضطردة حرص على ألا يُشتهر عنه ميله إلى توسيع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي. وإلى هذا، بل في مقابله، تأثر الرجل باعتقاد ساد آنذاك في «فتح» كما في غيرها، اعتقاد عددته أنا ساذجاً، وكان قوامه أن بالإمكان حمل السوفييت حملاً على مطابقة موقفهم إزاء إسرائيل مع الموقف الفلسطيني وإقناعهم بضرورة العمل لإزالة إسرائيل من الوجود. وكان أبو سعيد بين الذين تصوروا أن الحوار مع السوفييت حين تدعمه الحجج الفلسطينية الباهرة سوف يؤدي إلى هذه المطابقة. وكان الرجل يأخذ عليّ ما يعدّه هو دفاعي المستميت عن الموقف السوفييتي المؤيد لقرار مجلس الأمن الدولي 242، فكان الحديث عن البلد الاشتراكي يشغل إذن، حيزاً واسعاً في حواراتي معه. ولم أستبعد أن يكون محاوري قد تأثر بالإشاعات التي تتناولني. كما لم أستبعد في أول تعارفي بخالد الحسن أن يكون ممن تصوروا أني أغلب فعلاً الولاء للسوفييت على الولاء للوطن. وكما حدث مع غير أبي سعيد، صبرت نفسي على ما توجسته من شكوك فيّ إلى أن لاحت أول فرصة لوضع الأمر في نصابه السليم. تمّ هذا عندما شاء أبو سعيد أن يستفيد من علاقتي الشخصية الحميمة بالسفير السوفييتي في دمشق، نور الدين محيي الدينوف، فطلب مني أن أرتّب له لقاءً مع هذا السفير. وكان هذا بالنسبة لي طلباً مألوفاً ومشروعاً ومفهوم الدوافع، وكثيراً ما أديت مثل هذه الخدمة لعدد آخر من قادة الفصائل. غير أن صيغة الطلب أسخطتني بعض الشيء، إذ أنها وشت بشكوك صاحبي بشأن علاقاتي بالسوفييت. ولأكثر من سبب، كتمت سخطي. غير أني بيت في نفسي أمراً، ونقلت رغبة القائد الفتحاوي إلى صديقي محيي الدينوف. وواجهني محيي الدينوف بأن طالب اللقاء يميني معاد للسوفييت، وبدا غير ميّال إلى الالتقاء به. وحاججت أنا بأن هذا رأي في الرجل غير دقيق، وأضفت أن من واجب السفير أن يحاور قائداً له وزن خالد الحسن أياً ما كان عليه رأيه فيه. ولم أترك محيي الدينوف إلا بعد أن تحدد موعد اللقاء المطلوب. جرى هذا فيما أبو سعيد خارج دمشق. فتعمدت أن أتصل بمكاتب «فتح» العديدة، الواحد إثر الآخر، وأترك في كل مكتب رسالة: استجاب السفير السوفييتي لطلب الأخ خالد، وسيكون في انتظاره... قد يصعب عليك أن تدرك مغزى سلوكي هذا بتمامه. فبسمعة خالد الحسن بما هو يميني معادٍ للسوفيات، وبما أفضت إليه المنافسات والنمائم الفلسطينية حين بلغت حدّ اتهامه بأنه عميل للسعوديين أو حتى للأميركيين، أثار طلبه الالتقاء بالسفير السوفييتي ما توخيته أنا من ضجّة وعدّه بعضهم فضيحة واتسع اللغط حوله. وعندما رجع صاحب الطلب إلى دمشق، فوجئ بالحكاية المجلجلة في كل مكان. وتعجل الرجل المجيء إلي، وبادرني ساخطاً: «ما هذا الذي فعلته بي؟». هنا، جاء أوان وضع الأمر في نصابه: إذا أذن أبو سعيد لنفسه بأن يؤخذ بإشاعات الساحة المفتونة بالنمائم فيظن أني مستخدم لدى كي.جي.بي فمن حقي أنا أن أصدق الإشاعات فأعدّه مستخدماً لدى سي آي أيه فتكون واحدة بواحدة، ثم لا نجد ما نفعله سوى أن يشتم أحدنا الآخر كما يفعل قليلو العقل الكثيرون في ساحتنا. أما إذا شاء الرجل أن نتعامل كما يتعامل شركاء الهم الواحد فيختلفون على أشياء ويتفقون على غيرها ويتعاونون فسيجد في شريكاً نزيهاً وصديقاً مخلصاً. قلت هذا لزائري الساخط ودعوته إلى البتّ في هذه النقطة حتى لا تشوب الهواجس السخيفة علاقتنا. يومها، أظهر خالد الحسن قدرته على طيّ انفعاله المتعجل مثلما أظهر تواضعه، ومنذ ذلك الوقت استقامت مساراتنا وتعززت القاعدة: ثقة متبادلة، وتبادل صريح للآراء والمعلومات، واتفاق على ما يروّج أو لا يروج منها. لم أحد أبداً عن الالتزام بهذه القاعدة. ولم يكذب علي أبو سعيد في أي مرة ولم يخدعني أبداً ولا ضنّ علي بأي معلومة مفيدة. وصار من عادة هذا الصديق كلما احتاج إلى التخفف من أثقال مخزونه أن يلقاني ويبوح بما يثقل عليه ويستمع إلى ملاحظاتي. كما صار من عادتي أن أبحث عن القائد المستقيم كلما احتجت إلى التدقيق في أي معلومات. ولو توجب أن أصف خالد الحسن بكلمات قليلة لقلت إن الرجل كان واحداً من القادة القليلين الذين يوائمون بين قناعتهم وسلوكهم، وكان في هذا من أكثرهم عصرية وأجدرهم بالاحترام. نايف حواتمة، أبو النوف حسب الكنية الشائعة، أو أبو خالد كما يحبّ هو أن يُكنّى، كانت لي معه تجربة من نوع مختلف. وقد أجهدت نفسي كثيراً كي أصل إلى اتفاق مع الرجل على القاعدة التي ذكرتها لك، ولكني لم أفلح في إلزامه هذه القاعدة بالرغم من موافقته عليها. قدم نايف إلى الساحة الفلسطينية من شرق الأردن. وهو ابن مدينة صغيرة، لكنه أيضاً ابن المجتمع الذي تأخر انتقاله من البداوة إلى الحضر. وهو المجتمع الذي لم يتحقق له هذا الانتقال إلا بتأثير التطورات العاصفة التي ألمت بالشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى والتطورات اللاحقة للقضية الفلسطينية، العاصفة هي الأخرى. وبما هو انتقال متعجل تم بتأثير عوامل طارئة أكثر مما هي أصيلة، فقد بقي مضطرباً ومختلطاً، فحل الجديد دون أن تتحقق له الغلبة أو يكفّ القديم عن التأثير. وعندما انتقل الفتى نايف إلى بيروت من أجل الدراسة، لم يكن بعد بدويّاً، لكنه لم يكن بريئاً من تأثير المجتمع الذي ينحدر منه، وهو لم يبرأ من هذا التأثير في أي وقت من الأوقات اللاحقة. واحتفل الموروث تأثيره في الفتى ثم في الرجل الذي صاره الفتى، في أفكاره، وسلوكه، وطرائق تعامله مع الناس والأشياء والوقائع. وقد انتسب نايف إلى حركة القوميين العرب وبرز بين نشطائها. ولئن هيأ النشاط في منظمة سياسية لصاحبنا فرص التماسّ مع أفكار العصر واكتساب عادات سلوك متقدمة، فإن فكر الحركة القومي المتزمت وعضويتها التنظيمية وعداءها للمنافسين والخصوم لم تهيئ ما يكفي لإبعاد الشخصية كثيراً عن البداوة. كانت شعارات: دم، حديد، نار، وهي شعارات الحركة، ونداءات الثأر التي لونت سياسة الحركة منسجمة مع الموروث البدوي، فعززت تأثيره على صاحبنا. وعندما انجذبت الحركة إلى تأييد الرئيس جمال عبد الناصر ودعوته العربية القومية، تصرفت إزاء الزعيم ذي الفكر المتقدم حقاً على فكرها، بوصفه سيّد القوم، فحل زعيم الأمة عند أعضاء الحركة محل سيّد العشيرة . ولم يكن غريباً أن تؤيد الحركة من إجراءات الزعيم ما اعترض عليه المصريون والعرب الآخرون المستنيرون. ولعلك تعرف أن حركة القوميين العرب أيّدت من سياسات عبد الناصر أكثرها مجافاة للديمقراطية وهللت لبطشه بالإخوان المسلمين، والشيوعيين، والبعثيين، والديمقراطيين من صغار البرجوازيين أو كبارهم، تماماً كما هللت لبطشه بالرجعيين. وفي مساندتها لعبد الناصر، عملت الحركة على إثارة حسّ القوم لدى الجمهور ضد خصوم سيد القوم. بالرغم من هذا، فإن انهماك الحركة في التيار الناصري الواسع أحدث تأثيره فيها. فقد انطوى هذا التيار على كثير مما هو عصري وتقدمي. بل لعل هذه أن تكون أهمّ سماته. فانعكس الأمر على أعضاء الحركة ونوّع التوجهات داخلها وأنبت فيها بذور الاهتمام بشئون الجهود الاجتماعية والمعيشية. ولأن درجات التأثير تفاوتت من عضو إلى آخر، ولأن التأثير ذاته زعزع القناعات القديمة، فقد صار لا بدّ من أن تهتز الحركة وتتعرض لانشقاقات متوالية. وفي المحصلة، مال جسم الحركة الرئيس إلى تلوين الطروحات القومية المتعصبة بسمات الطروحات التقدمية. ومع التأثير المضطرد للفكر الاشتراكي، وخصوصاً الماركسي انضاف لون آخر، فتراكمت الألوان وتداخلت. وعند إضافة أي لون جديد، بارح الحركة عدد من ناسها المتشبثين بالقديم وانجذب إليها ناس جدد، خصوصاً من طلبة الجامعات والمدارس في لبنان وسوريا وغيرهما. وفيما الحركة واقعة تحت تأثير الألوان المتوائمة أو المتباينة، أعلن عبد الناصر توجهه الصريح نحو الاشتراكية واتخذ التدابير الاقتصادية والاجتماعية المشهورة في سياق هذا التوجه. وكان العيار هذه المرة أثقل من أن تبقى الحركة بعده موحدة. ونشأ الجدل، وامتدّ، واحتدم. وتمايزت المواقع تمايزاً أخذ يحتدّ. واشتد تمايز اليسار عن اليمين. وانتهى الأمر بجسم الحركة الرئيسي إلى أن يندفع ناحية اليسار دون أن يبرأ من التزمت القومي. ثم لم يلبث أن وقع التطور الرئيسي الذي حلّ في هدي التأثير الكاسح لهزيمة العرب في يونيو 1967: قفزت الحركة إلى أمام عبد الناصر بعد أن حملته مسئولية الهزيمة. وجهرت الحركة بالميل إلى الماركسية دفعة واحدة وانجذبت خصوصاً إلى الماوية، وخاصمت عبد الناصر ذاته فيما استمرت في مخاصمة البعثيين. وكان نايف حواتمة في مقدمة القافزين إلى سرج الماركسية الذين اتهموا الآخرين، الناصريين والبعثيين، بأنهم برجوازيون صغار يتحدثون عن الاشتراكية ولا يؤمنون بها. هذه القفزة زادت، بالطبع، بلبال الحركة فهزتها أفقياً وعامودياً هذه المرة. وغادر الحركة عدد من الموسرين، وانفض عنها عدد من المناصرين، وبقي الذين استمرؤوا القفز، فلم يكفوا عن الاندفاع من موقع متطرف إلى آخر أشد تطرفاً. وفي هذا السياق، قفزت الحركة من تحفظها السابق على الكفاح المسلح الفلسطيني، وهو التحفظ الذي أملاه في حينه ولاء الحركة لعبد الناصر، وحركة القوميين العرب هي التي روجت مع «فتح» أكثر الشعارات فتكاً بالعمل السياسي: الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد وهو استراتيجية وليس تكتيكاً؛ والسياسة تنبع من فوهة البندقية، وما إلى ذلك. وكان نايف، أو قل إنه بقي في مقدمة المروجين. وفي هدي تقديس البندقية، أسست الحركة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لتكون فصيلها المسلح. ثم لم يلبث أن ألغى وجود الجبهة والجبهات المماثلة التي أنشأتها فرع الحركة في غير بلد وجودَ الحركة ذاته وطمس ذكره. وفي هذا، أيضاً، كان نايف في المقدمة وبرز بوصفه من يساريي الجبهة. ومع توالى القفزات وما تحدثه من بلبلة، صار نايف زعيماً معترفاً به لهذا اليسار. اليسار الذي تزعمه نايف اختلف مع الأمين العام للجبهة د. جورج حبش. وتبلور حول الرجلين تياران تخاصما، ثم تقاتلا بالسلاح. وانتهى هذا كله، على عجل يعكس شخصية نايف المتعجلة، بانقسام حاد. فاشتغل نايف وفريقهُ عن الجبهة الأم، وتأسست الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين وصار نايف أميناً عاماً لها. ثم سقط من هذا الاسم كلمة الشعبية وبقي الاسم الذي اشتهرت به: الجبهة الديمقراطية. عدّ نايف وناس فريقه ولادة جبهتهم ولادة لليسار الفلسطيني الجديد، ولم يكتفوا بمخاصمة حركتهم السابقة بل خاصموا أيضاً اليساريين الفلسطنييين والأردنيين جميعهم وعدّوهم أقل ثورية من أن يُحتسبوا في صفوف اليسار. وعندي: أنشأ نايف قوماً من نوع جديد ونصب نفسه سيد هذا القوم. وقد اقترن هذا التطور بوقائع دامية وأخرى غير مألوفة، وأثار بهذا اهتماماً يفوق حجم الجبهة الوليدة، فتهيأ لنايف أن يصير نجماً جديداً في الساحة، وطاب له أن يميز عن نجومها العديدين.