منذ أكثر من قرن مضى وبالتحديد بعد ان أعلن الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا الكونغو مستعمرة شخصية له يصنع بها ما يشاء، تزداد النداءات يوماً بعد يوم للقيام بتحقيق في الماضي الاستعماري لبلجيكا وما تخلله من فترات غامضة يدعي الكثيرون بأنها كانت ملأى بعمليات القتل الجماعي والتعذيب لأهل البلاد الأصليين، لكن في كل مرة تزداد فيها حدة الدعوات للقيام بهذه التحقيقات يتم تجاهل الأمر، حتى حدث تطور جذري في السنوات الأخيرة عندما فوض المتحف الملكي لأفريقيا الوسطى الذي تموله الحكومة البلجيكية بنفسها والذي كان يعرف في السابق باسم متحف الكونغو البلجيكية لإعلام الشعب البلجيكي بما كان غير مسموح له ان يعلمه طوال السنوات الطويلة الماضية. وتزايدت منذ ذلك الحين الادعاءات المتعلقة بملوك الاحتلال البلجيكي في الكونغو وجاءت كلها بمثابة الصدمة سواء للبلجيكيين أو لأي شعب آخر والغريب ان كل هذه الادعاءات موثقة وتستند إلى أدلة دامغة، ملخص هذه الادعاءات هو ان حوالي 10 ملايين من أفراد الشعب الكونغولي تم اما قتلهم أو اجبارهم على أعمال السخرة حتى الموت تحت تهديد السلاح الذي كان يحمله جنود الجيش الشخصي والخاص بليوبولد وان النساء كان يتم اغتصابهن بشكل دوري وكان يتم قطع أيدي السكان المحليين واختطافهم واجبارهم على العمل مع الجيش الخاص بليوبولد علاوة على اختطاف الاطفال واجبارهم على خدمة الحاشية الملكية وسرقة القرى واحراق المساكن. كل هذه الأعمال ظلت بعيدة عن نطاق المناقشة والتحقيق لأعوام من قبل الحكومة البلجيكية التي لم تقدم حتى على تقديم أي اعتذار للجانب الكونغولي مما بدر من ملكها السابق في حق هذا الشعب الافريقي الفقير. عدد كبير من هذه الادعاءات وردت في كتاب نشره المؤلف الأميركي آدم هوشيلد، وهو الكتاب الذي أثار ضجة كبيرة لدى توزيعه في بلجيكا عام 1999 لا سيما بين المؤرخين ولكنه لم يؤد إلى تفجير أي تحقيق في هذه الفظائح. وقد قارن هوشيلد في كتابه بين أعداد القتلى من الكونغو تحت الاحتلال البلجيكي وبين النازية تارة واعمال القتل التي قام بها ستالين تارة أخرى. يقول جويدو جريسيلز مدير المتحف: «سوف نقوم بالتحقيق في هذه الادعاءات، وبحلول عام 2004 سوف نحاول ان نقدم رداً على كتاب هوشيلد، فنحن لا نستطيع ان نتجنب الاجابة عن تلك التساؤلات التي وردت بالكتاب، فقد وصلت القضية إلى درجة كبيرة من الخطورة فالجميع يطرحها طوال الوقت، ونحن ليس لدينا ما نقوله». ولا شك ان القيام بتحقيق في هذه الادعاءات ومدى صحتها سوف يجبر الحكومة البلجيكية على مواجهة أشباح ماضيها الاستعماري ويضطرها إلى معالجة موضوع كان الكلام حوله أمراً محرماً منذ ان أعطى هنري مورتون ستانلي، المكتشف الويلزي المولد الذي اكتشف الكونغو ، وفي ظل غنى هذا البلد بالمطاط والعاج إلى ليوبولد عام 1985. ومن المرجح ان تبدأ هيئة التحقيق في الأمر، والتي سوف يرأسها البروفيسور جين لوك فيلوت عملها في خلال الشهرين المقبلين، وتقديم نتائج تحقيقاتها في عام 2004، والذي سيوافق الذكرى المئوية لموت ستانلي، حيث يتم نشر هذه النتائج في اطار معرض يقام بالمتحف. وإذا كانت الكونغو تمثل العمود الفقري المنسي لبلجيكا فإن هذا المتحف يعد الخزانة المهملة لهذه الدولة الأوروبية، فهو عبارة عن قصر مهيب، يقع بالقرب من العاصمة بروكسل بناه ليوبولد بفضل الأموال التي استولى عليها بسيطرته على ثروات الكونغو الطبيعية من مطاط وعاج.. إلخ. ويعج المتحف بملايين التحف والاشياء التي تم احضارها إلى بلجيكا من الكونغو وأفريقيا بشكل عام في ظروف غامضة، فهناك صور ومجسمات لحيوانات وحشرات وأسماك ونماذج من الفن الافريقي وصور لعديد من الضباط البلجيكيين الذين يشار إليهم الآن بأصابع الاتهام لارتكابهم فظائع في حق الشعب الكونغولي التي لا يوجد لها أي ذكر بين جنبات المتحف. ولا يمكن انكار ان هناك رغبة في تحديث المتحف وتخليصه من الاخطاء التاريخية التي يعج بها وان هذه الرغبة كانت أحد العوامل وراء القيام بالتحقيق. ويعترف السيد جريسيلز ان «المتحف لم يتم تطويره أو تغييره خلال 44 عاما مضت فهناك طابع استعماري يتخلله، فعندما تسير بين جنباته تجد هناك تمثالاً لصبي أسود ينظر إلى أعلى في وجه أحد المبشرين البيض ويرمز إلى ان بلجيكا هي التي جلبت الحضارة إلى الكونغو، وهناك حاجة إلى تغيير الرسالة التي يحملها المتحف حتى لا يقوم المتحف بوظيفة عكس وجهة نظر بلجيكا قبل 1960 وحسب. فهناك حاجة إلى ان تتواجد أيضاً وجهات النظر الافريقية حتى يتسنى للزائر ان يقرر بنفسه ما الذي يجب تصديقه. وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على استيلاء ليوبولد على الكونغو تلك الدولة التي تشغل مساحة تعادل تقريباً مساحة جميع دول أوروبا الغربية، والتي تزيد مساحتها عن مساحة بلجيكا بـ 76 مرة، فإنه لا يزال هناك حساسية بالغة عند الحديث عن اتهام بلجيكا بممارسة أعمال وحشية في هذا البلد الافريقي. يقول السيد جريسيلز: «انها حقيقة تمس أعماق الروح البلجيكية، فنحن فعلاً لم نستطع التكيف معها بعد، فالكشف عن هذه الادعاءات جاء بمثابة صدمة حقيقية، فنحن تربينا ونشأنا على فكرة ان بلجيكا هي التي أوصلت الحضارة إلى افريقيا، فالمناهج المدرسية لم تتطرق إلى أي من الادعاءات الخاصة بأي ممارسات وحشية في الكونغو. ولا شك ان عملية التحقيق في هذه الادعاءات ستمثل الخطوة الأولى على الطريق نحو التواصل مع الماضي، وفي الوقت نفسه فإن هناك شعوراً يتملك عدداً من المؤرخين الذين تمت دعوتهم للتحقيق في القضية بأن المؤرخين الاجانب تأثروا بأعمال مضادة مثل كتاب «قلب الظلام» لجوزيف كونراد. يقول البروفيسور فيلوت: «ان مقارنة الأمر بالنازية يعتبر اهانة للحق، نحن بحاجة إلى ان ننظر إلى التاريخ بعناية ونكون حذرين. ويعترف البروفيسور بأن كثيراً من الادعاءات لا يمكن تفنيدها ولكن الكشف الدقيق عن حجم الأعمال الوحشية أمراً سيكون صعباً. ويضيف: ان الاحصاءات الخاصة بهذه الفترة لا يمكن الاعتماد أو الركون إليها، فالمرء بالكاد يعرف حجم السكان في تلك الفترة، بوسع المرء ان يجد أرقاماً واحصاءات تجعل مذابح التاريخ الشهيرة تبدو بسيطة بالمقارنة معها. من الذي يعرف ما إذا كان قد قتل 10 ملايين أو 15 مليون كونغولي؟ ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»