«قرار إلقاء قنبلة تزن طناً على منزل يقع في حي إسكاني مكتظ، هو بلا شك أمر غير قانوني». قائلا هذه العبارة، والتي قالها كل واحد منهما على حدة، أمس الأول، ليسا من نشطاء اليسار ولا يدافعان عن عرفات. إنهما ضابطان رفيعا المستوى جداً، يعرفهما الجيش الاحتياطي جيداً، وشاركا في السابق في عمليات وقرارات مشابهة. من المؤكد أن الصيغة أعلاه متأثرة جداً من حقيقة كونهما يعتبران اغتيال صلاح شحادة عملية حمقاء، مضرة وحابلة بالدماء. ولكن من المناسب الانتباه إلى أن إسرائيل التي تتحدث مؤسساتها السياسية والعسكرية عن الانتصار القريب - تقترب يومياً، بين عملية متعجرفة وأخرى، وبفظاظة، من اجتياز الخط الفاصل بين المتاح والممنوع، بين الحكمة والغباء، بين ما يتحتم عمله وما يمنع عمله حتى بموجب الأوامر. بشكل ما، يسير غياب العقل وغياب المصداقية سوياً. في الأسبوع الماضي فقط، نشر قرار التقليل من كشف هويات الجنود والضباط الذين يخدمون في المناطق، كي لا يتعرضوا إلى خطر تقديم دعاوى قضائية ضدهم في المحكمة الدولية لجرائم الحرب. لكن شارون وبن اليعازر لا يخشيان، كما يبدو، أن يجرهما قرار قتل شحادة، من خلال قصف المنطقة التي أقام فيها جواً، إلى لاهاي أو أن يجر قائد سلاح الجو الإسرائيلي أو الطيار الذي ألقى القنبلة. يصعب توقع أمر آخر من قبل مؤسسة أمنية ترفض الاعتراف بالادعاء القائل إن عملية الاغتيال اجتثت خطوة أحادية الجانب لوقف العمل يات ضد المدنيين الإسرائيليين، كانت تنوي الاقدام عليها حركة فتح، وتنضم اليها بصمت، حركة حماس. فلو كانا قد واجها هذا الادعاء، لكان عليهما تفسير سبب تعنتهما لتنفيذ عملية الاغتيال التي من الواضح أنها ستستأنف إرتقاء الارهاب ضد المدنيين الإسرائيليين، تمامًا كما حدث في عمليات سابقة، كاغتيال جمال منصور أو رائد الكرمي. يبدو أن الأمر يسير على هذا المنوال: من يسوده الاقتناع بأن كل أفعاله حكيمة، يقتنع أيضاً بأن العدالة المطلقة تقف في صفه، وليس مهماً كيف يرى الآخرون الأمور. لكن ما حدث هو أن الجيش الإسرائيلي سارع إلى تجنيد العديد من ضباطه الكبار للمشاركة في الهجمة الاعلامية، وقام بعرضهم على الصحفيين لإسماعهم توضيحات وشرح الخلفيات. وعندما يصل مثل هذا العرض، بشكل عام، فإنه يؤشر، رغم كل شيء، على أن هناك داخل الجهاز من يشعر بالحاجة إلى الاحتماء. تعتبر محكمة جرائم الحرب نتاج اثنتين من الرياح القوية التي تهز العصر الحالي: الخصخصة والعولمة. فمن جهة الخصخصة، تمنح المحكمة الدولية للمواطنين الحق الذي امتلكته الدول والمؤسسات فقط. وباسم هذا الحق يمكن للاجئة من مخيم صبرا تقديم دعوى ضد شارون، حتى بعد 20 عاما من المجزرة. أما من جهة العولمة فهذا يعني أنه يحق لهذه اللاجئة تقديم الدعوى في بلجيكا ، لأن القانون في العالم الجديد لا يثقب الجبل فحسب، وإنما يمكنه تجاوز الحدود أيضًا. ويمكن لهذه التوجهات أن تكون ذات تأثير بعيد المدى ليس على تقديم هؤلاء الأشخاص أو غيرهم إلى القضاء، فحسب، وإنما على سريان الاتفاقيات الدولية. في الأيام الماضية عندما كانت إسرائيل تجري اتصالات مع الفلسطينيين ليس بواسطة طائرات إف 16، كان هناك من طرح تخوفه من أن تهدد الرياح القانونية الجديدة ما تم إنجازه. لقد قال رجال القانون إنه يمكن للاجئ الفلسطيني مطالبة المحكمة الدولية بضمان حقه بالعودة إلى بيته، وبالتالي الاستئناف على حق هذه السلطة الفلسطينية أو تلك، في التنازل عن هذا الحق نيابة عنه. لقد نوقشت هذه المسائل خلال أيام دراسية مغلقة عقدتها جهات أمنية إسرائيلية. ولا يطالب أحد الالتزام بها اليوم، طبعاً، الأمر الذي يثير بوادر التذمر لدى القيادات التي تحدد السياسة. لكن الفكرة المناسبة، التي تقول إن جريمة الحرب لا تمحى وان العالم كله يتحمل مسئوليتها، تبدو أقل تعظيمًا عندما تصل إلى امتحان الواقع. لقد رفضت الولايات المتحدة الأميركية في الأسابيع الاخيرة، الانضمام إلى الدول التي أقامت المحكمة الدولية، الا بعد منح جنودها الحصانة المسبقة أمام تقديمهم إلى القضاء. صحيح أن العدالة تخص الجميع لكنه يبدو أن القوي هو الذي يحدد من هو العادل. إنه توقيت غريب بشكل خاص، يختاره الأميركيون لاتخاذ هذا الموقف. فبعد يقظتها من الصدمة الأولية التي أنزلتها بها أحداث 11 سبتمبر، بدأت الصحافة الأميركية التمحيص ليس فيما يتعلق بالخطوات العسكرية الاخيرة في افغانستان، فحسب، وإنما، أيضا، في العمليات العسكرية السابقة. ولا تثني النتائج لا على المقدرات العسكرية الأميركية ولا على ما يصفه الجيش الإسرائيلي عادة بـ «أخلاق الحرب»: ويتضح أن آلات الحرب الأميركية المتطورة (التي أثارت انطباع المسئولين في الجيش الإسرائيلي وقالوا إن هناك الكثير مما يمكن تعلمه منها) قتلت في كوسوفا وفي أفغانستان المدنيين بشكل خاص، بشكل يقل كثيراً عن قتل الأعداء. لقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» هذا الأسبوع، معطيات تتعلق بالكثير من المدنيين الأفغان الذين قتلوا في عمليات القصف الأميركي (وكما هو معروف تحول مئات الالاف إلى لاجئين). كما نشرت مجلة «إسكواير» تحقيقاً حول كوسوفو، ادعى أن ثلاثة مدنيين كوسوفيين، على الأقل، قتلوا مقابل كل جندي صربي أصيب في الهجوم الأميركي. وكما نذكر يجري الحديث هنا عن شعبين لم يكونا طرفا في الصراع: فقد هجم الأميركيون على افغانستان، بعد وقوع العملية المزعزعة على أراضيهم، لاعتقال اعدائهم وتدمير النظام الدكتاتوري. وفي كوسوفو تدخلت أميركا، ليس كطرف في الصراع، وإنما بصفة الشرطي الجيد في العالم، في الحرب الأهلية القاسية التي ارتكبت خلالها جرائم حرب (واهتمت في نهايتها بتقديم بعض مجرمي الحرب هذه إلى القضاء بشكل مبرر تماماً). ولكن بشكل جيد أو سيء، من خلال الرغبة بتقديم المساعدة أو الانتقام والرد أصاب الأميركيون في الأساس، الأبرياء. لقد فعلوا ذلك، كالعادة، من خلال الشعور الكامل بالعدالة المطلقة. ولقد سبق ذلك في حرب الفيتنام، حيث تدخلت أميركا في الحرب الأهلية، في الجانب الآخر من العالم، أن انتهى ذلك التدخل بمقتل ملايين الفيتناميين وتدمير المدن والاقتصاد الفيتنامي بشكل متكامل. وقد لخص كولونيل أميركي مجهول نظرة بلاده إلى العالم بعبارته الخالدة: «كان علينا هدم القرية من أجل إنقاذها»، الأميركيون يعتبرون توريث أسلوبهم في الحياة للعالم، مهمة مقدسة، سواء تم تنفيذ ذلك من خلال تقديم المساعدات أو بواسطة القنابل. إذاً، كيف يمكن تقديم من يؤدون مهمة مقدسة، إلى المحكمة الدولية؟ يمكن القول، بمقياس كبير من المصداقية إن الفارق هو في النوايا. لا تحارب الدول من خلال تعمد إصابة المدنيين. ولكن هناك عمليات ، كعملية القصف الجوي لحي إسكاني، تتطلب منك ان تكون أعمى أو متساذج كي تدعي أن اصابة المدنيين تمت بشكل «خاطئ» أو «صدفة». وبشكل يفوق وجود نوايا شريرة هنا، ينطوي الأمر على خشونة قلب: خشونة قلب تنعكس في التساؤل عمن أصيب، خشونة قلب في التساؤل عن أبعاد عملية الاغتيال وكم هو عدد الناس، من الجانبين، الذين سيدفعون حياتهم ثمنا للتصعيد. إن خشونة القلب لا تعتبر حتى الآن، مخالفة يمكن المحاكمة عليها، ولكن المؤكد أنه يمكن الموت بسببها. وكما يشهد القرار الذي اتخذه الجيش بشأن تقليص الكشف عن هويات الجنود في المناطق الفلسطينية، فإن إسرائيل لا تتوقع الاحسان الكبير من قبل المحكمة الدولية. والافتراض غير المعقول لدينا هو أن المقصود مؤسسة ستتصرف في نهاية الأمر بشكل يشبه تصرفات الأمم المتحدة. وإذا كانت العدالة هي من نصيب الأقوياء فان إسرائيل لا تعد من هؤلاء الأقوياء عندما يجري الحديث عن مكانة دولية وعن تحديد من هو الصديق ومن هو الشرير. ولكن ذلك كما يبدو، لا يغير شيئا، في نهاية الأمر. فرائحة الانتصار تجتاح، اليوم، أنف الإسرائيلي الكبير. والانتصار، كما يصفه رئيس هيئة الأركان الحالي، بات قريباً منذ زمن: لقد ثبت للفلسطينيين أن طريق العنف لم تفدهم فعادوا إلى حل مشاكلهم بوسائل أخرى. المجتمع الفلسطيني يشهد نقاشات يقظة هذه الأيام، وسنرى نتائجها، رغم العوائق، كتلك التي ولدتها عملية اغتيال شحادة. لكنه كما يبدو يوجد هنا من يطلب أكثر من ذلك، أكثر بكثير، وأن هناك من قرر أنه في طريقه نحو تحقيق الهدف الكامن وراء الانتصار لن يردعه لا العقل ولا الأخلاق ولا حتى المحكمة الدولية . عن « يديعوت أحرونوت»