في البداية أعتبر ذلك ظاهرة جديدة ومفاجئة. حيث تم ابطال مفعول قادة خلايا عز الدين القسام في منطقة جنين الواحد تلو الآخر خلال اسبوع تقريبا وفورا ظهر آخرون مكانهم. مثلما الدمي الروسية يقول احد الضباط العاملين في هذه العمليات الخاصة، حسب قوائم يعرضها الشاباك الواحدة تخرج من الاخرى. كان واضحا ان ثمة احدا ما، من الخارج، يدير هذه الشبكة بصورة وثيقة. حتى حين أبُعد مهندس جنين وبدأ التدهور في نوعية العبوات قلق شخص ما ـ بالتعاون مع قادة حماس ـ الخارج، المقيمين في سورية والاردن ـ على استقدام خبير، حماس اردني، ادخل الى المناطق سرا وعمل في التدريب واعداد العبوات الى ان ظهر خلفاء بالمستوى المطلوب. واتضح للاوساط الاستخبارية انه رغم الحضور المكثف للجيش في المناطق والعمليات المكثفة من الاعتقالات والاحباطات تواصل خلايا حماس في الضفة الغربية الحفاظ على صلة دائمة مع اوساط داخل الخط الاخضر، توفر لها معلومات عن اهداف ممكنة لعمليات انتحارية. ثمة شخص ما يطرح الاسئلة، وثمة شخص ما يتلقي الاجابات، وثمة شخص ما ينقلها الى الميدان ـ مع توصيات. يتواجد الجيش في الميدان، ينفذ اعتقالات، يقضي على خلية تلو الاخرى ـ ولكن هذه الآلة لا تزال تعمل. من أجل حث تصفية الخلايا التي ترفض الزوال يجب الوصول الى الدماغ. وهناك كانت المفاجأة: اتضح ان هذا الدماغ يقيم في غزة. لم يكن في حماس ـ غزة شخصية تشكل مرجعية لحماس في الضفة الغربية حتى ولا الشيخ ياسين. وفجأة، في الاشهر الاخيرة اشارت المعلومات الاستخبارية الى هذه الظاهرة الجديدة: صلاح شحادة الرجل الذي يعتبر رقم 1 لعز الدين القسام في قطاع غزة يدير من شقق خفية شبكة كبيرة لادارة العمليات في الضفة الغربية خصوصا في نابلس وجنين. وكان قد احتل مكان رجال حماس الذين تمت تصفيتهم او اعتقلوا في السور الواقي والطريق الحازم وشكل مرجعية روحية وميدانية في كل شيء. وبدأ الجهاز الاستخباري يحكم الطوق على هذا الشخص. بدءا من نهاية الاسبوع الماضي بدأت نشاطات مكثفة على مدار الساعة. حيث بدأ قسم العمليات لسلاح الجو، شعبة الاستخبارات ورئيس قسم العمليات في خياطة الازرار الاخيرة في بدلة تصفية شحادة. شخصه الشاباك قبل اكثر من اسبوع ـ في شقة اختباء جديدة. لقد ظهر واختفي، ظهر واختفي ـ والان وقع في دائرة الهدف. شقة الاختباء ليست مجرد مكان سكن بل هيئة تُدار فيها العمليات، والبقاء فيها دائما مؤقت. كان واضحا انه اذا لم يتم تنفيذ بدلة التصفية في هذه الشقة ـ فان شحادة سينتقل خلال وقت قصير الى شقة اخرى عندها يجب البدء بكل شيء من جديد. وكان الاحساس انه لا يجب، في هذه المرة، اتاحة الفرصة له للافلات.حين تم اختيار اسلوب القصف الجوي جلس الطاقم التنفيذي في سلاح الجو وخططوا بدقة لحجم القنبلة وزاوية الهجوم بهدف تدمير المنزل تماما. اظهرت الصور الجوية منزلا من طابقين محاطا من جهاته الثلاثة بمنازل اعلي وفي الوسط: اكواخ. كان واضحا انه لا يوجد في المباني المحيطة مدنيون، اما بشأن الاكواخ فلا يزال هناك جدل بين الشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية. في الشاباك يدعون انه لم يكن لديهم أي شك بأنه يوجد فيها اشخاص، بينما قالوا في شعبة الاستخبارات انه حتى لو كان المكان مأهولا ـ فان سكانه مؤقتون. بكلمات اخرى، في كل ما يتعلق بالاكواخ ـ لم يتعامل المقررون بمعطيات استخبارية بل اكتفوا بالتخمينات. كان الشاباك بالطبع يركز على المبني الذي يسكن فيه شحادة حيث ان المعلومات عن الحركة داخل المنزل دلت على ان الرجل هناك معتزل بصحبة اثنين من مقربيه ولكن في كل مرة يصل الى المبني اشخاص آخرون منهم زوجته وعدد من اولاده. في ليلة الثلاثاء من هذا الاسبوع وحين ضغط الطيار على الزر واطلق القنبلة المحكمة، لم يستطع الشاباك نفي بدقة امكانية انه يوجد في الشقة اشخاص آخرون اضافة الى شحادة ومساعديه. وفي غرفة الحرب التي تابعت العملية كانت هناك، الى جانب القيادة العسكرية، قيادة الشاباك: رئيس قسم العمليات للشاباك، المسؤول عن المنطقة الجنوبية، رئيس الشاباك نفسه ونائبه. لا احد منهم سأل: اذا كان لا يمكن استبعاد امكانية ان يكون في الشقة أبرياء ـ اذن ربما يوجد هناك مثلا هؤلاء؟ خلال النقاشات التي سبقت العملية في كل الاقسام لم يكن هناك من اعترض على اسلوب العملية. لقد تعاملوا مع الاشخاص القاطنين في المباني المجاورة كعناصر موضعية قد تصاب، في اسوأ الاحوال، من حطام الزجاج، الصدى او الصدمة. ووعد المخططون بزاوية اصابة تحبس الصدى داخل المبني المنهار. والان سيتم فحص أي معلومة بالضبط نقلت الى السكرتير العسكري لرئيس الحكومة ومن الذي نقلها لشارون حين صادق على تنفيذ العملية. لقد ادعى شارون انه لو عرف ان ثمة اشخاص ابرياء في منطقة القصف لما كان قد صادق على العملية. تماما مثلما لم يصادق عليها قبل ايام من ذلك ولنفس السبب، وسيتم فحص أي مواد نقلت الى وزير الدفاع في لندن، وعلى اساس أي معلومة اصدر الضوء الاخضر. الواضح هو ان كل الرقابة على عملية اتخاذ القرار في تلك الليلة لم تجدِ، لا الرقابة داخل الجيش ولا الرقابة على شعبة الاستخبارات كمحفل تقدير وطني كان يجب ان يفحص ابعاد تصفية شحادة وابرياء آخرين، ولا الرقابة السياسية التي كان يجب ان تدرس الفائدة من هذه العملية مقابل الاضرار السياسية، على خلفية المعلومات التي كانت بحوزتها في ذلك الوقت. كيف حصل ان تساوق الجميع معا، وان احدا لم يسأل أي سؤال؟ بالمقابل، وفي زاوية شرق أوسطية اخرى وصلت خطوة اخرى الى مرحلة النضوج في بداية الاسبوع الحالي. يدور الحديث عن خطوة داخلية فلسطينية، تعبر عن أزمة عميقة في الشارع الفلسطيني، الصدع بين قيادة الشارع ـ المسمي في اسرائيل قادة العصابات وبين القيادة القديمة للسلطة الفلسطينية ـ رجال تونس. وكانت خطة المئة يوم التي اعدها عرفات للاصلاحات البنيوية قد اعطت، عمليا، الاشارة الاولى لمثل هذه الخطوة التي يقودها التنظيم. لقد شعرت قيادة التنظيم التي تقود القتال في العامين الاخيرين بانها مهددة. وشعرت ان الاصلاحات الجديدة ستدفعها الى خارج دائرة التأثير في الوقت الذي ستتعزز فيه القيادة القادمة من تونس، اكثر فأكثر وعلى حسابها. يدور الحديث عن خطوة احادية الجانب بدأت بالمجموعة القيادية المقربة من زعيم التنظيم مروان البرغوثي وشملت ايضا نائبه. وخلال الوقت انضم الى هذه النواة ايضا قادة التنظيم في المدن الكبرى ورجال الامن الوقائي ـ بدون الرجوب نفسه ـ الذين هم اصلا رجال التنظيم. وفي السياق انضم زعيم معروف آخر في التنظيم حسين الشيخ. وانضم اليها ايضا التنظيم في قطاع غزة. واطلع مروان البرغوثي القابع في السجن، على تفاصيل المبادرة رغم انه لم يكن على صلة بها وايد مبادئها. كان الهدف التوصل الى هدوء على الارض ذلك لانه بدون هدوء لا يمكن اجراء انتخابات للسلطة. والتنظيم معني اكثر بالانتخابات داخل فتح ـ انهم معنيون بالسيطرة على مؤسسات فتح وفرض الانتخابات على عرفات، بدون هدوء لن تجري الاصلاحات التي تمكن التنظيم من احتلال مكانة في السياسة الفلسطينية. في البداية جند رجال التنظيم في رام الله نبيل شعث الخبير في شئون المفاوضات والصياغة، وادخل شعث، كممثل عن السلطة القديمة بندين: الاول يلزم حماس بالاعتراف بريادة فتح والثاني عدة مطالب من اسرائيل. وما كان منهم الا ان القوه الى الخارج. واحتل مكانه محمد دحلان. صحيح انه ممثل القيادة الفلسطينية الحالية ولكن نشاطه في هذه المبادرة تم بدون صلة مع السلطة. وبقي مقربو عرفات في الخارج. يصرون في الشاباك على وصف طابع عمل دحلان بأنه كلام فارغ . يدعون ان نشاطه هو محاولة للربط بين 30 مجموعة وهذه خطوة مستحيلة. ويدعون في شعبة الاستخبارات بغطرسة ان دحلان شخصية غير هامة. اذا لم يكن هاما، فمن هو الهام إذن. كانت ايام السبت، الاحد، الاثنين ذروة الخطوة الفلسطينية. خلالها استكملت ثلاث وثائق كان يجب ان تنشر هذا الاسبوع لتعبر عن بداية محاولة وقف اطلاق النار من طرف واحد. الوثيقة الاولى تصريح كان يجب ان يصدر صباح الثلاثاء الى الميدان باسم التنظيم مذيل بتوقيع خمسة من قادة التنظيم يعلن عن وقف اطلاق النار بصورة احادية الجانب. قبل ذلك جري جدل حول ما اذا كان الاعلان عن الوقف المطلق للمس بالمدنيين الابرياء يشمل فقط سكان الخط الاخضر او هؤلاء القاطنين في المناطق أيضا. في نهاية الامر تقرر ادراج المستوطنين في اطار المدنيين الذين يحظر مهاجمتهم. في ظهيرة يوم الاثنين اعلن محمد دحلان انه نجح في اقناع الشيخ ياسين بدعم بيان وقف اطلاق النار. اعلن دحلان ان حماس وافقت على وقف العمليات الانتحارية، اطلاق صواريخ قسام واطلاق راجمات، ولكن شعبة الاستخبارات تقول ان هذا لم يحدث. وكان السعوديون هم وراء الضغط على حماس وتنبع مصلحة حماس من الانضمام الى المبادرة من الاستنتاج الذي توصلت اليه وبموجبه عرفات وقيادته القديمة في طريقهم الى الخارج والمنظمة غير مستعدة للبقاء خارج اللعبة الجديدة. وهذا هو تفسير التصريحات المعتدلة بعض الشيء والتي ادلى بها الشيخ ياسين والرنتيسي. في بداية الاسبوع قبل تصفية شحادة ولسبب ما فسرت شعبة الاستخبارات العسكرية هذه التصريحات بأنها اكثر تطرفا من السابق. ومقابل التصريح بوقف اطلاق النار من طرف واحد كان من المفروض ان يصدر يوم الاربعاء مقالة بدون توقيع في التايمز اللندنية تتضمن توجها مباشرا لمواطني اسرائيل توضيح دوافع هذه الخطوة ولا تزال المقالة على طاولة هيئة التحرير. والوثيقة الثالثة ـ بالعربية ـ تتضمن بيانا للتنظيم ضد العمليات الانتحارية وهي وثيقة من اربع منظمات تصف العمليات الانتحارية بانها عمل لا اخلاقي. وكان من المفروض ان تنشر في مرحلة متأخرة جدا. في يوم الاحد هذا الاسبوع، في ساعات الظهيرة المبكرة التقت اوساط معروفة لجهاز الامن مع قيادة المخابرات العسكرية ومع ضابط كبير جدا في الهيئة العامة واطلعوهم على أدق التفاصيل المتعلقة في الحوار الفلسطيني الداخلي. وطلبوا من اسرائيل منح هذه الخطوة فرصة. وان يصبروا حتى لو وقع بعد الاعلان عملية واحدة او اثنتين. في اسرائيل كانوا يعلمون طوال الوقت بما يجري في الجانب الفلسطيني من مصادر استخبارية مستقلة. وهذه المعطيات لم تؤثر على اعتبار اختيار الوسائل والمخاطرة في اختيار التوقيت للهجوم. وكان ميل شعبة الاستخبارات سلبيا تجاه المبادرة الفلسطينية بحيث لم تعفها من فرصة الدخول في جملة الاعتبارات. من الممكن ان تكون شعبة الاستخبارات محقة وان المبادرة لن تسفر عن شيء. ولكن حين يدور الحديث عن خطوة، لا يمكن ، بل ويحظر، تجاهلها. مستقبل المبادرة الفلسطينية غامض. والمتفائلون وسط قادة التنظيم يعتقدون انه ربما من الافضل العودة والاعلان عن المبادرة الاسبوع المقبل حين تهدأ الامور. من الواضح انه في المرحلة الحالية لا يمكن لحماس ان تنضم الى هذه العربة والمتشائمون يدعون انه يجب وقف هذه الخطوة الى ان تنتقم حماس وترد اسرائيل ويهدأ الطرفان.قال مصدر عسكري في اسرائيل هذا الاسبوع: اذا كان الحديث يدور عن خطوة استراتيجية وليس بكلام فارغ فان هذه المبادرة ستخرج ثانية، فهذه مصلحتهم.