يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. لبنان هو الآخر يسّر لي نفوذ حملة البنادق السفر إليه بعد الحظر المديد. ضاق لبنان بالفلسطينيين الذين التجأوا إليه منذ العام 1948 فحظر قدوم المزيد. وكان على الفلسطيني إن احتاج إلى زيارة لبنان أن يحصل على إذن مسبق يوافق عليه وزير الداخلية نفسه، وهو إذن لا يحصل عليه إلا الذين يسندهم صاحب نفوذ كبير أو يقدّمون رشوة كبيرة. وأنا أتذكر أني احتجت مرة في العام 1966 إلى إرسال ابنتي لينا إلى بيروت لإجراء اختبار طبّي. كانت المريضة رضيعةً لم تكمل سنتها الأولى، ولكن إجراءات الحظر لا تميز بين الأعمار المختلفة. ولأن الحاجة كانت ملحة، فقد استنجدت بصديقي زميل المهنة مدير مكتب منظمة التحرير في بيروت شفيق الحوت ورجوته أن يتوسط للحصول على إذن للرضيعة وأمها. وبعد أيام، اتصل شفيق وأفهمني أن طلب الإذن للأم صعّب المسألة وقد يعرقلها، واقترح أن تقتصر المساعي على طلب إذن للرضيعة، فقبلت اقتراحه وفي البال أن بالإمكان إرسال ابنتي إلى بيروت مع أي صديق غير فلسطيني. وبعد شهر،اتصل شفيق: تعذر الحصول على الاذن. ثم جاءت مناسبة عامة اجتذبت عدداً من الصحافيين اللبنانيين إلى دمشق. وشاء هؤلاء أن يردّوا لي جميل الخدمات التي وفرتها لهم، فلم أطلب سوى شيء واحد، تدخلهم أو تدخل مؤسساتهم لتوفير إذن الزيارة. وبالرغم من هذا كلّه، لم يأت أي إذن. رويت لك هذا لتعرف أن فتح طريق لبنان أمام الفلسطينيين بنفوذ حملة البنادق كان مكسباً كبيراً قدّر الجمهور أهميته تقديراً صحيحاً فزاد التفافه حولهم وتأييده لهم. لم يكن لي في لبنان أقرباء. غير أن كثيرين من أصدقائي ومعارفي كانوا لبنانيين أو مقيمين في لبنان. وقد ازداد العدد مع اطراد إنشاء القواعد الفدائية في البلد والمكاتب في عاصمته. ولعلك تعرف أن الأمر ابتدأ بإنشاء قواعد فلسطينية في منطقة العرقوب الجبلية في الجنوب، وهي المنطقة التي أشهرتها الصحافة الأجنبية باسم «أرض فتح» وأطلقت عليها الأدبيات الفلسطينية هذا الاسم المهيب: عش النسور. وقريباً من عش النسور هذا، نشأت في بلدة النبطية عدّة مكاتب إدارية، وتفرز الوجود الفدائي في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، بالطبع. تم تمدد الوجود المسلح بمضي الوقت حتى شمل مدن لبنان ومناطقه كلها تقريباً. في ذلك الوقت، كانت بيروت قد صارت مركزاً يلجأ إليه عرب كثيرون ضاقوا بالحياة في بلدانهم لسبب أو غيره، مثقفون وسياسيون ورجال أعمال وطلاب عمل. وإلى هؤلاء، اجتذبت بيروت أعداداً وافرة من المغامرين والأفاكين والباحثين عن المتع التي لا تتاح في مجتمعاتهم المحافظة. وبهذا وذاك، بجهود اللبنانيين والوافدين، ولأسباب أخرى عديدة، صارت بيروت عاصمة للمال والثقافة في آن واحد مثلما صارت عاصمة للجريمة وشتى النشاطات السوداء. واكتسبت بيروت شهرة عاصمة الصحافة، أيضاً، صحافة اللبنانيين أنفسهم وصحافة العرب، صحافة الأنظمة العربية التي تروج لسياساتها، وصحافة المعارضة التي تفضح هذه السياسات. حصلت على بطاقة من جيش التحرير الفلسطيني وقعها صديقي مصباح البديري الذي صار عميداً، وبطاقة من «فتح» وثالثة من جبهة التحرير الفلسطينية. وحملت هذه البطاقات أسماء مستعارة متعددة. وذلك بالإضافة إلى بطاقة طلائع حرب التحرير الشعبية ـ قوات الصاعقة التي تحمل اسمي الحقيقي. وصار بإمكاني أن أدخل لبنان بيسر شديد وأستخدم هذه البطاقة أو تلك وفق تبدل الأحوال. وقد حرصت على أن تكون الرتبة المنوّه عنها في أي بطاقة متواضعة. فأنا حسب بطاقة جيش التحرير رقيب في هذا الجيش. وحسب بطاقة فتح مناضل عادي، وهكذا حسب بقية البطاقات. فعلت هذا تحسباً لأي متاعب قد يثيرها استخدام الاسم الحقيقي ولكي لا تجتذب الرتبة أي انتباه. وتواترت زياراتي للبنان وتنوعت دوافعها: متابعة الشئون الفلسطينية المتنامية في هذا البلد، والالتقاء بالأصدقاء، وتعزيز الصلة بالصحافة، والتسوق، والتزود بالكتب التي لا يجدها القارئ في سوريا. ولك أن تعرف أن ما ظفرت به في هذا المجال لم يكن امتيازاً انفردت به أو خُص به عدد قليل. فقد أباحت الفصائل الفدائية لأي صاحب حاجة فلسطيني أن يظفر ببطاقاتها ويتمتع بامتيازاتها، حتى وإن لم يكن عضواً في أي منها. وحين أستحضر أسماء أصدقائي الأوائل من اللبنانيين، فلابدّ أن يبرز في المقدمة أسماء ثلاثة منهم ربطتني بهم علاقة دائمة: طلال سلمان، ونايف خير الدين، وحسن قريطم. نشأ طلال سلمان في أسرة فلاحية في قرية شمسطار في البقاع، وكان أبوه دركياً متقاعداً حين تعرفت أنا على ابنه. وفي وقت ما، انجذب ابن الأسرة الريفية المتواضعة إلى بيروت مدفوعاً بالرغبة في أن يصير شيئاً مذكوراً. وقد كان طلال حين سمعت أنا باسمه قد انجذب إلى أجواء القوميين العرب. ولابدّ من أن هذا حدث بتأثير دعوة عبد الناصر إلى القومية العربية، فطلال الذي تعرفت أنا عليه كان ناصرياً يتباهى بناصريته، وكان قد غدا صحافياً يوطد حضوره في صحافة لبنان أو صحافة العرب في لبنان. كما يبدو أن صديقي الفلسطيني غسان كنفاني صاحب الاسم الشهير في الصحافة والأدب هو الذي هيأ الفرصة الأولى للشاب اللبناني. وها أنا أتذكر أن أول من حدثني عن طلال كان غسان. فقد انتبه الذي هيأ له انتشار حركة القوميين العرب في لبنان مكاناً متميزاً في صحافته إلى قدرات الريفي الوافد إلى العاصمة وطموحه فشجعه على التقدم. وكان هذا هو، على أي حال، دأب غسان مع الذين يتوسم فيهم النباهة فيدفعهم على طريق الحَرف في الصحافة أو الأدب. والواقع أن طلال بدأ مسيرته الصحافية في إعلام حركة القوميين العرب الذي كان غسان هو المسئول عنها. غير أن طموح الشاب وتوقه إلى تحسين ظروف حياته دفعه إلى البحث عن مجال أرحب وأوفر دخلاً على أن لا يوجب عليه المجال الجديد أن يهمل ناصريته أو يتخلى عن ولائه للقومية العربية. كان طلال، كما وصفه غسان وهو يحدثني عنه قبل أن أتعرف عليه، شاباً يوازن بين المبدئية والمصلحية فيطوع كلاً منهما لمتطلبات الأخرى ويحرص على ألا يبذل نفسه. ولم تكن هذه السمات مما يكفي لاجتذابي أنا إلى الاتصال بصاحبها. وهكذا، التقيت طلال، أول ما التقيته، دون تدبير مسبق. جرى اللقاء في مكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط، المصرية، «أش.أ». وقدمني مدير المكتب صديقي فتوح الشريف إلى زواره الذين سبقوني إليه وكان طلال واحداً منهم. وما ان سمعت الاسم حتى برق في البال وصف غسان كنفاني لصاحبه فلم أستطع إلا أن أتفحصه في ضوء رأيي المسبق فيه، رأيي السلبي كما صرت تعرف. وسواء تم ذلك بتأثير الرأي المسبق أو بتأثير الحديث المباشر، فقد ضقتُ بطلال ضيقاً مضاعفاً، ضقت خصوصاً بما وجدته تبايناً صارخاً بين متناقضين: مصلحية يجهد صاحبها في سترها ومبدئية يشتط في التزمت لها. إن الحديث يدور حول موضوع الساعة: القرار 242 والمواقف المختلفة منه. وقد استفزني تشدد طلال في هجومه على هذا القرار وتشدده في الوقت ذاته في الدفاع عن عبد الناصر أشهر الموافقين عليه. ولأنك تعرف أني لا ألجم رد فعلي فبإمكانك أن تحزر كيف عاملت طلال في لقائي الأول به هذا ! كان صديقي الصحافي المصري مصطفى الحسيني كاتب «روز اليوسف» الشهير بين حاضري لقائنا. وكان مصطفى قد انجذب وقتها إلى العمل الفدائي فترك مكتبه المريح في القاهرة وتطوع لمساعدة «فتح» وانضم إلى جهاز إعلامها. وكنت أحبّ مصطفى حباً لم يوهنه اختلافنا في بعض الآراء. وكان مصطفى قد تعرف على طلال قبلي ورضي بصحبته. وحين ضمنا منزل فتوح الشريف حيث أُعدّ غداؤنا، تعمد مصطفى أن ينفرد بي وانتقد جفوتي إزاء طلال. لم يختلف رأي مصطفى في صاحبه عن رأي غسان فيه. غير أن مصطفى جذب انتباهي إلى ما هو جدير بالانتباه: «صحافة لبنان بمعظمها ساحة ارتزاق وميدان تنافس على الشهرة، وإذا تشبثت بمعاييرك الصارمة فلن يبقى لك فيها أصدقاء كثيرون». وعن طلال، قال مصطفى: «إنه ابن هذه الساحة ونتاج الفكر القومي الذي يبث مبدئيات صارمة ويجيز التفلت منها». وبعد هذا، جاءت النصيحة، هذه التي يقدمها مصطفى عادة بنبرة من يقدم تقريراً : «تعرّف على صاحبنا جيداً، ستكتشف فيه مزايا كثيرة يفتقر إليها أبناء ساحته، ففيه أريحية ابن البلد، وفيه هذا الحرص على أن يحقق مصالحه الخاصة دون أن يتعارض سعيه إليها مع ما يرى أنه المصلحة العامة، وأنا واثق من أنكما ستصيران صديقين». كان مصطفى فصيحاً في وصفه لشخصية طلال أريباً في حثه لي على الانتباه إلى سمات صاحبنا الإيجابية وإغفال ما عداها. والواقع أننا، طلال وأنا، صرنا صديقين بأسرع مما توقع أيما أحد، واتسعت صلاتنا الشخصية واكتشفنا كم هي كثيرة الاهتمامات والقناعات المشتركة التي تقربنا الواحد من الآخر. وصرت أحلّ في منزل طلال كلما جئت إلى بيروت. وصار هو يحل في منزلي حين يجيء إلى دمشق. وتواترت سفراتنا معاً أو لقاءاتنا المرتبة مسبقاً في عدد آخر من عواصم العرب، نشترك معاً في النشاطات العامة المتاحة، ونتعاون، ونتبادل الخبرات، ونتمتع بالصداقة التي راحت تتوطد مع الأيام. طلال هو الذي عرفني على نايف خير الدين فعرفت فيه لبنانياً أحببته حباً صافياً. كان نايف وهو ابن بلدة رياق القريبة من قرية طلال موظفاً متواضع الرتبة في محطة القطارات في بلدته. وكانت هذه محطة لا يعبرها سوى قطار واحد قليل الركاب، فلم يكن فيها ما يوجب مداومة موظفيها على العمل. وهكذا، لم يخصص نايف لعمله في المحطة إلا أقل الأوقات فبقي له وقت كثير من أجل النشاطات الاجتماعية والسياسية التي ينهمك فيها. وقد تباينت شخصية نايف في وجوه عديدة مع شخصية طلال. انتسب نايف إلى الحزب الشيوعي اللبناني، وبرز بين شيوعيي منطقته بصفته من أشدّهم مبدئية وتشبثاً بالطهرية. وانتهى نايف إلى ما ينتهي إليه معظم الطهريين أمثاله؛ تبع انشقاقاً عن الحزب، وأنشأ مع المنشقين تنظيماً مستقلاً ميّزه أصحابه باسم جديد وظلوا يعدون أنفسهم الشيوعيين الأصحاح ويرمون شيوعيي الحزب الذي تركوه بشتى التهم. ولأمر ما، لعله إلفة الجيرة أو رفقة أيام الصبا أو أي شيء من هذا القبيل، ارتبط نايف بعلاقة صداقة مديدة مع طلال، فتوفرت لي فرصة التعرف عليه. جاء الاثنان مرة إلى منزلي معاً، واجتذبتني شخصية صاحب صاحبي منذ عرفته ونشأت بيننا صداقة فاقت في صفائها صداقتي مع طلال. وما زرت لبنان مرة إلا عرّجت على رياق وتمتعت بصحبة نايف وكرم ضيافته. وتبادلت أسرتانا الزيارات. حسن قريطم «أبو بشار» القائد المخضرم في الحزب الشيوعي السوري ـ اللبناني، ثم في الحزب اللبناني بعد استقلاله عن السوري، كان له شأن آخر. فأبو بشار أكبر مني سنّاً وأغنى تجربة وله في ساحة العمل الشيوعي مكانة لم يتحقق لي مثلها في أي ساحة. ينحدر الرجل من وسط بيروتي شعبي وتكنز شخصيته أجود سمات هذا الوسط، الأريحية، والنباهة، واستقامة السلوك، وسماحة النفس، والوفاء للأصدقاء، وقد انضاف إليها خبرة المناضل المحترف وعلم القائد الشيوعي وسعة اطلاعه على أحوال بلده ومحيطه وأحوال العالم. كان حسن قريطم عضواً في المكتب السياسي للحزب. واختلف الرجل مع رفاقه حول أشياء كثيرة مثلما اختلف عنهم. أخذ حسن على رفاقه اللبنانيين، بين ما أخذه عليهم، تنكرهم للرفاق السوريين وابتعادهم عن النهج الذي جمع الطرفين. والحقيقة أن عدداً من قادة الحزب الشيوعي اللبناني فعلوا الكثير مما قد يكون مشروعاً بالمقاييس الشيوعية أو غير مشروع لدفع حزبهم في اتجاه التمايز عن توأمه السوري. ثم أبرز المجرى اللاحق للتطور مسائل جديدة اختلف الجانبان بشأنها فتعمقت الفجوة بينهما. وبالإجمال، رأى حسن المتميز بالوفاء للرفاق السوريين أن معظم قادة الحزب اللبناني سلك في نحو لا ينسجم لا مع الشراكة القديمة ولا مع متطلبات التضامن في الوضع المستجد. واستاء حسن لأن رفاقه اللبنانيين استأثروا بما كان مشتركاً بين الحزبين من أملاك وانفردوا بالهيمنة على الصحف التي كانت للجانبين ومنعوا الجانب السوري حتى من نشر آرائه أو أنباء نشاطاته فيها. ودأب حسن، وهو المتشدد حدّ التزمت كلما تعلق الأمر بمبادئ السلوك الشيوعي ونقاوة الفكر الماركسي اللينيني، على انتقاد رفاقه اللبنانيين بحدّة ومعارضتهم بقسوة. أما هم فعدّوا رفيقهم الساخط عليهم بكداشياً واتهموه بأنه مستزلم لخالد بكداش وجافوه على هذا الأساس. وبمضي الوقت، اتسع الخرق واستعصى على محاولات رتقه، فاستقل حسن ومعه قادة يشاركونه الرأي عن الحزب وشكل هؤلاء تنظيماً شيوعياً موازياً للحزب وجهروا بالخصومة وأمعنوا فيها. وكانت تلك معمعة من المعامع التي صرت تعرف كم أنجذب إليها. في هذه المعمعة وعقابيلها، ضنّ بكداش على مجموعة قريطم بالاعتراف بهم، لكنه لم يضنّ بتأييده لأطروحاتهم. كان بكداش صارماً في تشبثه بتقاليد العلاقات بين الأحزاب الشيوعية: «قد نختلف مع أي حزب شقيق، إلا أننا لا نسيء إليه ولا ننقل خلافنا إلى العلن ولا نؤيد الانشقاق». سمعت هذا الكلام من فم بكداش وعرفت كيف تحدد الموقف: «نقدّر المتفقين معنا في الرأي من الشيوعيين اللبنانيين، وإذا انفصل هؤلاء عن حزبهم فهذا شأنهم، نفهم ضيقهم ببعض مواقف الحزب لكننا لا نعترف بوجود حزبين شيوعيين في بلد واحد ولا نلغي اعترافنا بالحزب الذي تعترف به الحركة الشيوعية العالمية». عرفني نبيه ارشيدات على حسن قريطم وتوقع أن أرتاح إليه. وكان نبيه محقاً. فعلى تقدمه في المراتب القيادية وانهماكه في نشاطات النخب، لم تبارح حسن الروح التي ورثها من منبته الشعبي. كانت لغة الرجل بسيطة ونفّاذة، مباشرة وصريحة، تمنح من العاميّة البيروتيّة أحدّ تعابيرها ولا تتكلف أي تزويق، وكذلك كان سلوكه وتعامله مع الآخرين، يودّ أحداً فيفصح عن ودّه دون مجاملات ولا يعف عن الانتقاد إن استحق صاحبه الانتقاد، ويبغض أحداً فيجبهه بالبغض دون تهيب لكنه لا ينكر مزاياه. يغرقك أبو بشار بكرمه حين تسعفه الإمكانيات ويقتصد حين لا تسعفه ولكن كرم روحه يظل هو هو في الحالتين، فيّاضاً وغامراً. أحبني حسن قريطم كما أحببته وخصني بمعاملة متميزة وألف أن يكاشفني بما يفكر به أو يفعله. وما أكثر الآفاق التي جلتها أحاديث الرجل فزادتني معرفة بأحوال لبنان ! بصيرة عميقة، وعين نقادة، ودوافع نزيهة، وتجرد مما هو شخصي، وسلاح نظري فعال، ومتابعة دؤوبة، فما الذي يمكن الركون إليه أكثر من! كان المنزل الذي تستقر فيه أجواء الألفة محطة أستريح فيها كلما جئت إلى بيروت وأتعبني التخويض بين النقائض. وكانت الحديقة التي يعتني حسن وزوجته بورودها عناية مثابرة عشاً لمساراتنا: الهدوء، والنقاوة، وصدق المشاعر. فكنت أعيد هنا تجميع أشتاتي وأنعم بالحفاوة والمعرفة وأتصرف على سجيتي. وما كان أحوجني في بيروت إلى محطة فيها العش! عملي في الجريدة طرأت عليه متاعب جديدة ضاق صدري بها. فصار السفر إلى الأردن أو لبنان وسيلة للفرار. وحين لا يوفر عملي فرصة السفر، كنت أتبع أسبابي، أو أختلق سبباً، وأفرّ. أما المتاعب الجديدة فقد حلت حين نحّت قيادة الحزب رئيس التحرير الذي حدثتك عنه الدكتور ناجي الدراوشة وعينت أسعد صقر محلّه. أفرط ناجي في انحيازه إلى كتلة العسكر فاستبدلته القيادة بواحد من المفرطين في الولاء لكتلتها. كان أسعد وزيراً للإعلام ولم يفلح في قيادة الوزارة ذات المهام الحساسة. وما أن تبدلت الحكومة حتى فقد الرجل منصبه. ويبدو أن القيادة لم تجد ما توكله إلى رجلها أفضل من رئاسة تحرير «البعث». فصار لي الرئيس الجديد، واقتضى الأمر أن تتضاعف معاناتي. تستحق شخصية الوجه من وجوه اليسار البعثي أن أعرّفك بها بشيء من التفصيل. لقد جبلت هذه الشخصية من مزيج، إن كان في عناصره ما هو متجانس بعضه مع بعض فقد حوى الكثير مما هو متباين: تأثير الموروث من أمجاد العروبة، الحقيقي منها والمتوهم وتأثير الفكر القومي المعاصر، ما روجه منه ساطع الحصري أو ميشيل عفلق أو زكي الأرسوزي أو آخرون على شاكلتهم. كان المجبول من المزيج مفتوناً في نحو خاص بالأمجاد العربية السالفة وأفكار زكي الأرسوزي المعاصر. وفي كلّه، كان الرجل متعصباً تعصباً يجعل فكره وسلوكه كليهما حادين ويبغضه بكل من يختلف معه في الرأي أو يتبع سلوكاً مختلفاً. أبغض أسعد كل من ليس بعثياً، وأبغض من البعثيين أنفسهم كل من ليس موالياً لكتلته، وأبغض من هؤلاء كل من لا يوالي ناساً بعينهم في هذه الكتلة ولا يشاركه الإعجاب بهم. لم يزد ما جمع أسعد بالكتلة وشعاراتها اليسارية على الروابط الشخصية التي ربطته بعدد من ناس الكتلة. حتى هؤلاء كان بينهم من ضاقوا بحدّة رفيقهم وجفوة سلوكه وفظاظته في التعامل مع الآخرين. وكان هو يظن أنه هو الأشدّ إخلاصاً والأقوم سلوكاً وظل يتجاهل ملاحظات رفاقه حول سلوكه ويمعن في الفظاظة دون رادع. وها أنا ذا أتذكر افتتاحية كتبها رئيس التحرير في ذكرى استيلاء البعثيين على السلطة في العراق. فقد استحضر المفتون بقسوة رفاقه العراقيين المذابح التي اقترنت بهيمنتهم على السلطة وكان الشيوعيون في مقدمة ضحاياها؛ نسي ما استجد على فكر فريقه اليساري الذي تنصل من مسئولية المذابح ونسبها إلى اليمين العفلقي، وأغفل التطورات الكثيرة التي أفضت بفريقه إلى التعاون مع الشيوعيين، ولم يجد ما يقوله في تمجيد الذكرى أفضل من مهاجمة الشيوعيين والتباهي بنجاح الهجوم البعثي عليهم في بغداد. وفي هوسه بما لم يعد كثيرون مهووسين به، وصف صاحب الافتتاحية الشيوعيين بأنهم «حمر مستنفرة فرّت من قسورة»، فأدهن قراء الجريدة وأثار سخط بعضهم وسخرية بعضهم الآخر. ولم يأبه أسعد برد فعل القراء، بل تباهى بأنه اقتبس من القرآن الكريم الوصف لأنه أشد الأوصاف انطباقاً على أعداء حزب البعث. لم يحمل لي أسعد صقر أي مشاعر طيبة، بل أبغضني بغضاً لم يجتهد في تمويهه، وأبغض، أيضاً، اثنين آخرين في الجريدة هما ألصق كتّابها بي: أريب خضور وبرهان غليون غير البعثيين. ضاق الرجل ضيقاً شديداً بما نكتبه نحن الثلاثة، واستغرب قبول قيادة حزبه وجودنا في الجريدة وتوفيرها الحماية لنا، وذلك كله قبل أن يتولى رئاسة التحرير. فلم يكن غريباً، إذاً، أن نتوجس أسوأ النتائج حين جاء المبغض إلى الجريدة وصار مسئولاً مباشراً عنا. والواقع أن الرجل تعجل السعي للتخلص منّا فلم تستجب القيادة لمسعاه، فحاول أن يطوعنا لكتابة ما يريد هو فلم نرضخ. وأجج الفشل بغض الرجل لنا فقام بما هو مشروع وما هو غير مشروع لتسليط الأذى علينا. في سياق ذلك، وجه رئيس التحرير إلينا نحن الثلاثة أمراً إدارياً يحدد حجوم المقالات التي ينبغي أن يكتبها كل منا وعددها وموضوعاتها. وقد توخى الرجل أن يشوّه سمعتنا عند القراء غير آبه لحقيقة أن سمعة الجريدة ستسوء هي الأخرى. وبين أغرب ما اشتمل عليه الأمر الإداري كانت مطالبة كل منا بأن يكتب كل أسبوع مقالاً طويلاً يملأ ما يزيد على نصف صفحة في الجريدة وآخر قصيراً بحجم عامود واحد وثالثاً يشغل حجماً بين الحجمين. أما محتوى المقالات فقد أوجب الأمر الإداري أن يكون مفعماً بالروح القومية. فإذا أخذت في اعتبارك أن مقاييس صاحب الأمر للروح القومية هي من النوع الذي يضيق به حتى قومي متشدد، فلك أن تتصور قسوة ما عانيناه ! آنذاك، كان فرسان الكتابة الذين استقطبهم رئيس التحرير الأسبق طيب الذكر إميل شويري، ومنهم سعد اللّه ونوس، قد غادروا الجريدة الواحد تلو الآخر ولم يصمد في الميدان المتعب سوانا نحن الثلاثة، وكنّا، أديب وبرهان وأنا، نشكل فريقاً متجانساً في العمل حتى مع اختلافنا في الآراء وتنوع اهتماماتنا. وفي المكان غير الفسيح الذي تشغله الجريدة، خُصصت لنا حجرة واحدة نعمل فيها مجتمعين، فكنا نتبادل الآراء ونتشاور ونتعاون باستمرار. ولما صرنا ثلاثتنا مستهدفين، قوي تضامننا. وكان في ما أجج بغض رئيس التحرير لنا وجعله يطاردنا مطاردة بالأوامر والعقوبات. جاء أديب خضور من أوساط الناصريين. أما برهان غليون فكان معدوداً في المستقلين وكان ولعه بالماركسية في بدايته، وأما أنا المطرود لتوي من الحزب فلم أكن أموه ولعي بالماركسية أو أتهيب الجهر بصداقتي مع الشيوعيين. ولأننا لم نستجب لمحاولات إذلالنا وتطويعنا، فقد أعلنها أسعد صقر حرباً مجلجلة ضدنا. ثم ازداد الطين بللاً حين انضم سعيد حمامي إلى شلتنا. ولئن كنا نحن الذين طالت مماحكاتنا مع رئيس التحرير قد تدربنا على مواجهة سخطه، فقد افتقر سعيد المستجد إلى الصبر، وطال النزاع واحتدم وتنوعت وسائله. أطرف الوسائل تمثل في عمليات التجسس. في البداية، أوجب رئيس التحرير على الذين يمالئونه أن يترصدونا. ولأن هؤلاء معروفون فقد أمكن أن نضللهم أو نستخدمهم في نقل أنباء مضللة إلى رئيسهم. ثم خطا رئيس التحرير خطوة أخرى، تذاكى الرجل فاستخدم وافداً جديداً أوصاه بأن يتظاهر بصداقتنا. سأذكر الوافد الجديد باسمه الأول، محمد. وقد كان محمد بعثياً قدم من طرابلس لبنان سعياً إلى الظفر بعمل مريح في ظل حكم الحزب في سورية، وتوفرت له الفرصة في «البعث». حياته العملية بدأها محمد في طرابلس منذ كان صبياً، فقد عمل في دكان لبيع اللحوم يملكه أهله وأتقن المهنة فيما تابع الدراسة إلى أن ظفر بشهادة جامعية وسجل نفسه طالباً في الدراسات العليا للظفر بالماجستير. ضمّ رئيس التحرير الوافد الجديد إلى القسم الذي نعمل فيه نحن الثلاثة وأفهمه أن استمراره في العمل وتمتعه بالامتيازات الاستثنائية مرهونان بنجاحه في إيذائنا. ولك أن تعرف أن الشاب الطرابلسي لم يفتقر إلى المواهب والمزايا، وخصوصاً خفة الدم، غير أن قدرته على الكتابة لم تبلغ الدرجة التي تجعله نداً لأي منّا. ومع حرصه على استرضاء رئيس التحرير، أولى محمد كثيراً من جهده للظفر بالماجستير وأخفى الأمر عن رئيسه حتى لا يعدّ انصرافه إلى الدراسة معطلاً لأدائه واجبات العمل. لكن محمد لم يستطع أن يخفي الأمر عنّا، ثم لم يلبث أن أدرك أننا قادرون على مساعدته في تطوير أدائه المهني كما في دراسته، فتشبث بالفرصة وأظهر لنا وداً زائداً حتى وهو يتجسس علينا. ولأننا أخلصنا لمحمد النصح كما كنّا سنفعل لأي زميل في وضعه، فقد بلبلته أريحيتنا وأوجعت ضميره. وإلى هذا كان محمد عاشقاً يضنيه عشقه. فأجير القصابين علق طرابلسية أبى أهلها أن يزوجوها له، وهو لا يجد في دمشق من يبوح لهم بلواعجه سوانا. وهكذا، جمعنا بمحمد رسالتُه الجامعية وعشقُه. وقد أولينا عشق صاحبنا اهتماماً لم يقلّ عن اهتمامنا بالرسالة. وبهذا اشتد بلبال الموكل بالتجسس علينا ووجع ضميره. وفي هذا الوضع، لم يظفر رئيس التحرير من جاسوسه إلا بأقلّ القليل، فسخط عليه وعامله بامتهان. وكنا نشهد هذه المعاملة ونحن لا نعرف السبب، فنشفق على محمد ونواسيه. كنت أنا مستشار محمد الأثير لشئون الغرام، وصار برهان مستشاره لشئون دراسته، وتولى أديب تدريبه المهني. ومنذ انضم سعيد إلى الشلة تخصص في تحريض محمد ضدّ رئيس التحرير. وبجهودنا، كما بدأبه هو، حل محمد مشكلتيه كليهما: أتم إعداد رسالته الجامعية، وجاءت الحبيبة إلى دمشق واحتفلنا بالزواج الباهر. في غضون ذلك، تقوت صلتنا بمحمد، ولم يحتمل الطرابلسي وجع ضميره إزاءنا، فدعانا إلى منزله وحرر صدره من مخزونه الموجع. يومها، بكى الشاب كما يبكي طفل أساء إلى أهله، وأقرّ بما قام به ضدنا كله، وكاشفنا بعجزه عن تحدي رئيس التحرير الذي يملك لقمة عيشه بعد أن صارت العودة إلى طرابلس متعذرة خشية أن يتعرض هو أو زوجته لانتقام أهلها الساخطين. وتوقع محمد أن ننفر منه. غير أننا عذرنا صاحبنا، بل لقد أكبرنا فيه جرأته على الإقرار بالذنب الشنيع. وفوجئ المذنب بموقفنا المتفهم وأنعش التحرر من وجع الضمير خفة دمه: «ما رأيكم في أن أصير جاسوساً مزدوجاً، أخلص الولاء لكم، ونضحك على رئيس التحرير». بعد الفشل المتواتر، فاجأنا رئيس التحرير بحزمة من القرارات تذكر بقرارات الانقلابات العسكرية: قرار بوقفي عن الكتابة وتحويلي إلى قسم الأخبار؛ قرار يلزم برهان المستقلّ بكتابة مقالات تلتزم بخط الحزب السياسي كما يفهمه رئيس التحرير؛ وقرار يحوّل أديب إلى مصحح للأغلاط المطبعية. أما سعيد فكان وقتها قد ترك الجريدة وتفرغ للعمل في «فتح» ليعاني على أيدي منغصين آخرين.