الدول العربية وايران تتسابق لبث برامج بالعبرية للمشاهدين الاسرائيليين: كل من يعرف تاريخ البرامج الدعائية المصرية لا يمكنه فقط الا ان يتنهد معبرا عن حنينه واشتياقه، لقد مرت وغابت الايام التي كان بها صوت العرب ـ يصرخ بنداء الحرب الذي لا ينسى: قواتنا تقاتل في كل الجبهات. لقد مرت الايام التي كان بها احمد سعيد مذيع اذاعة صوت العرب الناصرية يقول بصوته الصارخ من القاهرة ان قواتنا قد احتلت طبريا وهي تتقدم نحو عكا. في السنة الاخيرة طرأت على برامج الدعاية العربية (والايرانية) الموجهة لاسرائيل عدة تطورات. التطور الاول هو تحولها الى برامج مكثفة: دولة اسرائيل لم تكن خاضعة أبدا لهجمة اعلامية واسعة النطاق بهذا الحجم. التطور الثاني هو ان هذه البرامج ارتدت طابعا موضوعيا ومعتدلا، الامر الذي يحولها الى برامج ذات طابع اعلامي أكبر. والتطور الثالث: رغم الكثافة والنغمة الاعلامية، الا ان اسرائيليين قليلين فقط يستطيعون التقاطها واسرائيليين قليلين ايضا يبادرون الى سماعها. من المثير ان نعرف مثلا عدد الاسرائيليين الذين سمعوا الرسالة التي بثها نحو اسرائيل في الحادي عشر من يونيو أحد قادة الجالية اليهودية الايرانية، منوتشهر الياسي، ابن الستين عاما والطبيب من حيث المهنة، كان هذا يوم البث الاول لاذاعة صوت داود وهي نشرة اخبارية ايرانية بالعبرية. النشرة تابعة لقسم البث الخارجي الخاضع لإمرة الزعيم الروحي علي خامنئي. الياسي قام بعرض عمله في المستشفى اليهودي وعضويته في البرلمان الايراني ومن بعد ذلك توجه للتحدث الى حكومة اسرائيل. الياسي قال في كلمته ان هؤلاء الناس يستغلون مباديء الدين اليهودي ويهددون السلام والاستقرار الدولي. ومن ثم أضاف انه يأمل بأن يعيش كل اليهود في سلام ومحبة مع كل الشعوب في العالم كما عاشوا طوال 2700 سنة في طهران. كما أضاف انه يستغل هذه الفرصة ليندد بالجرائم التي ترتكب في المناطق المحتلة في فلسطين. وقال: ان الحرب هناك هي حرب أهلية، حسب رأيه. ورغم ان نسبة الاستماع لهذه البرامج في اسرائيل متدنية ورغم صعوبة التقاطها في اسرائيل الا ان الايرانيين لا يتنازلون عن بذل جهودهم الاعلامية التي لن تكون ضارة اذا لم تنفع. والامر لا يقتصر على ايران وحدها، فالدول العربية هي الاخرى تسهم في ذلك. فسورية ومصر ولبنان يحاولون في هذه الايام التوجه الينا بشكل مباشر واقناعنا بتقويم طريقنا. وأول المبادرين كانت قناة النيل الفضائية الحكومية المصرية التي شرعت في الاول من يناير الماضي في بث نشرة اخبارية يومية باللغة العبرية. بعدها بأربعة اشهر جاء دور التلفزيون السوري. ومحطة المنار التابعة لحزب الله تبث هي الاخرى نشرة بالعبرية. هذه النشرات والبرامج هي في أغلب الاحيان حكومية رسمية باستثناء حزب الله، وهدفها كما صرحت ان تطلع الاسرائيليين على الرأي الآخر. عبارة الرأي الآخر هي عبارة لا تخلو من النوايا الخفية، وقد جاءت من محطة الجزيرة العربية اذ سعت الى طرح المواقف التي تحاول الانظمة العربية الرسمية اخفاءها. محمد سرافراز، نائب سلطة الاذاعة والتلفزيون في ايران للبرامج الخارجية قال ان هدفهم هو طرح الحقائق كما هي وتقديمها للمستمع اليهودي في ارض فلسطين المحتلة. أما الدكتور ايهاب الشريف المفوض المصري في تل ابيب فقد قال اننا لا نقصد من هذه البرامج انتقاد اسرائيل وانما نشعر ان وسائل الاعلام الاسرائيلية ابتعدت عن البث الموضوعي بعض الشيء بسبب التوتر الحالى وهدفنا هو فقط ان نعادل الصورة ونوازنها.مشروع برامج البث باللغة العبرية الموجهة للجمهور الاسرائيلي هو ثمرة عملية لمؤتمر وزراء الاعلام في الجامعة العربية الذي انعقد في بيروت قبل سنة بالضبط. هذه القمة سارعت الى الاجتماع في الوقت الذي كانت فيه اسرائيل ترزح تحت وطأة هجمة اعلامية من كل أرجاء العالم، وقررت انشاء محطة فضائية للدول العربية المجاورة. الدول العربية المجاورة أخذت الاقتراح على محمل الجد وقررت استباق الخطوة من خلال مبادرة ذاتية. وبضغط من سورية تداعي وزراء الاعلام العرب للاجتماع ودعا وزير الاعلام السوري عدنان عمران نظراءه الى انشاء محطة فضائية عربية، فما كان من صفوت الشريف الا ان أقدم على استباق الأحداث وأخذ يبث محطة الأخبار العبرية من خلال قناة النيل. وبذلك يكون المصريون قد استبقوا قناة الشرق الاوسط الفضائية الاسرائيلية التي تبث بالعربية والتي بدأت بثها قبل أربعة اسابيع. على رأس قسم العبرية في قناة النيل يقف الدكتور حسن على، 56 عاما، المترجم الرئيس للعبرية للرئيسي حسني مبارك، وعلى يتحدث العبرية بطلاقة وهو يحمل شهادة الدكتوراه باللغة العبرية، وقد ألف عدة أبحاث في السابق حول صورة العربي في مؤلفات أ.ب يهوشع. في هذا القسم يعمل 35 موظفا بعضهم من قسم العبرية في اذاعة صوت القاهرة، وبعضهم الآخر من خريجي الدراسات العبرية في الجامعات. المصريون بدأوا مع نشرة يومية من نصف ساعة، ومع مرور الوقت نجحوا في بث برنامج يومي لمدة ساعتين. أغلبية النشرة مأخوذة من الساحة السياسية. ومصدر المواد هو وكالات الأنباء أو وسائل الاعلام الاسرائيلية، الامر الذي يضمن ان لا يكتشف المستمع المصري شيئا جديدا لم يسمعه هنا في وسائل الاعلام المصرية. لدى قناة النيل مجموعة محترمة من المعلقين السياسيين وكلهم من الاكاديميين الناطقين باللغة العبرية العالية المستوى. ومن الملموس انهم يبذلون جهودهم لاخراج النشرة اليومية. هذه النشرة غير جذابة والرسائل الأساسية التي تبثها تكرر نفسها، وهي تركز على عمليات جيش الدفاع في المناطق وعلى قضايا مختلفة من الساحة السياسية وعلى الخطوات السياسية المصرية من الشاكلة التي لا تأسر مسامع الاسرائيليين العاديين. وحسب رأي قناة النيل للأخبار نجد ان الاسرائيليين وحدهم فقط هم الذين يستحقون الانتقاد، أما الفلسطينيون فهم أبرياء منه تماما. عدد الاسرائيليين الذين يستطيعون التقاط القناة المصرية قليل، كما ان قنوات الكوابل لا تبث برامج النيل في الباقة التي تعرضها للمشتركين، والوحيدون الذين يستطيعون التقاط برامج النيل هم الذين يملكون على أسطح المنازل صحنا لاقطا. وهذا في العادة موجود عند عرب اسرائيل الذين ليسوا من الجمهور المستهدف بالنسبة للمحطة. الدكتور حسن على مدرك للمشكلة، ويقول ان مهمته هي الوصول لكل منزل في اسرائيل. أنا معني ان يشاهدوني، ولذلك يزعجني هذا الامر جدا. ـ نصف سنة وأنتم تعملون بجد واخلاص ولا يتمكن أحد رغم ذلك من مشاهدتكم هنا؟ ـ أنا أعرف، وأنا استطيع ان اقول ان الجميع سيشاهدوننا خلال نصف سنة ان شاء الله. ـ لماذا بدأت دول في الشرق الاوسط بالبث للاسرائيليين بالعبرية دفعة واحدة؟ ـ الظروف تطلبت ذلك. وأنا أقصد التطورات التي تتعلق بالوضع الفلسطيني واحتلال المناطق. الهدف هو ايصال موقف العرب والقول للمواطن الاسرائيلي ان الامر لا يمكن ان يتواصل على هذا النحو. معرفتنا بالعبرية يجب ان تخدم الوضع المثير للاشكال. اللغة هي مفتاح يمكنه ان يحرك شبكة العلاقات بين الاسرائيليين والجمهور العربي الواسع. ـ هل تشعر ان المحطة الفضائية الاسرائيلية تتنافس مع المحطات الفضائية العربية لكسب المستمعين العرب؟ ـ لا، فلكل دولة الحق في استغلال السماء في عهد الفضائيات. واذا كانت القناة موضوعية في التغطية وتتبع نهجا موضوعيا فلا توجد مشكلة. ـ هل هذه قناة فضائية في خدمة حكومة اسرائيل حسب رأيك؟ ـ بالتأكيد، انها تحاول تزييف حقائق الوضع من اجل الفوز بمساندة الجمهور العربي. ولكن ماذا يستطيعون ان يقولوا للمواطن العربي في هذا الوقت وكيف تبرر هذه المحطة الاحتلال خصوصا بعد ان أعلن الفلسطينيون انهم يعترفون بدولة اسرائيل؟ كل مواطن عربي يتوقع مثل هذا الرد. نشرة الأنباء السورية تبث في كل مساء في الساعة السابعة لمدة 15 ـ 20 دقيقة. والمذيعون السوريون مجهولو الاسم ويبدلون مواقعهم بشكل مستمر خلافا لنظرائهم المصريين، كما ان المعلقة الدائمة في النشرة التي تتحدث بلغة عبرية طليقة وغنية لا تعرف نفسها بالاسم ولا يسمع الا صوتها فقط. النشرة السورية تذكر بدرجة كبيرة ببرامج التلفزيون الاردني العبرية التي تلتقط جيدا في أغلبية البلاد قبل عهد اتفاق السلام. فالنشرة جافة وقصيرة وخالية من المشاعر. السوريون مثل المصريين غير ضالعين بمجالات اهتمام الجمهور الاسرائيلي كما يبرز من الأنباء التي تبثها أو طريقة وأولوية البث. نشرة الأنباء الايرانية صوت داود هي النشرة الأكثر توازنا تحديدا وهي الأكثر اقترابا للبث الموضوعي. الايرانيون يعلمون ان بثهم لا يصل الى اغلبية مناطق اسرائيل، ولكنهم يواصلون البث بالرغم من ذلك، فهذا هو اسلوب تصدير الثورة. محمد سرافراز قال لصحيفة الحياة «اللندنية» ان الفكرة من وراء صوت داود هي الاعتراف بامكانية التمييز بين اليهودية والصهيونية. ذلك لان الصهاينة الذين يسيطرون على فلسطين المحتلة لا يمثلون كل اليهود، اذ يوجد في العالم يهود يعتقدون ان اسرائيل هي دولة غير شرعية مثل حركة ناطوري كارتا. الايرانيون لا يخفون انتقادهم للفلسطينيين عندما يتطلب الامر ذلك. ففي هذا السياق بثوا مؤخرا غضب أهالى مخيم جنين على السلطة الفلسطينية وعلى منظمات الاغاثة الدولية التي تؤخر أموال اصلاح المنازل التي دمرتها الجرافات الاسرائيلية، مثل هذا النبأ لم يكن ليبث في النشرة المصرية أو السورية. المسئولون عن صوت داود لا يفصحون عن أسمائهم وهم مع ذلك يعرضون أرقام هواتفهم للسامعين. ومعدو النشرة الايرانية هم على ما يبدو فلسطينيون أو سوريون ناطقون بالعبرية، وهم يدركون احتياجات المستمع الاسرائيلي ولا ينوون الاثقال عليه من خلال مصطلحات وتعابير لا تطيقها الأسماع. صوت داود يسمي العمليات التفجيرية أعمالا عنيفة، ويسمي منفذيها الانتحاريين وليس الاستشهاديين. وهو يغطي أنباء مثل اعمال النهب التي نفذها الجنود الاسرائيليون خلال عملية السور الواقي أو أنباء الهجرة العكسية من البلاد. المستمع الذي لا يكتفي بالطريقة التي يبث بها المصريون والسوريون يمكنه ان يشاهد برامج حزب الله العصبية. هذه البرامج تبث من خلال قناة المنار البيروتية. وهي تتطلع لاهانة المشاهد الاسرائيلي خلافا لنظيراتها الثلاث التي تسعى لكسب وده واجتذابه. حزب الله بدأ ببث برامجه الموجهة للاسرائيليين منذ عامين عندما كان الجيش الاسرائيلي موجودا في لبنان. في حينه بثوا رسائل موجهة للجنود لحثهم على عدم الخدمة في الجيش الذي يقمع السكان الواقعين تحت الاحتلال. وفي السنة الاخيرة بثت المنار أفلاما بالروسية موجهة للمهاجرين الروس. محطة المنار تواجه مثل محطات البث العربية الاخرى صعوبة في الوصول الى اسرائيل. المشاهدون في الجليل الأعلى والجولان يستطيعون التقاط المحطة، أما في المناطق الاخرى فلا يمكن التقاطها الا من خلال الصحون اللاقطة. نسبة المشاهدين قليلة جدا، الا ان حزب الله لا يتأثر من ذلك، فالتغطية تحدث من خلال وسائل الاعلام الاسرائيلية التي تبث مقاطع من برامج المنار. عن «معاريف»