الصحة والسعادة وجهان لعملة واحدة، والسعادة التي نقصدها تتمثل في درجة الرضا عن الحياة وبوصفها انعكاسا لمعدلات تكرار حدوث الانفعالات السارة. وشدة هذه الانفعالات. وللسعادة عناصر ثلاثة ينبغي اخذها بعين الاعتبار هي: الاستمتاع والشعور بالبهجة، الرضا عن الحياة بمجالاتها المختلفة، العناء بما يتضمنه من قلق واكتئاب. وبالاضافة الى ذلك يمكننا اضافة الصحة كعنصر رابع لكونها ترتبط بما سبق من عناصر. وللدلالة على ما سبق نستعرض ماهية العلاقة الكائنة بين الشعور بالرضا عن العمل والصحة والسعادة، اذ تشير الدراسات ان انخفاض الشعور بالرضا عن العمل يرتبط بمعدلات عالية من القلق والاكتئاب والمشاعر السلبية التي تضعف الجسم وتعرضه للاصابة بالأمراض الجسدية النفسية المنشأ كالقولون العصبي وأمراض القلب والأوعية الدموية وغيرها، ويرتبط اضطراب الصحة النفسية بانخفاض الرضا عن العمل اكثر من ارتباطه مع خصائص العمل الاخرى. وتجدر الاشارة الى ان الدعم الاجتماعي يعد مصدرا اساسيا من مصادر الرضا عن العمل والصحة النفسية. وتؤكد بعض الدراسات على ان الرضا عن العمل من العوامل المرتبطة بطول العمر. من اهم الاسباب التي تؤدي للشعور بعدم الرضا عن العمل: انخفاض الدخل مقارنة بالجهد، العمل الممل، عدم توفر العلاقات الجيدة بين الزملاء، ووجود الحواجز الكبيرة بين الموظف ورؤسائه في العمل، الشعور بعدم الامان، وافتقاد المؤسسة للمعايير الاساسية لتقييم اداء الموظفين وترقيتهم ومنحهم الفرص لتطوير ادائهم في العمل والابداع فيه. وتشير الدراسات الى ان الرضا عن العمل يؤدي الى التقليل من السلوك المعوق للانتاج كالتخريب والسرقة واثارة المشاكل والشائعات وسوء الاداء وقلة الانتاج، وعدم استثمار الوقت بالشكل الامثل. ومثل هذا الامر يبدو جليا لدى الموظف الذي يشعر بالظلم الذي يقوم بمثل هذه السلوكيات الخاطئة كنوع من ردود الفعل تجاه الظلم الواقع عليه. ان الفروق في المشاعر المتعلقة بالرضا عن العمل ترتبط بطبيعة المهن، واكثر الناس شعورا بالرضا عن العمل هم من اصحاب المراتب الكبيرة كأساتذة الجامعات والأطباء والمدراء والمحامين وغيرهم، ويعود ذلك لاسباب عديدة اهمها ان هذه المهن لها امتيازات عديدة معنوية ومادية ولزيادة الرضا عن العمل بغض النظر عن المهنة وطبيعتها ينصح المختصون في مجال الصحة النفسية وتعزيز السلوك الايجابي بالعمل على تحقيق النقاط التالية: اختيار المهنة المناسبة وفقا للقدرات المهنية والخبرات الشخصية. يعتبر التنظيم اساس النجاح في العمل، ولهذا ينبغي الحرص على عدم هدر الوقت والجهد، ووضع برنامج يومي وأهداف قابلة للتحقيق على مستوى الحياة العملية بشكل عام. تحسين العلاقات داخل العمل والتي تجعل المرء يشعر بأنه ضمن اسرته، وهذا الامر سيساعد على زيادة انتاجه واكتسابه المزيد من المهارات ومشاركته في اتخاذ القرر ايضا. من المهم جدا ألا يقف المرء في مكانه حيث يسير الآخرون نحو الامام، اذ ان هناك العديد من الدورات التدريبية التي يمكن الالتحاق بها لتطوير مهارات الانسان والاستفادة من كل جديد. وتجدر الاشارة الى انه اذا ما توفر في العمل الذي يؤديه الانسان امكانية تطوير المهارات والاستقلالية والقدرة على الابداع وتحسين الانتاج فإن هذا العمل يعزز لدى المرء عناصر الرضا عن العمل الذي يحقق له الاستقرار النفسي والمادي. ويحافظ بالتالي على صحته لان من لا يشعر بالرضا عن العمل الذي يقوم به يعاني من التوتر والقلق والانفعال والعديد من الامراض، التي تدفعه للدخول في حلقة مفرغة من الصراع داخل العمل مع الزملاء ورؤساء العمل، ومع الاطباء والأدوية والسلوكيات الضارة خارج العمل التي قد تدفعه للادمان او الانتحار. يتأثر الشعور بالرضا عن العمل بالأعمال التي يتوافق ويتكيف معها الانسان وليس بالضرورة ان تكون هذه الاعمال ذات حوافز مادية اعلى من غيرها، رغم ان هذا العامل لا يمكن اغفاله بحال من الاحوال. ولكن الاهم منه هو العمل ذاته الذي يزودنا بالشعور بالرضا ليس على العمل وانما على الحياة بشكل عام، ومثل هذا العمل غالبا ما يكون ممتعا ويتيح للمرء قدرا كبيرا من الحرية والاستقلالية بعيدا عن الرقابة، ولذلك نرى انه يستحق الجهد الذي تظهر نتائجه على وجود الآخرين الذين يقدرون قيمة هذا العمل الخلاق. ومن اجل ضمان الصحة والسعادة ننصح الجميع بالبحث عن العمل الخلاق الذي يمكن من خلاله ان يبدع المرء وان يشعر بالمتعة وان يحقق له الاستقرار المادي والمعنوي والتوازن المطلوب للتمتع بالصحة والعافية. د. بسام علي درويش