التقاليد الكولونيالية للبريطانيين هي التي وقفت وراء ما حدث في قيادة التنظيم وحماس في الشهرين الاخيرين، حيث بدأت تحوم في السفارة البريطانية روح لورنس العرب حين بدا فجأة ان هناك فرصة لانعطافة في النزاع بين القبائل في الشرق الاوسط. في يوم الاثنين في منتصف الليل تم القضاء على هذه الخطوة في مهدها على يد قنبلة بوزن طن القيت على منزل كبير حماس صلاح شحادة. والتصفية صفت خطوة مثيرة لوقف اطلاق النار من جانب الفلسطينيين شارك فيها ايضا الشيخ احمد ياسين. وخلافا للخطوات السابقة التي شارك فيها الأميركيون فقد نمت هذه الخطوة من الميدان الفلسطيني. ولم يكن ياسر عرفات قد علم بها الا بعد ان نضجت. بدأ هذا من الفراغ الذي تركه الأميركيون. في السنة الاخيرة كان البريطانيون هم تحديدا الذين حلوا المشاكل اليومية بين اسرائيل والفلسطينيين. لديهم تجربة تاريخية في حل النزاعات المحلية في المستعمرات. والاستخبارات البريطانية في الشرق الاوسط تعتبر أعمق من الـ سي.آي.ايه الذي فقط بعد 15 سنة وتحديدا بعد احداث 11 سبتمبر، فهم قادته ان التنازل عن الاستخبارات البشرية لصالح الالكترونية كان خطأ. لا تكفي المعطيات وصور الاقمار الصناعية، بل يجب ايضا فهم معناها. كانت الاستخبارات البريطانية العنصر النشط في هذه الخطوة. سنوات طويلة من العلاقة مع القيادة الفلسطينية الكبيرة، مع قيادة الشارع والشارع نفسه، اعطت أُكلها. ان التدخل الاوروبي بالمساعدات الانسانية للفلسطينيين ساهم في بناء الثقة في الميدان وهكذا نجح وكلاء المخابرات وان كانوا بصورة رجال مساعدة انسانية او أي صورة أخرى، في الحصول على المعلومات مباشرة من السكان. في السنوات الاخيرة اقيمت طواقم مقلصة باشراف خافيير سولانا، ممثل الاسرة الاوروبية في الشرق الاوسط. وعمليا يدور الحديث عن مراقبين دوليين بكل شيء، في الوقت الذي يجلس فيه الأميركيون في القنصلية او في السفارة مفصولين عن الشارع الفلسطيني اجرى رجال الطاقم المقلص الخاضع لسولانا ـ جلسات في السفارة البريطانية في اسرائيل او في المقاطعة في رام الله بعد ان كانوا قد اجروا اتصالات متواصلة مع الشارع الفلسطيني. والمراقبون البريطانيون في هذا الطاقم هم الذين قادوا الطرفين الى حل في مشكلة كنيسة المهد في بيت لحم بعد ان فشل الأميركيون بذلك فشلا ذريعا. والطاقم الصغير لسولانا الذي كسب ثقة المستويات الميدانية الفلسطينية، خاطر بسرية نشاطه وقاد الى حل الازمة. وهكذا كان في لحظات أزمة أخرى، وكانت اجهزة الامن الاسرائيلية، التي تعارض بشدة المراقبين الدوليين، قد استقبلت رجال الطاقم هذا وتعاونت معهم، لانهم لن يتحولوا ابدا من ستة اشخاص الى 300 ومن 300 الى 3 آلاف مراقب دولي. في الاشهر الاخيرة اعتقد الطاقم المرتبط بسولانا بأنه طرأ تحول في الجانب الفلسطيني. ليس على مستوى الوزراء بل على مستويات الميدان. وشخص الطاقم هذه الانعطافة اولا لدى التنظيم، المنظمة الفلسطينية التي حملت اساس عبء الصمود امام الجيش الاسرائيلي وحظيت بشعبية لاسابق لها في الشارع الفلسطيني. كان التنظيم بحاجة الى انتخابات وخاصة انتخابات داخل فتح من اجل احراز سيطرة تضع رجاله في مواقع اساسية. ومن اجل احراز السيطرة في فتح احتاج التنظيم الى هدوء في القتال ضد اسرائيل مثلما يحتاج الى هدوء من اجل ضمان اصلاحات في السلطة الفلسطينية. والهدوء يعني تسوية اتفاق وقف نار مع اسرائيل. في الشهرين والنصف الاخيرين كان زعيم التنظيم مروان البرغوثي من مكان سجنه، يتفق مع التقدير بأن الانتفاضة المسلحة لم تدفع فكرة دولتين لشعبين. وبدأ يتحدث بجلاء حول ضرورة اقصاء عرفات وهي النغمة التي راجت ايضا وسط قيادة التنظيم. والخلاف الوحيد داخل التنظيم لم يتمحور حول ضرورة اخلاء عرفات مكانه بل كيف سيتم ذلك. شخصت المجموعة الخاضعة لسولانا هذا التغيير. كذلك ضعف عرفات دفع الكثير من كبار حماس الى الحديث عن ضرورة اجراء انتخابات في السلطة الفلسطينية والتي لن تقاطعها الحركة، بخلاف الانتخابات السابقة. بدأت الاحتكاكات الداخلية تنشأ بين المتشددين في حماس غير المستعدين لتحويل حركتهم الى حركة سياسية تشارك في تسوية مع اسرائيل وبين أوساط تساوقت مع المبادرة السعودية وتعبت من الوضع. وفهمت مجموعة سولانا ان ثمة امكانية لفعل شيء ما مهم وربما غير مسبوق: اجراء خطوة لوقف اطلاق النار من طرف واحد مصدره الميدان الفلسطيني وليس قيادة السلطة. ومرة أخرى رددوا النموذج الافريقي ـ الجنوبي: السود في جنوب افريقيا لم يحظوا بالمساواة الا بعد ان تحملوا مسئولية اقناع البيض بأنهم لن يمسوا من ذلك. وبكلمات اخرى: عبء اثبات ان أمن الاسرائيليين لن يمس اذا أحرزت تسوية، يقع على الفلسطينيين.في المرحلة التالية وافق عدد من رجال الطاقم الكبير للتنظيم على تحمل مسئولية قيادة خطوة لوقف اطلاق النار مع اسرائيل دون عرض مطالب مقابلة. وبوساطة طاقم سولانا طرحت الفكرة على طاولة كبار السلطة ومن بينهم محمد دحلان ونبيل شعث، وليس على طاولة عرفات. وفي الوقت نفسه بدأت قيادة التنظيم في جس النبض لدى قيادة حماس من اجل استيضاح موقفها. حينها اتضح ان ثمة استعدادا من جانب قيادة حماس لوقف اطلاق النار مع اسرائيل، وبدأت اتصالات ثلاثية بين التنظيم ودحلان وشعث وبين الشيخ ياسين وعبد العزيز الرنتيسي. ونقلت مسودة الاعلان عن وقف اطلاق النار بين المنظمتين وبين كبار السلطة. وبدأ الشيخ ياسين في تهيئة الارض. حيث أدلى بعدة تصريحات علنية بأنه اذا انسحبت اسرائيل الى حدود 1967 سيكون بالامكان التوصل الى تسوية. وبدأ الرنتيسي بترويج أمر وجود مفاوضات بين حماس والتنظيم حول وقف اطلاق النار. وفي الاسبوعين الاخيرين بدأت تظهر جدية المبادرة. كان التنظيم اللاعب النشط بينما كانت حماس شريكا سلبيا صادق على الصيغ التي قدمها التنظيم لها. وفي يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع كان من المفروض ان يصدر بيان ومقالة في وسائل الاعلام الفلسطينية والاسرائيلية والدولية يدعو فيها التنظيم لوقف النار مع اسرائيل. ومن اجل كتابة المقالة استعان كبار التنظيم بوكالة علاقات عامة تقيم في واشنطن. وقدمت المقالة لمصادقة البرغوثي في السجن ووافق عليها مبدئيا وطلب 12 ساعة من اجل فحص عدة امور قبل موافقته النهائية على نشرها بتوقيعه. في هذه المقالة يتوجه البرغوثي للشعب الاسرائيلي ويعلن عن وقف اطلاق النار ومد يده للسلام ليس من منطلق الاستسلام، ويعلن ان القتل المتبادل وصل الى أبعاد مجنونة يجب وقفها. وعلم البرغوثي انه اذا وقع على البيان فانه سيعتبر عميلا لاسرائيل وانه استسلم في السجن، لذلك تردد، وفي النهاية وافق بصورة مبدئية. ولا يوجد في البيان والمقالة أي تمييز بين الخط الاخضر ودولة اسرائيل. وتم الحديث فيه عن مدنيين، وعن اسرائيليين أينما هم. وفي الاتفاق الشفوي مع طاقم سولانا وافق كبار التنظيم على ان يشمل وقف اطلاق النار جنود الجيش الاسرائيلي. وفي المقالة والبيان لم يذكر الجيش بل فقط مواطني اسرائيل. في يوم الاثنين من هذا الاسبوع أبلغت اوساط رسمية في اسرائيل الولايات المتحدة بهذه الخطوة. وفي منتصف الليل قضى عليها في مهدها من قبل قنبلة سقطت على منزل شحادة. هناك من سيقول ان الحديث يدور عن مناورة وان الخطوة كلها جاءت لاحراز ما لم يحرزه التنظيم وحماس بالانتفاضة المسلحة. وثمة من سيقول ان شيئا لم يتغير لدى رئيس الحكومة ارييل شارون. كذلك في الايام التي كان يبدو فيها تحقق سبعة ايام هدوء حسب طلب شارون كانت تقع فجأة عملية تصفية موضعية عملت حسب المقاييس التي طبقت على التصفية الاخيرة: الاول تصفية شخصية فلسطينية، والثاني: تضمن تصفية نفس الشخصية ردا فلسطينيا. عن «هآرتس»