بعد أربعة عشر عاما من تقديمه فيلمه الأول، صعد المخرج السوري أسامة محمد المنصة لتقديم فيلمه الثاني في عرض خاص نظمته المؤسسة العامة للسينما، في صالة الشام بدمشق، وإذا كان الجمهور الواسع الذي حضر العرض، قد جاء متعاطفا مسبقا مع المخرج، أولا لموهبته العالية التي أثبتها في «نجوم النهار» الذي حرم من فرصة العرض الجماهيري، وثانيا للانتظار الطويل الذي ناء بثقله سيناريو «صندوق الدنيا» ليمنح العام الماضي فرصة السماح بالتصوير، إذا كان الجمهور حضر العرض متعاطفا بالإجماع، فقد خرج مختلفا في تقييمه للفيلم، الذي أثار جدلا واسعا بحق حول مفاهيم سينمائية تتعلق بماهية العمل السينمائي ودوره، بماذا اختلف أسامة وما الذي أضافه في تجربته الثانية هذه؟ منذ البداية نسجل أنه ليس من السهل تقييم وتفسير هذه التجربة، التي يمكن اعتبارها ظاهرة أولى من نوعها في تاريخ الأفلام الروائية، التي أنتجتها المؤسسة العامة للسينما على صعيدي الأدوات والأداء، فقد كان «صندوق الدنيا» الفيلم الأول الذي تم إنتاجه بالاشتراك مع جهة أوربية عريقة ومحترفة هي مؤسسة أميب الفرنسية، وسيكون أول فيلم سوري لديه حقوق وضمانات توزيع متساوية ومكفولة لكلا الطرفين في العالم، وسوف يتم عرضه جماهيريا في صالات أوروبا. تبدأ اللعبة من السيناريو الذي يمتلك بنية ذهنية صرفة، تحيل محسوسات الواقع والعلائق التي تربط مكوناته إلى تجريدات رمزية، تتقلص فيها البنية الحوارية، مفسحة الدور الأساس للبنية المشهدية، كي تشير وتصعد الحالة المقترحة دراميا، أي حالة التسلط والتخلف والانغلاق، فالكاميرا تدور في أرجاء منزل ريفي معزول وفقير، تسكنه عائلة مؤلفة من أربع أسر، يحكمها جد مريض بعد موته تتقمص روحه جسد أحد أحفاده الصغار، فيتحول الصغير إلى طاغية يتسلى بالشر، وفي هذا الفضاء الاجتماعي والبيئي الغريب، ترتسم مفردات حياة بدائية يختلط فيها البشر بالدواب، وتنتفي عنها كل منجزات الحضارة والعلم باستثناء المذياع، لكأنه عالم يعيش صيرورته الخاصة به خارج حدود الزمان. عالم قوامه شخصيات عصابية موتورة وفقيرة إنسانيا وثقافيا، تعيش ملابسات يومها مسيرة بقوة الغرائز دون عواطف أو تأملات أو أحلام، وعين المخرج هنا تطيل التأمل في عادات وموروثات وسلوك هؤلاء البشر، وفي العلاقات القهرية التي تنشأ فيما بينهم: ولاء أعمى للأكبر في سلم التراتبية العائلية، الذي تقع المرأة في أسفل درجاته، وقهر غايته استلاب الآخر وإقصائه، تتأمل العين هذه المؤشرات وفي تأملاتها تسري روح أسامة الساخرة، لكنها هذه المرة سخرية سوداء مخضبة بشعرية جارحة، نلمسها في جماليات اللقطة الغنية بمدلولاتها الإشارية الحزينة، التي تقول ولا تفصح، جماليات من نوع خاص الصياغة تستعين بأسلوب الواقعية السحرية، وتنشأ في المنطقة الملتبسة ما بين مفردات المكان البسيطة والجميلة، وبين العلائق المركبة القبيحة والشاذة التي تتفاعل في فضائه، ويؤطر ذلك بنية غريبة من المؤثرات الصوتية، قوامها الحشرجة والتمتمات والأنفاس اللاهثة والشخير، صاحبت أغلب مشاهد الفيلم، وأوحت بحالة اختناق مستديمة يعاني منها الفضاء ومن فيه، وإذا كان أسامة قد ظل وفيا لمفردات البيئة التي انحدر من صلبها، والتي أنطلق منها في فيلمه الأول، فإن طريقته في صياغة المفردات والمناخ الذي ارتسم عليها، يعتبران إضافته في «صندوق الدنيا» ففد انتقل من رصد تفاصيل الحياة والشخصيات والسلوك، إلى رصد مطلق حالة تبعثها هذه التفاصيل، حالة تشبه تلك التي تحاصر وجودنا وتخنقه بلا أية ردود فعل رادعة، أو أمل نستعين به. النزعة التجريبية المبدعة في استبصار الأنا والعلائق التي تربطها بالآخر والمكان والزمان، التي شغلت المخرج طوال الفيلم، انتقلت إلى فريق التمثيل، الذي أظهر ملكات عالية في رسم ملامح ومواقف إنسانية، حركت حالة الاختناق وتحركت فيها، في تكامل وانسجام مع باقي مفردات المشهد، لنصل إلى لغة سينمائية عالية، لا يمكننا إلا الاعتراف بأهميتها وريادتها سواء قبلناها أم لم نفعل.