يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. تأسست «فتح» على أيدي دعاة نشطين معظمهم في مطلع شبابه في حركات سياسية دينية: الاخوان المسلمون في غزّة أو مصر، حزب التحرير الاسلامي، وما هو أقلّ شأناً. وعندما تعرضت الحركات الاسلامية الى الانتكاس أمام صعود الفكر القومي وبروز الفكر الماركسي، فقد هؤلاء القناعة بجدوى استمرارهم في حركاتهم الدينية، وشرعوا في تأسيس الفصيل الفلسطيني وحقنوه بهذا المزيج من الفكر المحافظ والوطنية الفلسطينية الناشئة في حضن الفكر القومي ذاته. واجتذب المؤسسون عدداً من التقدميين، قوميين وماركسيين، ممن ضاقوا بأحزابهم أو ضاقت أحزابهم بهم، فأضاف هؤلاء الى المزيج مقتبسات من شتى الأفكار المحليّة والعالمية. ومن هذا كلّه، تشكلت المواقف المتوافقة أو المتداخلة أو المتباينة، ونشأت ثورية «فتح» التي هي من نوع خاص: الثورية التي لم يفرز حال اللاجئين ما هو أشدّ منها تأثيراً على جموعهم. وقد كانت هذه ثورية متأججة دون شك، الا أنها افتقرت الى مقومات كثيرة لا تتم نجاعة الثورية بدونها ولا تستقيم. ولئن أضفى التعدد على «فتح» حيوية زائدة، فقد صارت له أيضاً تأثيرات سلبية أخطرها الافتقار الى التجانس، وهذا هو ما أبقى منجزات «فتح» الاجمالية أقلّ دوماً من جهود ناسها، وهو ما ولّد الحاجة الى استدراك الفارق بالتهويل. فتحت «فتح» صفوفها لكل من انجذب اليها، فحوت الثوري والمحافظ، التقدمي والرجعيّ، الراغب في لعب دور في الحياة العامة والباحث عن منفعة شخصية، المؤهل للكفاح والتضحية والمؤهل لجني المكاسب الشخصية على حساب تضحيات الآخرين، الواثق مما هو مندفع فيه والمندفع مع التيّار دون بصيرة، المتطلع الى المستقبل والمشدود الى الماضي، الباحث عن النجاح والهارب من فشل قديم. ولم يلبث ان أثر حال «فتح» هذا على أحوال الآخرين في سياق التنافس بين الفصائل. فصار كل فصيل «فتح» مصغرةً كلما تعلق الأمر بالحاجة الى اجتذاب الأنصار دون تدقيق. وكانت الفصائل تتحالف اذا داهمها خطر محدق بالجميع أو حفزها على التحالف مطمح أو مطمع مشترك. لكن التحالفات المؤقتة لم تطفئ لهيب التنافس. ولم تكن المنافسات والمشاكل الملتهبة داخل كل فصيل على حدة أهدأ مما هي عليه بين الفصائل ولا كانت الخصومات أقلّ. فاذا أضفت تأثير التدخلات العربية، الرسمي منها وغير الرسمي، فلك ان تتصور الى أي حدّ بلغ تعقيد العلاقات وكيف تأججت المزايدات على كل صعيد. في هذا الجوّ، نشطت حركة تأسيس فصائل جديدة. «قردان وحارس»، حسب المثل الذي كثيراً ما استحضر في ذلك الوقت، ومكتب، وآلة كاتبة، وتليفون، ومصدر تمويل، واسم جديد على القائمة. وفي هذا الجوّ. نشطت حركة انقسام الفصائل. وهكذا، نبتت أسماء كثيرة واكتظت الساحة بها. ولأن كل فصيل حرص على ان يتضمن اسمه كلمات فلسطين، وجبهة، وتحرير، وما يماثلها، فقد تشابهت الأسماء. وجاء في أواخر الستينيات وقت ضمت فيه مفكرة هواتفي أسماء ما يزيد على أربعين فصيلاً واحتجت الى ان أكتب ايضاحات اضافية أمام عدد كبير من الأسماء كي أُميّز أحدها من الآخرين. وفي عمان، كما في دمشق، ثم في بيروت، انتشرت المكاتب القيادية والادارية والاعلامية، كما انتشرت مخازن السلاح والتموين. وأنشأ بعض الفصائل مكاتب في بغداد والقاهرة وعواصم الدول العربية الأخرى. في غضون ذلك، توسعت علاقاتي الشخصية بناس المقاومة. ولما كانت علاقاتي متينة مع ناس الفصائل الأولى منذ أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، فقد تيسر لي ان أمدّ علاقاتي اللاحقة بسهولة. وما قصدت موقعاً لفصيل قديم أو مستجد الا وقعت فيه على مسئول أعرفه أو من السهل ان أتعرف عليه، وكنت أحصل على أتم المساعدة. ومعظم شاغلي مراكز النفوذ كان من أبناء جيلي أنا ابن الثلاثين، أو أكبر مني بسنوات. ولأني تعرفت على هؤلاء قبل ان يصيروا نجوماً أو يظنّوا أنهم صاروا مهمين، فقد ألفت كما ألفوا هم ان أتعامل معهم بغير كلفة، وتعاملت مع الجميع بنديّة بوصفي رفيقاً وليس صحافياً زائراً. تميزت قيادات الفصائل جميعها بكثرة الشبان بين أعضائها. شبّان أنهوا الدراسة لتوهم أو قبل سنوات قليلة، أو انقطعوا عنها. بعض هؤلاء عمل لبعض الوقت في التدريس أو في وظائف أخرى تم تفرغ للعمل الفدائي قبل ان تنضج خبرته أو يبلغ تكوين شخصيته تمامه. وجاء بعضهم الى العمل الفدائي مباشرة من مقاعد الدراسة. وفي قيادة «فتح»، أقدمِ الفصائل نشأةً، لم يكن ثمة من يزيد عمره على الأربعين أو من تولى قبل العمل الفدائي مسئوليات قيادية في مهنته، وان تولّى أي مسئولية فلسنوات قليلة فقط. وانطبق الأمر ذاته على معظم قادة الفصائل الأخرى ان لم يكن عليهم كلهم.أما الخبرة التي اكتسبها أي من هؤلاء في حركة سياسية أو طلابية فانها لم تسعف كثيراً. ذلك ان هؤلاء، وقد انتقلوا من مسار الى آخر مختلف، اندفعوا في تجربة جديدة لم تكن عدتهم للخوض فيها مكتملة. ولم يكن غريباً ان يندفع الوافدون من حركات سياسية الى العمل الفدائي في تعظيم السلاح والاستهانة بالعمل السياسي، تماماً كما فعل الذين انضموا الى العمل الفدائي دون تجربة سياسية. وقد التقى هؤلاء وهؤلاء عند أكثر الشعارات فتكاً بالجهد السياسي: الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.واستعار الجميع الشعار العتيق «السياسة تنبع من فوهة البندقية»، وروّجوا مفهوماً حرفياً له، فصار التوسل بالسلاح بديلاً عن الاجتهاد الفكري وسداً في وجه الدعوة الى اعتماد العقل. وسط هذا الخليط، برزت ظاهرة أخرى خطيرة، فقبول المناصرين بغير تدقيق أباح حتى لممارسي النشاطات المشبوهة ان يظفروا بعضوية الفصائل ويتمتعوا بمجد الانضمام الى صفوف الفدائيين. ومع شيوع استخدام الأسماء الحركية وسهولة الظفر بوثائق شخصية جديدة تطمس الأسماء الحقيقية، أمكن حتى لذوي السوابق اخفاء الماضي عن العيون. وقد لاحظت بنفسي كيف خلَتْ ساحة المرجة في دمشق من ناس الحثالة. وصار من النادر ان تقع العين في ساحة المرجة مثلاً على لاعبي الكشاتبين والورقات الثلاث أو مروجي الصور الفاضحة أو نشيطي السوق السوداء الذين كانت ساحة دمشق المركزية هذه تغصّ بهم في العادة. ولئن كان بين هؤلاء من تاب حقاً وصلح أمره، فقد كان بينهم من واصل سيرته الأولى واستنبت في موقعه الجديد بذور الفساد ورعاها. والى هؤلاء اجتذب المظهر الفدائي المحتاجين الى التخلص من ماض سياسي ضار بسمعتهم أو ظروف اجتماعية يضيقون بها. أعضاء أحزاب محظورة يمينية أو يسارية متطرفة وجدوا الملاذ والحماية، ولئن أخلص بعضهم للفصيل الذي آواه فان بعضهم تستر بالعمل الفدائي واستثمر التسهيلات الممنوحة له في هذا البلد أو ذاك ليواصل خدمة الجهة التي نشأ فيها. وقد أسهم هذا في تأجيج حذر أجهزة الأمن العربية وغير العربية ازاء ما يدور على الساحة الفلسطينية. والكارهون لعيشهم في أسر متزمتة، أو الذين ضاقوا بأعباء الدراسة، أو التواقون للمغامرة، أو الذين ترسلهم شتى أجهزة الأمن للتجسس، هؤلاء ومن على شاكلتهم وجدوا أبواب الفصائل مفتوحة دون عوائق. من هذا كلّه، فلسطينيّة وعربيّة ومختلطة، طيّبة وخبيثة، المفيد منه والضار، الماجد والمنحط، تشكلت الساحة التي وجدتني منهمكاً في شئونها. اختلط الحابل والنابل، الشريف والخسيس، المثابر والمغامر، المبدئي والانتهازي، المستقيم والوصولي، المثالي والواقعي. وصار عليّ ان أجالد النفس ليبقى لي ما أحرص عليه من تميز وأحتفظ ببقائي في الساحة فلا تُنفرني سلبياتها. أما على الصعيد السوري فقد استفحلت ازدواجية السلطة وانداحت تأثيراتها في كل مكان. والى تمايز مواقف كتلتي النظام ازاء المسائل السياسية الداخلية، تمايزت مواقعها ازاء الساحة الفلسطينية، أيضاً، وكان التباين في بعض الحالات كبيراً. الا ان دواعي التنافس جعلت الكتلتين كلتيهما بحاجة الى التقرب من المقاومة الفلسطينية. ولم يتوان ناس الفصائل في استثمار الظاهرة. لقد صرت تعرف كيف تمركزت كتلة القيادة، المسماة أيضاً كتلة المدنيين أو كتلة صلاح جديد، في منظمة الصاعقة، فكبر حجم هذه المنظمة، وذلك على الصعيد السوري أكثر مما هو على الصعيد الفلسطيني. بينما تمركزت الكتلة الأخرى، كتلة العسكر وفق أكثر تسمياتها شيوعاً، أو كتلة الأسد، نسبة الى زعيمها حافظ الأسد وزير الدفاع، في الجيش. صار على ناس الفصائل المحتاجين دوماً الى التعامل مع وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية التابعة لها ان يراعوا هذا الوضع. وبالرغم من ان وصف الحال بعبارات وجيزة متعذر، فمن الممكن القول ان كتلة القيادة بدت أكثر انفتاحاً في تعاملها مع ناس الفصائل، فيما بدت الكتلة الأخرى أكثر تحفظاً، هذا اذا أبقينا في الاعتبار ان ناس الكتلتين كليهما لم يأذنوا لأي من الفصائل بالتصرف في سوريا على هواه. وهذا القول لا يعني ان الانفتاح كان بغير قيود أو ان أجواءه خلت من المشاكل، كما لا يعني ان التحفظ حال دون التعاون. لقد احتفظت الكتلتان بالتأييد المعلن للعمل الفدائي. وفي حالات غير قليلة، أدى التنافس الى توفير معونات اضافية لهذا العمل. غير ان تنابذ الكتلتين عوّد نشطاء الفصائل على السعي الى النفاذ عبر مسننات الخلاف الحادة في البلد الذي يؤوي عدداً كبيراً من مؤسساتهم، واستتبع نوعاً من اللعب على الحبال، وكان هذا لعباً خطيراً. وما كان من شأن هذا الحال الا ان يزيد الصورة على الساحة الفلسطينية تعقيداً واختلاطاً. كنت مرتبطاً بالساحتين كلتيهما. فوجدتني كمن يعيش في دوامة، بل دوامات متلاحقة. ولئن كان في هذا الوضع لذائذ يتمتع بها التواق مثلي الى الانهماك في المعامع، فقد كانت له متابعه أيضاً. وما أكثر ما تمتعت وأنا أخوض في الدوامات وأخطو فوق المسننات الحادة وأفلح في السير على رؤوس المسامير. لكن، ما أكثر ما أرهقت نفسي وأشدّ ما سببته لها من أذى، أيضاً ! في ظل اتساع نفوذ المنظمات الفدائية تيسر لي كما تيسر لغيري من الفلسطينيين حرية تنقل لم نتمتع بمثلها من قبل. ومع انتشار قواعد الفدائيين ومكاتبهم في الأردن، أمكن ان أزور هذا البلد دون عوائق. وقد اتخذت من عمان مدينة اقامة ثانية بعد دمشق وصرت أجيء اليها مرة واحدة على الأقل كل أسبوع. وهكذا، استعدت الصلة بالحورانيين الذين تجمعت غالبيتهم في الأردن وأتيح لي ان أتحرى ما طرأ على أحوالهم منذ انفصلت عنهم في العام 1948. غادر الحورانيون المسمية وهم مئات، خمس مئات أو ست، على الأكثر. وها هو العدد قد ربا فصار ألوفاً فثلاثة ألوف أو أربعة على أقل تقدير. والذين كانوا تلاميذ مدرسة أو فلاحين منصرفين الى الزراعة احتملا آلام دروب المنفى واصلوا السعي الى التواؤم مع الظروف المستجدة وتطوير حياتهم فيها. وأنهى كثيرون من الذين غادروا المسمية الصغيرة أطفالاً مثلي تعليمهم الثانوي وتخرج بعضهم من الجامعات، فصار منهم معلمون وموظفون ومحامون وأطباء، وصحافيون، وتوزع الآخرون على مهن شتى أو أنشأوا أعمالاً وأداروا تجارات. أقام بعض هؤلاء في قطاع غزة، ووجد بعضهم فرصته في الأردن، وتبع آخرون الفرص المتيسرة في بلاد أخرى فتوزعتهم دول الخليج، ومنهم من وصل الى ليبيا والجزائر والمغرب أو الى بلدان غير عربية. وبين الحورانيين، كان عمر الحوراني صحافياً عمل لبضع سنوات في دمشق مسئولاً عن العلاقات العامة في وكالة الأنباء السورية «سانا» ثم عيّن بعد بروز العمل الفدائي مديراً لمكتب الوكالة في عمان فرجع اليها والى أسرته فيها. ولأن صداقة حميمة ربطتني بعمر منذ اقامته في دمشق فقد صار منزله في عمان هو المنزل الذي أوثر ان أحلّ فيه ومكتبه هو المكتب الذي أوثر ان أستخدمه.كان عمي محمد وأختاه عمتاي نظيرة وفوزية وأمهم هم أقرب أقربائي اليّ بين المقيمين في الأردن. وهؤلاء هم الذين نجوا من الموت عندما تعرض منزل الأسرة في الفالوجة أثناء محاصرة الاسرائيليين لها في العام 1948 الى الغارة الجوية التي أودت بجدي سلمان وبقية أبنائه. وحين فارقتُ أسرة أبي هذه، وهي أسرتي الأولى، في واحدة من مصادفات زمن الحرب في ذلك العام، كان محمد طفلاً مثلي فهو لا يكبرني الا بسنتين أو ثلاث. الا ان الظروف الاستثنائية أسلمت الطفل الى فتوة مبكرة وجعلته ربّ ما بقي من أسرته وهو لا يزال ابن اثتتي عشرة سنة. أما حين استعدت صلتي بالأسرة منذ العام 1968 فكان محمد قد صار معلم مدرسة في الاونروا وقد تزوج، وكانت فوزية ونظيرة قد تزوجتا وصار لكل منهم أطفال. وها أنا ذا أتذكر المرة الأولى التي لقيت فيها عمي محمداً في منزله في المدينة الأردنية الشمالية اربد. وقتها، طلب عدد من أصدقائي الكتاب السوريين ان يزور قواعد الفدائيين في الأغوار الأردنية بصحبتي، فاستجبت للطلب. وفيما انصرفت الى تهيئة اعدادات الرحلة، تراجع بعض طالبيها. وعندما توجهنا الى الأردن، كان بصحبتي اثنان منهم فقط: المخرج والناقد السينمائي الذي يكتب الرواية صلاح دهني، والقاص بديع بغدادي، وكان كل منهما مسكوناً بحمى التأييد الكاسح للكفاح المسلح توّاقاً الى الوقوع على قصص جديدة يكتبها تمجيداً لهذا الكفاح. زودتنا قيادة جيش التحرير الفلسطيني بالوثائق المناسبة، فاجتزنا الحدود بيسر أدهش صاحبيّ. وانطلق لسان بديع بغدادي، بسبب هذا، في الثناء على الكفاح المسلح والتأكيد على انه هو الوسيلة الوحيدة الناجعة لالغاء الحدود بين بلاد العرب، وليس لتحرير فلسطين فقط. وكان في انتظارنا في الرمثا سيارة عسكرية ومرافقون أرسلهم صديقي العقيد بهجت الأمين قائد قوات التحرير الشعبية، الميليشيا التي أنشأها جيش التحرير والتي تنتشر قواعدها في الأغوار. وقادنا المرافقون الى مكتب العقيد الذي ينتظرنا في اربد. وقد هيأ العقيد نفسه لمرافقتنا بنفسه في الجولة على القواعد. يومها، تنقلنا من قاعدة الى التي تليها، وزرنا قواعد تابعة لفصائل شتى، وأجرينا حوارات متنوعة مع فدائييها. ثم بتنا في آخر قاعدة تيسر لنا الوصول اليها بعد منتصف الليل. وفي الصباح، تابعنا الجولة الى ان حلّ الليل. لم يكن ما نشاهده أو نسمعه جديداً عليّ أنا كما هو بالنسبة لصاحبيّ. ولئن تركز اهتمام الكاتبين السوريين على تقصّي وقائع البطولات التي يجترحها فدائيو الأغوار والتعرف على مشاعرهم وهم في أشداق المخاطر، فقد ركزت اهتمامي على استدراج رجال القواعد الى مناقشات سياسية. كنت معروفاً بأني واحد من المثابرين على الدعوة الى القبول بالقرار 242. وكانت مثابرتي تسبب لي مشاحنات مع ناس النخبة، ومنهم رفيقا الرحلة. فشئت ان يعرف الرفيقان موقف ناس القواعد. وقد ينبغي ان أذكر لك ان الرفض الفلسطيني للقرار 242 ومبدأ التسوية السياسية كان، آنذاك، في خريف 1968، واسعاً. وقد أظهرت ردود غالبية الفدائيين على آرائي معارضة حازمة لما أدعو اليه. أما الذين أيدوني أو أظهروا تفهمهم لي فكان من اليسير ان أحزر أنهم شيوعيون أو من أصدقاء هؤلاء. غير أني التقطت شيئاً حرصت على ان أجتذب انتباه الكاتبين اليه. فقد لاحظت ان ردود رجال القواعد المعترضين لم تنطو على أي اتهام لي بالخيانة أو بما يعادلها من التهم التي يرميني بها ناس المكاتب أو المثقفون. لقد تمت الجولة في نحو جمع فيه صلاح وبديع أعمق ما يمكن ان يخرج به كاتبان من انطباعات. ولعلك تعرف ان بديع خصص عدداً من قصصه للحديث عن الفدائيين. كما لعلك تعرف ان الفيلم الروائي الطويل الوحيد الذي أخرجه صلاح للسينما تحدث عن المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي. وها أنا ذا أتذكر حكاية سمعناها في احدى القواعد فلم تبارحني دلالتها بعد ذلك. حدثنا شاب مكتمل النضج انه كان في عداد مجموعه كُلفت عبور نهر الأردن الى الضفة الغربية والقيام بعملية ضد موقع اسرائيلي. وكان على فدائيي المجموعة ان يعبروا النهر فرادى ليقللوا فرص وقوع مجموعتهم كلها في قبضة من قد يتربص بهم في الناحية الأخرى. وقد عبر الشاب الماء ثم زحف ليصعد الى الحافة وجعبة ذخيرته على ظهره وبندقيته مصوبة الى أمام وسبابته على زنادها، كما توجب التعليمات تحسباً لأي مفاجأة. وعند بلوغ الشاب ذروة الحافة، برقت ازاءه وسط العتمة عينا اسرائيلي بندقيته هو الآخر مصوبة وسبابته على الزناد. كانت تلك لحظة أدرك الفلسطيني فيها انه هو والاسرائيلي في خطر. وكان أمام الشاب، مثلما هو الأمر أمام عدوّه، واحد من احتمالين: ان يقتل كل منهما الآخر أو ان ينجو كلاهما. ودون ان يتبادل العدوّان سوى النظرات التي برقت في العتمة انتهى كل منهما الى القرار ذاته.كان ضمير صاحب هذه الحكاية لا يزال يعذّبه، وقد طلب مني ان أجيب أنا داعية التسوية السياسية عن هذا السؤال: هل تصرّف تصرّفاً سليماً أم ان تراجعه انطوى على جبن ؟ يومها، سمع معذب الضمير اجابة من شأنها ان تريحه. أما أنا الذي قلت ما قلته وقتها بدافع التخفيف عن الشاب فلم أكن واثقاً تماماً من أني أصدرت أصوب حكم على سلوكه. وظل سؤال الشاب يشغلني. وفي زيارة تالية للقاعدة ذاتها، افتقدت هذا الشاب فبادرت بالسؤال عنه. فقال قائد القاعدة بنبرة من ينبئ بخبر عادي. «استشهد، طلب ان يعبر النهر وحده، وداهم كميناً اسرائيلياً واستشهد أثناء الاشتباك». في ختام جولتي مع الكاتبين الصديقين، قدت صاحبيّ الى منزل عمي في اربد. تعمدت ان أجيء الى عمي في نهاية الجولة كي لا أشغله بما أنشغل به أو أثير هواجسه بشأن ما قد يتصور أنها مخاطر أتعرض لها حين أزور القواعد المعرضة دوماً للقصف الاسرائيلي والغارات. واخترت الوقت المتأخر كي لا أكلّف العم مشقة اعداد وليمة، مستذكراً ما يستقر في ذاكرتي من آداب الضيافة: ضيف المساء ليس له عشاء. فاجأت العم، اذاً، مفاجأة، ولا بد ان قدومي عليه أبهجه. غير ان تعابير الوجه والنظرات الصارمة والنظرات اللائمة عكست استياء احتجت الى بعض الوقت حتى أهتدي الى التفسير الصحيح له. استاء عمي لأني بمجيئي ومعي ضيوف الى منزله في وقت متأخر لا أتيح له فرصة اكرامي واكرامهم بوليمة فاخرة. والوليمة عند العم لا تصير فاخرة الا اذا حضر المنسف وجلله لحم خاروف كامل. كان الوقوف على خاروف في اربد في هذا الوقت متعذراً. وكان قصّابو البلدة قد أقفلوا حوانيتهم فصار من المتعذر أيضاً الحصول على لحم للمنسف حتى لو غضّ العم النظر عن الخاروف الكامل. وحين طلبت من عمي ان يأخذ الأمر بيسر ولا يتحرج، لامني صراحة أمام صاحبيّ: «أفسدتِ الاقامةُ في المدن ابنَ أخي فنسي تقاليد أهله». وبالرغم من عسر الوقت، أكلنا في تلك الليلة منسفاً !لم يصعب عليّ ان ألتقط ما بدا لي واضحاً في شخصية عمي محمد: انجبلت الشخصية بالتقاليد الموروثة. ووجد العم في التشبث بهذه التقاليد فخره وعكس تشبثه بها حرصه على الانتماء وتوقه الى التعويض عن الماضي الذي اغتصب اغتصاباً. ولكم ذكرتني شخصية عمي بشخصية أبيه جدي سلمان، الابن الناجي تقمص شخصية الوالد الراحل وجعلها قدوة وصار يعدّ الاستهانة بأي من القيم أو التقاليد التي كانت سائدة في المسمية نقيصة. واذا تذكرت كم كان جدي سلمان سخياً في اكرام أي ضيف فليس لك ان تندهش ازاء مسلك العم ! في تلك الليلة، التقيت زوجة جدي الراحل، أم محمد. لشدّ ما تبدلت المرأة التي حفظت مخيلتي صورة مهوّلة لها، ولكم كان التباين كبيراً بينها وبين تلك الصورة ! ففي اربد، بعد عشرين سنة على دروب المنفى، وجدتني ليس أمام امرأة جد كان حضورها يرعبني، بل أمام أم فرحة بقدومي، تعانقني، وتتملا وجهي، وتحسس جسدي، كأنها تبحث عن الطفل الذي كنته ويبهجها انه نما. رسمت أثقال السنين تأثيراتها على وجه المرأة وجسدها وشخصيتها: الوجه الصبيح شابته التجاعيد والزوائد المهتدلة تحت الحنك والكمد الذي يجلل تقاسيمه. والقامة المديدة فقدت رشاقتها. أما توفز الأعصاب الذي كنا ضحاياه فقد حلّ محلّه الميل الى الاستكانة. فقدت المرأة المنزلة التي كانت لها بوصفها زوجة المختار عزيز الجانب، فخالط شيء من الاستكانة شخصيتها دون ان يمحو عزّة النفس: «شف ! أين كنّا وأين صرنا، راح العزّ وراح الجاه، لكن، اللّه كريم». وحين بكت وضحة الصغيرة لأنها استحضرت ذكرى رشاد أبي وسلمان أبيه وزوجها، فقد شعرتُ بأنها تبكي كل ما فقدته أو افتقرت اليه حياتها في الغربة، وأدركت أني قريب منها. في الصباح، جاءت عمتي فوزية، أقبلت عليّ وهي تضحك وتبكي وتملأ المنزل بصخب الترحيب. وشاءت عمتي المهووسة بحبّ أقربائها ان أذهب معها الى منزلها في عين الباشا حتى تقوم بواجب الضيافة. كانت فوزية من هذا الصنف الذي يسمونه «أخت رجال»، وكان ولعها بأداء الواجب شديداً. وقد حزنت عمتي حين أدركت أني لن أصحبها، ولم تكفّ عن الالحاح الا بعد ان تعهدت ان يكون منزلها هو أول منزل أجيء اليه في رحلتي التالية. ها أنت ذا ترى كيف يسر العمل الفدائي للفلسطينيين فرص توصيل أشتاتهم بعضها ببعض. وكان هذا بين مكتسبات العمل الفدائي الاجتماعية أميزها، وكانت له آثاره السياسية، لأن استعادة الصلات أنعشت الاحساس بوحدة الشعب وعززت الأمل باستعادة الوطن المفقود ووسعت فرص التعاون بين الأشتات المتباعدة. كثرة عدد الحورانيين في عمان وكثرة المشاغل التي أغرق فيها لم يبيحا لي ان ألقى أقربائي كلهم. لقيت بالطبع أولئك منهم الذين لهم صلات بالعمل الفدائي. ووضعت الظروف آخرين في طريقي بالصدفة فتعرفت عليهم. وبقي عدد من لقيتهم قليلاً. واشتكى كثيرون ما عدوه قصوراً مني أو اهمالاً أو تكبراً. وقارن هؤلاء بين سلوكي وسلوك عبداللّه الحوراني الذي يحرص على الصلات العائلية أكثر مني بالرغم من ان مشاغله مماثلة لمشاغلي وليست أقلّ منها. ولم تكن المقارنة بالطبع لصالحي. وجاء وقت صار لابدّ فيه من استرضاء المستائين. فسألت عمر الذي ثابر على حثّي على المبادرة عن أكبر الحورانيين في عمان سنّاً ومقاماً، فعرفت انه من كان في المسمية المختار الثاني المنافس لمختارها الأول جدي سلمان وهو العم عبد الحميد، فعزمت على زيارته. وهيأ عمر للزيارة بحيث يجيء الراغبون في التعرف عليّ الى دار المختار. هنا، علي ان أكاشفك بأني تصورت ان الحورانيين معنيون بي بوصفي ابن العائلة النابه الذي يظهر اسمه في الصحف والاذاعة. ولهذا، توقعت ان يجيء كثيرون. والحقيقة ان عدد من جاءوا فاق توقعي. غير ان معظم هؤلاء جاء بدافع التعرف على ابن رشاد حفيد سلمان، وابن لبقة ابنة عبد المجيد، ولم يجتذبه أي من مزاياي الشخصية. واستقبلت القادمين وأنا واقف. ووقف عمر بجانبي ليقدم لي آل الحوراني بأسمائهم ويذكر درجة القرابة التي تجمعني بأي منهم. وقام عمر بهذه المهمة على أتم وجه، وأعفاني من التحرج كلما سألني أحدهم أو احداهن هذا السؤال المربك في العادة: «هل تعرف من أنا ؟». مرة واحدة صمت عمر، أقبلت علي كهلة بادية اللهفة واحتضنتني بمودة زائدة وهي تبكي وتردد: «يا ريحة لبقة !». وصار علي ان أستجيب للهفة المرأة دون ان أعرف من هي. ويبدو ان حرجي انعكس في استجابتي وأن المتلهفة أدركت سر صمت صاحبي فتطوعت بتقديم الايضاح: «أنا فاطمة رفيقة أمك الروح بالروح، وفي البلد كانوا يلقبونني بأم خريّان». نسي عمر، اذاً، اسم المرأة ولم يحضره الا لقبها القبيح هذا فآثر الصمت. أما هي فغلّبت الحاجة الى تعريفي بنفسها على أي حرج، فكانت فطنة وجريئة، فلم أنسها بعد ذلك أبداً.