تنتاب المرء أحيانا بعض المشاعر التي لا يستطيع التحكم بها او السيطرة عليها وكلما كان الموقف صعبا ازدادت حدة الشعور المصاحب له واذا كان هناك الكثير من الاماكن، التي تشاهد فيها مشاعر الانسان بكل تجلياتها، الا ان هناك مكانا واحدا ترى فيها المشاعر وقد تضاربت من انسان لآخر، تجد شخصا يجاور اخر، وكل منهما تمتلكه انفعالات مختلفة، فهذا يبكي، وهذا يضحك، ذاك يتألم، وذاك سعيد. مشهد غريب طريف.. لكنه يشد الانتباه، ويحرضنا الى اكتناه هذا التناقض في المشاعر في مكان واحد، وربما في مساحة متر مربع.. انه المطار، ذلك الذي يموج بالمودعين والمستقبلين، يموج بالقبلات.. لكن شتان بين قبلة مليئة بالحزن والاسى لفراق مسافر، وبين اخرى تفيض بالفرحة والشوق لاستقبال شخص عزيز علينا.. حول هذا الموضوع قامت «دنيا الناس» بالبحث في ثنايا هذه المشاعر المتضاربة. ويقول حسام محمد عبدالرحمن أتيت إلى المطار من الصباح الباكر لاستقبال ابن خالتي وهو شاب عزيز على نفسي كثيراً وأحبه محبة خالصة ولم أره منذ أكثر من سنة، وقد بكرت في الحضور لأن النوم لم يطرق جفوني والسهر لم يغادر عيوني، فما ان بزغ نور الفجر حتى أتيت إلى المطار لكني شعرت ان الانتظار كاد ان ينتهي وان من انتظره أصبح وصوله وشيكا والبقاء في المطار منتظراً خير من البقاء في المنزل لأن الفرحة ستكون كبيرة. ومنذ أيام خلت والفرحة على وجهي وأشعر براحة نفسية وضحكات تغازل شفتاي ومشاعر لا استطيع التحكم بها أو كبح جماحها وكلما قرب موعد الوصول ازداد القلب خفقانا ولا أخفي على أحد انني اعد الثواني والدقائق وأتمنى اليوم ان يمضي حتى يكون الموعد قريباً جداً، فلهفة الانتظار موحشة واحياناً قاتلة، وحقيقة انني لا أقوى على تحمل فترة الانتظار وفي المقابل فهناك الشوق والحنين لمقابلة من تسعد بلقياه وتأنس برؤياه واليوم أنا متواجد في صالة الانتظار، وأشعر ان الكرسي الذي أجلس عليه ماهو إلا شوك، وعيناي ترمقان اي قادم في صالة القادمين لكي اعانقه وأرحب به، وأطلق العنان لشفتاي بالضحك الصادق لأنني طالما ضحكت متسليا في غيبته أو واهماً نفسي بارتياح في ذاكرتي وكثيرا كنت أضحك عندما يعبر خياله وطيفه في ذاكرتي لشعوري بأنه قريب مني أما الآن وبعد لحظات سوف أضحك ضحكاً حقيقياً لأنه سيصبح أمامي كما انه سوف يكون بجانبي أحادثه ويحادثني يقاسمني همومي ويشاركني طعامي وهناك مخزون عاطفي كثير ما زلت أكبح جماحه وأسيطر عليه قدر استطاعتي لأنني أمام مرأى ومسمع من الناس وفي مكان عام ومفتوح وأخاف ان تدفعني مشاعري إلى بعض الانفعالات التي قد يسخر منها البعض وربما يهزأ مني وأنا وقتها في حالة اللاوعي وكذلك في وقت امطار المشاعر دون حساب ودون مراقبة من نفسي، وان كنت واثقاً ان جميع المتواجدين هنا سوف ينفعلون بنفس انفعالي، لكن ماذا أفعل واستقبال من هو عزيز عليك لا يساوي شيئا أبداً، فاستقبال عزيز علينا يعجز الكلام عن وصف مشاعره كما انه احيانا يعجز التصرف والفعل عن وصفها، فالتعبير عن فرحة من تستقبل، فالموقف أصعب من الكلام، وكثير من الناس يفقد القدرة على الكلام. لغة العين ويقول بطي راشد ان الوداع يعني الفراق وكلاهما سواء، وهما أمران أحلاهما مر، فالانسان بتكوينه الفطري وغريزته التي خلقها الله جبل على الألفة والتواصل لذا فهو يأنس للتقارب والبقاء مع كل من تألفه نفسه وخاصة أهله وأقرباؤه وأصدقاؤه وفي المقابل يخشى لحظات الوداع التي تمثل اسوأ ذكرياته وعندما يقرر أحد من أفراد العائلة السفر إلى وجهة ما لقضاء أجازة الصيف فتغزوني مشاعر الحزن والكآبة والملل وربما تسربت إلى نفسي مشاعر أخرى أشد وطأة وهي الاحساس بعدم الرغبة في الأكل أو إلى الضحك أو الذهاب إلى الاصدقاء، وكلما ذكرت الموضوع ازداد غمي وأغرورقت عيناي بالدمع وأظل أياماً منزوياً لوحدي لا أكلم أحداً، وربما هجرتني السعادة لفترة من الوقت وهذا ينعكس على واقعي في الحياة، فعندما أهم إلى النوم تبدأ رحلة الحرب بين النوم والأرق فإذا انتصر الأرق بقيت أسيره، وفي حالة الظفر بالنوم كانت غنائمي هي الكوابيس المزعجة التي لا تدعني أخلد إلى النوم، فتكون النتيجة واحدة وهي السهر، مما يؤثر على صحتي، فالاعصاب تتعب والمشاعر تتبلد ولا يخفى على احد تلك المشاعر فالجميع اتوقع ان يكون كذلك لأن الإنسان لا يستطيع ان يفارق من تهفو له نفسه وجميع الأمور التي ذكرتها وما أقاسيها ما هي الا مشاعر حزن مؤقتة تنتابني قبل توديع الشخص اما الشعور الحقيقي فيتسرب الي اثناء التوديع وكأن المطار ما هو إلا مكان لتمزيق نياط القلوب وانهمار الدموع وتوديع النفس والذكريات الجميلة واستقبال الهموم والآلام والوحدة بجانب إظهار المشاعر الحقيقية التي تجسد معاني الحزن وربما كانت هناك بعض الانفعالات التي لا تتجلى الا عند الوداع ومنها العناق الحار التي تتبادله الكلمات المؤلمة التي تزيد القلب عذاباً كما تتراشق الاعين وابلاً من الدموع تسيل كأنها نار تحرق الوجه اما الارض فقد ضاقت بما رحبت ولم يعد للكلام متسع لكن الاعتبارات التي من اجلها تم هذا الوداع ربما تهون من الامر قليلاً فأحيانا يكون السفر لقضاء إجازة أو لإكمال دراسة وغير ذلك فالمحبة الزائدة للشخص المغادر وديمومة السعادة له تجعل المودع مرتاحاً نوعاً ما واكثر تحكماً بانفعالاتي ومشاعري والمسألة لا تتعلق بماهية الدوافع وانما على الشخص المودع فكلما كان تعلقه بالمغادر كثيراً كان حزنه أكبر واعمق ولا يتلاشى مع الوقت والعكس صحيح فكلما بعد الشخص المغادر عن المودع كان الحزن قليلاً وهامشياً ويتلاشى بعد فترة الوداع مباشرة والغريب ان المطار هو مكان يحتضن مشاعر متضادة تمثل السعادة والحزن فعلى النقيض من المودع وحزنه وآلامه وهمومه وانكساره وبكائه نرى فرحة الاستقبال وابتساماته وسعادته فكيف لمن يحتضن بين جنبيه حزنا ان يحتضن معه الفرح وقد ادركت الاستقبال والوداع فالاستقبال يعيدك انسانا سعيداً بعد الشقاء اما الوداع فيجعلك انسانا شبه ميت وانت حي وذلك لفطرة الانسان، كما اسلفت وهناك مشاعر كثيرة تكون مصاحبة للوداع ولكني بقدر استطاعتي احاول السيطرة عليها لان ذلك لا يجوز له ان يكون في مكان عام مثل الافراط في البكاء والحياء من النفس والا دككت ركبتي على الارض لكثرة الحنين الى الشخص المغادر وهذه مشاعر واحاسيس نعيشها دائما، ففي كل يوم يغادرنا احد الأحبة سواء من الاهل او الاصدقاء أو الاقارب نقوي النفس بالصبر والجلد. مشاهد مؤثرة ويقول سعيد محمد ان موضوع المشاعر المتعلقة بالاستقبال والوداع وخاصة في اماكن السفر ومنها المطار فالانسان يرى العجب ويرى مالا يصدق وان حدث بحديث قال ذلك ضرب من الخيال والحقيقة انه من يذهب الى المطار يرى اموراً عجباً فهناك شخص متوثب لاستقبال احد احبائه واخر تملؤه الفرحة والغبطة وثالث جاء منكسراً ليودع شخصاً آخر وهو ممتليء بالحزن والهم. وخلال تواجدي في ارض المطار رصدت عيني مشاعر غريبة وعجيبة ومتناقضات كبيرة بين الاستقبال والوداع فاذكر يوماً كنت فيه بمطار وكان بجانبي رجل مسن وعندما سمع المذيع يذيع نبأ وصول الطائرة التي ينتظرها لاحظت مدى الفرحة التي كادت ان تقتله، فاهتز وارتج. سعادة عارمة ويقول مسعد امام اتيت لاستقبال قريب لي لم أره منذ اكثر من سنة ويتملكني شعور مفعم بالسعادة وأرى ان العالم بأجمعه سعيد معي وبالرغم من ذلك ينتابني شعور آخر ممزوج بالرغبة والرهبة فهناك رغبة شديدة في معانقته وتبادل القبل وسماع صوته ورؤيته التي غابت منذ فترة إلا أن عامل الرهبة يقيدني احياناً فماذا اقول له وكيف سيكون اللقاء وخاصة عندما تتعانق النظرات من بعيد قبل تعانق الجسد كلها مشاعر متداخلة لا استطيع التحكم بها ولا السيطرة عليها لكن ما أستطيع قوله انني سعيد جداً لانني بعد قليل سأستقبل احد اقربائي ولاشك ان هذه اللحظة جميلة وغالية في حياة كل إنسان وبالنسبة لي فإنه صعب جدا علي ان اصف مشاعري في هذه اللحظة وكلما اقترب موعد وصول الطائرة زادت فرحتي وسعادتي ناسياً جميع الهموم التي اعانيها والمصائب التي اقاسيها ضارباً بكل ما يعكر صفوي في ذلك اليوم عرض الحائط غير مبال فقد اعطيت نفسي اليوم اجازة حيث افرغتها للفرح والسعادة. ومن نعم الله على عباده ان جعل بينهم لحظة الاستقبال فهي ممتعة حقا وتخلق عند الانسان فرحة وسعادة خاصة لا يشعر بها إلا من وقف بين أروقة المطار يسترق السمع علّه يسمع بوصول الطائرة التي على متنها صاحبه او قريبه ووقتها يشعر المستقبل بسعادة غامرة تختلف عن جميع انواع السعادة المختلفة في حياته ولكن الذي لا أصدقه احيانا انني اقوم ببعض الحركات والانفعالات خلال فترة الاستقبال وأكون في حالة اللاوعي ولا أدرك ما أفعله وعندما تهدأ النفس وأسترجع شريط الذكريات ارى اني قمت بحركات وانفعالات لا أقوم بها أبدا ولو عاد ذلك اليوم لا أتوقع اني أقوم بالحركات ذاتها وعموما فلحظات الاستقبال ممتعة جدا فمن خلالها تذوب جميع الخلافات وتنسى المشاكل وتذهب الهموم ويحل محلها سعادة وأنس ولحظات أتمنى لو تبقى دائما ولكن دوام الحال من المحال، فعندما تشعر ان الجميع يضحك تعاونا مع ضحكك ويبهج لبهجتك ويأنس لك فلا شك ان السعادة تكون شيئا لا يوصف. فترات حرجة ويقول رمضان سعد اتيت الى المطار لكي استقبل شقيقي الذي لم أره من سنتين ولدي أحاسيس مختلفة فأنا اريد ان ابكي كما اريد ان احضنه وأضمه الى صدري حتى اسمع دقات قلبه وهناك شعور داخلي لا أعرف كيف اصفه او اتحدث به فالكلمات تقف حائرة على شفتاي والعبارات تقف حائرة ولا تعرف كيف تخرج من الفم، فالفرقة كانت طويلة فهو اخي لا استطيع مفارقته ساعة واحدة فكيف شعوري نحوه وقد تفارقنا اربعة وعشرين شهرا، لا شك انها لحظات خالدة في حياتي وقد انتظرت هذه اللحظة منذ اسابيع وهيأت لها كل ما استطيعه وتمنيت لو أن الايام كانت دقائق والساعات ثواني، وكنت دائم التبسم بيني وبين نفسي وكلما أزف الموعد ارى ان لا قبل لي على الصبر وها هو اليوم الذي انتظرته طويلا قد اتى يزف الي البشرى وأتيت الى المطار مرتديا ملابسي الجديدة وذلك لاستقبال شقيقي وحانت اللحظة فلا يفصلني عن معانقة اخي سوى دقائق قليلة فأضمه الى صدري واحتضنه وأقبله بين عينيه. لحظات صعبة ويقول عبيد سالم ان الله لم يخلق ألما مثل ألم الفراق والوداع فإن ذلك صعب جدا على الانسان خاصة عندما يقف عاجزا حزينا امام من يودعه ويبقى الوداع مؤلما وان كان يستغرق فترة بسيطة فمنه مثلا توديع الاطفال الصغار عندما يذهبون الى الروضة وكلما كبر موقف الوداع كبر معه حجم الألم والحرقة وأعلى درجات الألم عند الوداع ذلك الوداع الذي يعقبه فرقة ليست بالقصيرة وخاصة السفر والاغتراب لسنوات طويلة، فهنا يكون الوداع صعبا ومر المذاق ولا تقوى النفس البشرية على احتماله لانه فوق طاقتها ولا قبل لها به ناهيك عن تلك المشاعر والاحاسيس والانفعالات التي تدل دلالة واضحة وقاطعة على انكسار النفس وحزنها وعدم صبرها عن الشخص الذي سوف يغادر البلاد مخلفا وراءه صفحات كثيرة من الذكريات الجميلة المتمثلة في الصحبة الدائمة والزيارات الاجتماعية والابتسامات المتبادلة بين الطرفين وجميعها وإن كانت مسلية إلا أنها تزيد المواجع، واليوم أتيت مع ابن عم لي أودعه حيث يتوجه الى احدى الدول الاوروبية لاكمال دراسته والفترة التي سوف يقضيها هناك حتى عودته في الصيف المقبل ليست قليلة وانا كثير التعلق به ومنذ أيام وأسابيع خلت اشتركت معه في الذهاب الى السوق وشراء الملابس اللازمة والادوات وغير ذلك مما يلزمه خلال اقامته هناك وإن كانت هناك سعادة متبادلة بيني وبينه من خلال الشراء والتجهيزات للسفر إلا انني أشعر بداخلي ان هناك حزناً كبيراً لأنني وبعد فترة من الوقت سأقوم بتوديعه وكأني أودع جزءاً من نفسي وكنت أتمنى ان تقف الساعة ولا تتحرك حتى لا يأتي موعد السفر والمغادرة، ولكن لا سبيل الى ذلك، فالامتعة قد حزمت والأيام قد قربت ونحن اليوم في آخر محطة وهي المطار. وبعدما يتم الوداع وحقيقة فإنني اشعر بحزن عميق يملأ صدري والكلمات تغص في حلقي ولا أعرف كيف أتكلم ولا أصف، لكني مشاعري في هذه اللحظة قاتلة ولا سبيل للعين إلا ان تسكب دمعها ولا للقلب إلا ان ينفطر حزنا وأشعر بأن رجلي لم تعد تقوى على حملي من كثرة الألم الذي اتجرعه لفراقه. مشاعر متناقضة ويقول صبري محسن ان الانسان يحمل في نفسه كثيراً من المشاعر والانفعالات التي تؤثر في نفسه من خلال الفرح والحزن ومن خلال ذلك تتكون لدى الشخص الواحد عدة انفعالات ومشاعر متناقضة فقبل فترة أتيت الى هذا المكان وهو مطار دبي لوداع قريب لي فانتابتني مشاعر الحزن والأسى والبكاء المتواصل اثناء فترة الوداع وأحسست بحزن يملأ جوانحي ولا أستطيع التغلب عليه مهما فعلت حتى ان الكلمات لم تجد سبيلاً للخروج وبقت مسجونة في فمي وعدت الى منزلي بخطى ثقيلة لاكمال يوم لولا رحمة الله لكان أحزن يوم في حياتي. وبعد أشهر من هذا اليوم ذهبت الى المكان نفسه لاستقبال قريب لي آخر فكان الظرف مختلفاً والمكان واحداً فبالأمس كنت حزيناً محطماً واليوم أتيت والفرحة تسبقني الى المطار وسعادتي كبيرة لأني سوف استقبل قريبي فأشعر بأن الكلمات تخرج بكل سهولة للتعبير عن سعادتي وفرحتي وارتسام البسمة على وجهي من غير ارادة فهي ترتسم من تلقاء نفسها والعين التي بكت بالأمس تضحك اليوم، وسوف أعود الى المنزل وأنا أسعد انسان